الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ . كِتَابُ الْأَحْكَامِ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إِلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ ، وَالْآخَرُ يَرْجِعُ إِلَى خِطَابِ الْوَضْعِ ; فَالْأَوَّلُ يَنْحَصِرُ فِي الْخَمْسَةِ ; فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ ، وَهِيَ جُمْلَةٌ : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى [ فِي الْمُبَاحِ ] الْمُبَاحُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ لَا يَكُونُ مَطْلُوبَ الْفِعْلِ ، وَلَا مَطْلُوبَ الِاجْتِنَابِ ، أَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ بِمَطْلُوبِ الِاجْتِنَابِ ; فَلِأُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمُبَاحَ عِنْدَ الشَّارِعِ هُوَ الْمُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ، مِنْ غَيْرِ مَدْحٍ وَلَا ذَمٍّ ، لَا عَلَى الْفِعْلِ ، وَلَا عَلَى التَّرْكِ ، فَإِذَا تَحَقَّقَ الِاسْتِوَاءُ شَرْعًا وَالتَّخْيِيرُ ، لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ التَّارِكُ بِهِ مُطِيعًا ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الطَّلَبِ بِالتَّرْكِ ; فَإِنَّ الطَّاعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الطَّلَبِ ، وَلَا طَلَبَ فَلَا طَاعَةَ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُبَاحَ مُسَاوٍ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَطْلُوبِ التَّرْكِ ، فَكَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مُطِيعًا بِتَرْكِهِ شَرْعًا ; لِكَوْنِ الشَّارِعِ لَمْ يَطْلُبِ التَّرْكَ فِيهِمَا ، كَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ الْمُبَاحِ مُطِيعًا شَرْعًا . لَا يُقَالُ : إِنَّ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ يُفَارِقَانِ الْمُبَاحَ بِأَنَّهُمَا مَطْلُوبَا الْفِعْلِ ; فَقَدْ قَامَ الْمُعَارِضُ لِطَلَبِ التَّرْكِ ، وَلَيْسَ الْمُبَاحُ كَذَلِكَ ; فَإِنَّهُ لَا مُعَارِضَ لِطَلَبِ التَّرْكِ فِيهِ . لِأَنَّا نَقُولُ : كَذَلِكَ الْمُبَاحُ فِيهِ مُعَارِضٌ لِطَلَبِ التَّرْكِ ، وَهُوَ التَّخْيِيرُ فِي التَّرْكِ ; فَيَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ بَيْنَ طَلَبِ التَّرْكِ عَيْنًا ، وَبَيْنَ التَّخْيِيرِ فِيهِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ إِذَا تَقَرَّرَ اسْتِوَاءُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي الْمُبَاحِ شَرْعًا ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ الْمُبَاحِ مُطِيعًا بِتَرْكِهِ ; جَازَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُطِيعًا بِفِعْلِهِ ، مِنْ حَيْثُ كَانَا مُسْتَوِيَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بِاتِّفَاقٍ ، وَلَا مَعْقُولٍ فِي نَفْسِهِ . وَالرَّابِعُ : إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ نَاذِرَ تَرْكِ الْمُبَاحِ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ ، بِأَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ الْمُبَاحَ ، وَأَنَّهُ كَنَذْرٍ فَعَلَهُ . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، فَلَوْ كَانَ تَرْكُ الْمُبَاحِ طَاعَةً لَلَزِمَ بِالنَّذْرِ ، لَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِطَاعَةٍ . وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ قَائِمًا ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْلِسَ ، وَأَنْ يَسْتَظِلَّ ، وَيُتِمَّ صَوْمَهُ ، قَالَ مَالِكٌ : أَمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً ، وَيَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً ; فَجَعَلَ نَذْرَ تَرْكِ الْمُبَاحِ مَعْصِيَةً كَمَا تَرَى . وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَارِكُ الْمُبَاحِ مُطِيعًا بِتَرْكِهِ - وَقَدْ فَرَضْنَا أَنَّ تَرْكَهُ وَفِعْلَهُ عِنْدَ الشَّارِعِ سَوَاءٌ - لَكَانَ أَرْفَعَ دَرَجَةً فِي الْآخِرَةِ مِمَّنْ فَعَلَهُ ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا ; فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا أَنَّ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ مُنَزَّلَةٌ عَلَى أُمُورِ الدُّنْيَا ، فَإِذَا تَحَقَّقَ الِاسْتِوَاءُ فِي الدَّرَجَاتِ ، وَفِعْلُ الْمُبَاحِ وَتَرْكُهُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ مُتَسَاوِيَانِ ، فَيَلْزَمُ تَسَاوِي دَرَجَتِيِ الْفَاعِلِ وَالتَّارِكِ إِذَا فَرَضْنَا تَسَاوِيَهُمَا فِي الطَّاعَاتِ ، وَالْفَرْضُ أَنَّ التَّارِكَ مُطِيعٌ دُونَ الْفَاعِلِ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَرَفَعَ دَرَجَةً مِنْهُ ، هَذَا خُلْفٌ وَمُخَالِفٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُظْلَمَ الْإِنْسَانُ فَيُؤْجَرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُطِعْ ; فَلَا كَلَامَ فِي هَذَا . وَالسَّادِسُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَرْكُ الْمُبَاحِ طَاعَةً ; لَلَزِمَ رَفْعُ الْمُبَاحِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَا يُخَالِفُ فِي هَذَا الْكَعْبِيُّ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَاهُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ ، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الْفِعْلِ ، وَكَلَامُنَا إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الْفِعْلِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ . وَأَيْضًا ; فَإِنَّمَا قَالَ الْكَعْبِيُّ مَا قَالَ بِالنَّظَرِ إِلَى فِعْلِ الْمُبَاحِ ; لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ تَرْكَ حَرَامٍ ، بِخِلَافِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى تَرْكِهِ ; إِذْ لَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكُهُ فِعْلَ وَاجِبٍ فَيَكُونَ وَاجِبًا ، وَلَا فِعْلَ مَنْدُوبٍ فَيَكُونَ مَنْدُوبًا ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ الْمُبَاحِ بِإِطْلَاقٍ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ . وَالسَّابِعُ : أَنَّ التَّرْكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ ; فَتَرْكُ الْمُبَاحِ إِذًا فِعْلٌ مُبَاحٌ . وَأَيْضًا ; الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ أَوْ بِالتُّرُوكِ بِالْمَقَاصِدِ ، حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رُجُوعَ التَّرْكِ إِلَى الِاخْتِيَارِ كَالْفِعْلِ ; فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ الْمُبَاحِ مُطِيعًا بِنَفْسِ التَّرْكِ ، جَازَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُطِيعًا ، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ مُحَالٌ . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا كُلُّهُ مُعَارَضٌ بِأُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ سَبَبٌ فِي مَضَارَّ كَثِيرَةٍ : مِنْهَا أَنَّ فِيهِ اشْتِغَالًا عَمَّا هُوَ الْأَهَمُّ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعَمَلِ بِنَوَافِلِ الْخَيْرَاتِ ، وَصَدًّا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ . وَمِنْهَا أَنَّهُ سَبَبٌ فِي الِاشْتِغَالِ عَنِ الْوَاجِبَاتِ ، وَوَسِيلَةٌ إِلَى الْمَمْنُوعَاتِ ، لِأَنَّ التَّمَتُّعَ بِالدُّنْيَا لَهُ ضَرَاوَةٌ كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ ، وَبَعْضُهَا يَجُرُّ إِلَى بَعْضٍ إِلَى أَنْ تَهْوِيَ بِصَاحِبِهَا فِي الْمَهْلَكَةِ ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ . وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَاءَ بِذَمِّ الدُّنْيَا وَالتَّمَتُّعِ بِلَذَّاتِهَا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا [ الْأَحْقَافِ : 20 ] . [ وَقَوْلِهِ ] : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [ هُودِ : 15 ] . وَفِي الْحَدِيثِ : إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا فُتِحَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ . وَذَلِكَ كَثِيرٌ شَهِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَهُوَ كَافٍ فِي طَلَبِ تَرْكِ الْمُبَاحِ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ . - وَمِنْهَا : مَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطُولِ الْحِسَابِ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَدْ جَاءَ : إِنَّ حَلَالَهَا حِسَابٌ ، وَحَرَامَهَا عَذَابٌ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ : " اعْزِلُوا عَنِّي حِسَابَهَا " ، حِينَ أُتِيَ بِشَيْءٍ يَتَنَاوَلُهُ ، وَالْعَاقِلُ يَعْلَمُ أَنَّ طُولَ الْحِسَابِ نَوْعٌ مِنَ الْعَذَابِ ، وَأَنَّ سُرْعَةَ الِانْصِرَافِ مِنَ الْمَوْقِفِ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ ، وَالْمُبَاحُ صَادٌّ عَنْ ذَلِكَ ; فَإِذَا تَرَكَهُ أَفْضَلُ شَرْعًا ، فَهُوَ طَاعَةٌ ، فَتَرْكُ الْمُبَاحِ طَاعَةٌ . فَالْجَوَابُ : أَنَّ كَوْنَهُ سَبَبًا فِي مَضَارَّ - لَا دَلِيلَ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْكَلَامَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ مُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ ، وَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِيمَا إِذَا كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى أَمْرٍ آخَرَ ; فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى مَمْنُوعٍ ; صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُبَاحًا ، وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " كُنَّا نَدَعُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ " . وَرُوِيَ مَرْفُوعًا . وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ; فَذَمُّ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ أَنَّهَا تَصِيرُ ذَرِيعَةً إِلَى تَعْطِيلِ التَّكَالِيفِ . وَأَيْضًا ; فَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْمُبَاحِ فِي سَوَابِقِهِ أَوْ لَوَاحِقِهِ أَوْ قَرَائِنِهِ مَا يَصِيرُ بِهِ غَيْرَ مُبَاحٍ ، كَالْمَالِ إِذَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ ، وَالْخَيْلِ إِذَا رَبَطَهَا تَعَفُّفًا ، وَلَكِنْ نَسِيَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَالثَّانِي : أَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى كَوْنِهِ وَسِيلَةً ; فَلَيْسَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ بِإِطْلَاقٍ ، بَلْ هُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، فَيَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مَطْلُوبَ التَّرْكِ . وَقِسْمٌ يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى مَأْمُورٍ بِهِ ; كَالْمُسْتَعَانِ بِهِ عَلَى أَمْرٍ أُخْرَوِيٍّ ; فَفِي الْحَدِيثِ : نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ ، وَفِيهِ : ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ . . . إِلَى أَنْ قَالَ : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، بَلْ قَدْ جَاءَ أَنَّ فِي مُجَامَعَةِ الْأَهْلِ أَجْرًا ، وَإِنْ كَانَ قَاضِيًا لِشَهْوَتِهِ ; لِأَنَّهُ يَكُفُّ بِهِ عَنِ الْحَرَامِ ، وَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ كَثِيرٌ ; لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ وَسَائِلَ إِلَى مَأْمُورٍ بِهِ ، كَانَ لَهَا حُكْمُ مَا تُوُسِّلَ بِهَا إِلَيْهِ . وَقِسْمٌ لَا يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى شَيْءٍ ; فَهُوَ الْمُبَاحُ الْمُطْلَقُ ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَإِذَا فُرِضَ ذَرِيعَةً إِلَى غَيْرِهِ ; فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْغَيْرِ ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ إِذَا قِيلَ : إِنَّ تَرْكَ الْمُبَاحِ طَاعَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ ; لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى مَا يُنْهَى عَنْهُ ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ ; فَيُقَالُ : بَلْ فِعْلُهُ طَاعَةٌ بِإِطْلَاقٍ ; لِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ تُرِكَ حَرَامٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَرَكَ الْمُحَرَّمَاتِ كُلَّهَا عِنْدَ فِعْلِ الْمُبَاحِ ، فَقَدْ شَغَلَ النَّفْسَ بِهِ عَنْ جَمِيعِهَا ، وَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى ; لِأَنَّ الْكُلِّيَّةَ هُنَا تَصِحُّ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : كُلُّ مُبَاحٍ وَسِيلَةٌ إِلَى مُحَرَّمٍ أَوْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ بِإِطْلَاقٍ ، فَظَهَرَ أَنَّ مَا اعْتُرِضَ بِهِ لَا يَنْهَضُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمُبَاحِ طَاعَةٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِنَّهُ سَبَبٌ فِي طُولِ الْحِسَابِ " فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ فَاعِلَ الْمُبَاحِ إِنْ كَانَ يُحَاسَبُ عَلَيْهِ ; لَزِمَ أَنْ يَكُونَ التَّارِكُ مُحَاسَبًا عَلَى تَرْكِهِ ، مِنْ حَيْثُ كَانَ التَّرْكُ فِعْلًا ، وَلِاسْتِوَاءِ نِسْبَةِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ شَرْعًا ، وَإِذْ ذَاكَ يَتَنَاقَضُ الْأَمْرُ عَلَى فَرْضِ الْمُبَاحِ ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ . وَأَيْضًا ; فَإِنَّهُ إِذَا تَمَسَّكَ بِأَنَّ حَلَالَهَا حِسَابٌ ، ثُمَّ قَضَى بِأَنَّ التَّارِكَ لَا يُحَاسَبُ ، مَعَ أَنَّهُ آتٍ بِحَلَالٍ وَهُوَ التَّرْكُ ، فَقَدْ صَارَ الْحَلَالُ سَبَبًا لِطُولِ الْحِسَابِ وَغَيْرَ سَبَبٍ لَهُ ، لِأَنَّ طُولَ الْحِسَابِ إِنَّمَا نِيطَ بِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ حَلَالًا بِالْفَرْضِ ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنَ الْقَوْلِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْحِسَابَ إِنْ كَانَ يَنْهَضُ سَبَبًا لِطَلَبِ التَّرْكِ ، لَزِمَ أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُ الطَّاعَاتِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَسْئُولًا عَنْهَا كُلِّهَا ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الْأَعْرَافِ : 6 ] فَقَدِ انْحَتَمَ عَلَى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، أَنْ يُسْأَلُوا عَنِ الرِّسَالَةِ وَتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعًا مِنَ الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُكَلَّفِينَ . لَا يُقَالُ : إِنَّ الطَّاعَاتِ يُعَارِضُ طَلَبَ تَرْكِهَا طَلَبُهَا . لِأَنَّا نَقُولُ : كَذَلِكَ الْمُبَاحُ ؛ يُعَارِضُ طَلَبَ تَرْكِهِ التَّخْيِيرُ فِيهِ ، وَإِنَّ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ فِي قَصْدِ الشَّارِعِ بِمَثَابَةٍ وَاحِدَةٍ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ عَلَى تَنَاوُلِ الْحَلَالِ قَدْ يُقَالُ : إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ نَفْسِ الْمُبَاحِ ; فَإِنَّ الْمُبَاحَ هُوَ أَكْلُ كَذَا مَثَلًا ، وَلَهُ مُقَدِّمَاتٌ وَشُرُوطٌ وَلَوَاحِقُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا ، فَإِذَا رُوعِيَتْ صَارَ الْأَكْلُ مُبَاحًا ، وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ كَانَ التَّسَبُّبُ وَالتَّنَاوُلُ غَيْرَ مُبَاحٍ . وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْمُبَاحُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ لَهُ أَرْكَانٌ ، وَشُرُوطٌ ، وَمَوَانِعُ ، وَلَوَاحِقُ تُرَاعَى ، وَالتَّرْكُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْفِعْلِ ، فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا تَسَبَّبَ لِلْفِعْلِ ، كَانَ تَسَبُّبُهُ مَسْئُولًا عَنْهُ ، كَذَلِكَ إِذَا تَسَبَّبَ إِلَى التَّرْكِ كَانَ مَسْئُولًا عَنْهُ .وَلَا يُقَالُ : إِنَّ الْفِعْلَ كَثِيرُ الشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ ، وَمُفْتَقِرٌ إِلَى أَرْكَانٍ بِخِلَافِ التَّرْكِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ قَلِيلٌ ، وَقَدْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الْقَصْدِ إِلَى التَّرْكِ . لِأَنَّا نَقُولُ : حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ إِنَّمَا تَنْشَأُ بِمُقَدِّمَاتٍ ، كَانَ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا ، وَلَوْ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ . وَأَيْضًا ; فَإِنَّ الْحُقُوقَ تَتَعَلَّقُ بِالتَّرْكِ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ ، مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَوْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَوْ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ . وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يُبَيِّنْ لَكَ هُوَ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ - أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ فِي الْمُبَاحِ عَلَى الْخُصُوصِ ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، فَالْحِسَابُ يَتَعَلَّقُ بِطَرِيقِ التَّرْكِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِطَرِيقِ الْفِعْلِ ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ; ثَبَتَ أَنَّ الْحِسَابَ إِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى طَرِيقِ الْمُبَاحِ ؛ فَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ سَوَاءٌ ، وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى نَفْسِ الْمُبَاحِ أَوْ إِلَيْهِمَا مَعًا ; فَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ أَيْضًا سَوَاءٌ . وَأَيْضًا ; إِنْ كَانَ فِي الْمُبَاحِ مَا يَقْتَضِي التَّرْكَ ; فَفِيهِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ التَّرْكِ ; لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ إِلَى قَوْلِهِ : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [ الرَّحْمَنِ : 10 - 22 ] . وَقَوْلِهِ : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ النَّحْلِ : 14 ] . وَقَوْلِهِ : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [ الْجَاثِيَةِ : 13 ] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي نُصَّ فِيهَا عَلَى الِامْتِنَانِ بِالنِّعَمِ ، وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْقَصْدِ إِلَى التَّنَاوُلِ وَالِانْتِفَاعِ ، ثُمَّ الشُّكْرِ عَلَيْهَا ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَالتَّرْكُ لَهُ قَصْدًا يُسْأَلُ عَنْهُ ، لِمَ تَرَكْتَهُ ؟ وَلِأَيِّ وَجْهٍ أَعْرَضْتَ عَنْهُ ؟ وَمَا مَنَعَكَ مِنْ تَنَاوُلِ مَا أُحِلَّ لَكَ ، فَالسُّؤَالُ حَاصِلٌ فِي الطَّرَفَيْنِ ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَقْرِيرٌ فِي الْمُبَاحِ الْخَادِمِ لِغَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ أَكْثَرُهَا جَدَلِيٌّ ، وَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَنَاوُلَ الْمُبَاحِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مُحَاسَبًا عَلَيْهِ بِإِطْلَاقٍ ، وَإِنَّمَا يُحَاسَبُ عَلَى التَّقْصِيرِ فِي الشُّكْرِ عَلَيْهِ ، إِمَّا فِي جِهَةِ تَنَاوُلِهِ ، وَاكْتِسَابِهِ ، وَإِمَّا فِي جِهَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى التَّكْلِيفَاتِ ، فَمَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ ، وَعَمِلَ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ فَقَدْ شَكَرَ نِعَمَ اللَّهِ ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ : خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [ الْأَعْرَافِ : 32 ] . أَيْ : لَا تَبِعَةَ فِيهَا ، وَقَالَ تَعَالَى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [ الِانْشِقَاقِ : 7 - 8 ] . وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ الْعَرْضُ ، لَا الْحِسَابُ الَّذِي فِيهِ مُنَاقَشَةٌ وَعَذَابٌ ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنِ النِّعَمُ الْمُبَاحَةُ خَالِصَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الْأَعْرَافِ : 6 ] . أَعْنِي سُؤَالَ الْمُرْسَلِينَ ، وَيُحَقِّقُهُ أَحْوَالُ السَّلَفِ فِي تَنَاوُلِ الْمُبَاحَاتِ كَمَا سَيُذْكَرُ عَلَى إِثْرِ هَذَا . وَالثَّانِي : مِنَ الْأُمُورِ الْمُعَارِضَةِ ، أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعَيْنِ ، وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ ; فَإِنَّهُمْ تَوَرَّعُوا عَنِ الْمُبَاحَاتِ كَثِيرًا ، وَذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْهُمْ تَوَاتُرًا ، كَتَرْكِ التَّرَفُّهِ فِي الْمَطْعَمِ ، وَالْمَشْرَبِ ، وَالْمُرَكْبِ ، وَالْمَسْكَنِ ، وَأَعْرَقُهُمْ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَسَلْمَانُ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَمَّارٌ ، وَغَيْرُهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَانْظُرْ إِلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ ، وَكَذَلِكَ الدَّاوُدِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَمْوَالِ " فَفِيهِ الشِّفَاءُ ، وَمَحْصُولُهُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمُبَاحَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ الْمُبَاحِ غَيْرَ طَاعَةٍ لَمَا فَعَلُوهُ . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذِهِ أَوَّلًا حِكَايَاتُ أَحْوَالٍ ; فَالِاحْتِجَاجُ بِمُجَرَّدِهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِيهَا لَا يُجْدِي ; إِذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُمْ لِمَا تَرَكُوهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُبَاحًا ؛ لِإِمْكَانِ تَرْكِهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ بِمُجَرَّدِهَا غَيْرُ مُفِيدَةٍ فِي الِاحْتِجَاجِ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِمِثْلِهَا فِي النَّقِيضِ . فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ . وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ ، وَيَخْتَصُّ بِالذِّرَاعِ ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ . وَكَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ . وَيُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ . وَيَتَطَيَّبُ بِالْمِسْكِ . وَيُحِبُّ النِّسَاءَ . وَأَيْضًا ; فَقَدْ جَاءَ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ ، وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ ، بِحَيْثُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْكَ عِنْدَهُمْ كَانَ غَيْرَ مَطْلُوبٍ ، وَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ عِنْدَهُمْ شَرْعًا ، لَبَادَرُوا إِلَيْهِ مُبَادَرَتَهُمْ لِكُلِّ نَافِلَةٍ وَبِرٍّ ، وَنِيلِ مَنْزِلَةٍ وَدَرَجَةٍ ; إِذْ لَمْ يُبَادِرْ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى نَوَافِلِ الْخَيْرَاتِ مُبَادَرَتَهُمْ ، وَلَا شَارَكَ أَحَدٌ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ أَوْ بَعُدَ فِي رِفْدِهِ وَمَالِهِ مُشَارَكَتَهُمْ ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُونُوا تَارِكِينَ لِلْمُبَاحَاتِ أَصْلًا ، وَلَوْ كَانَ مَطْلُوبًا لَعَلِمُوهُ قَطْعًا ، وَلَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَطْلُوبٍ ، بَلْ قَدْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ، وَأَدِلَّةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَثِيرَةٌ ، وَانْظُرْ فِي بَابِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى فِي " مُقَدِّمَاتِ ابْنِ رُشْدٍ " . وَالثَّالِثُ : إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا مِنْهُ شَيْئًا ، طَلَبًا لِلثَّوَابِ عَلَى تَرْكِهِ ، فَذَلِكَ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ فَقَطُّ لِلْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، بَلْ لِأُمُورٍ خَارِجَةٍ ، وَذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مَطْلُوبِ التَّرْكِ - مِنْهَا : أَنَّهُمْ تَرَكُوهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَانِعٌ مِنْ عِبَادَاتٍ ، وَحَائِلٌ دُونَ خَيْرَاتٍ ، فَيُتْرَكُ لِيُمْكِنَ الْإِتْيَانُ بِمَا يُثَابُ عَلَيْهِ ، مِنْ بَابِ التَّوَصُّلِ إِلَى مَا هُوَ مَطْلُوبٌ ، كَمَا كَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - يَأْتِيهَا الْمَالُ الْعَظِيمُ الَّذِي يُمْكِنُهَا بِهِ التَّوَسُّعُ فِي الْمُبَاحِ فَتَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَتُفْطِرُ عَلَى أَقَلِّ مَا يَقُومُ بِهِ الْعَيْشُ ، وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهَا التَّوَسُّعَ مِنْ حَيْثُ كَانَ التَّرْكُ مَطْلُوبًا ، وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ . - وَمِنْهَا : أَنَّ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ قَدْ يَكُونُ مُورِثًا لِبَعْضِ النَّاسِ أَمْرًا لَا يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ ، فَيَتْرُكُ الْمُبَاحَ لِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ ، كَمَا جَاءَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا عَذَلُوهُ فِي رُكُوبِهِ الْحِمَارَ فِي مَسِيرِهِ إِلَى الشَّامِ ، أُتِيَ بِفَرَسٍ ، فَلَمَّا رَكِبَهُ فَهَمْلَجَ تَحْتَهُ ، أَخْبَرَ أَنَّهُ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ ، فَنَزَلَ عَنْهُ ، وَرَجَعَ إِلَى حِمَارِهِ ، وَكَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْخَمِيصَةِ ذَاتِ الْعَلَمِ ، حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُهُ ، وَهُوَ الْمَعْصُومُ ، وَلَكِنَّهُ عَلَّمَ أُمَّتَهُ كَيْفَ يَفْعَلُونَ بِالْمُبَاحِ إِذَا أَدَّاهُمْ إِلَى مَا يُكْرَهُ ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ الْمُبَاحُ وَسِيلَةً إِلَى مَمْنُوعٍ ، فَيُتْرَكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَسِيلَةٌ كَمَا قِيلَ : " إِنِّي لَأَدَعُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلَالِ ، وَلَا أُحَرِّمُهَا " وَفِي الْحَدِيثِ : لَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ دَرَجَةَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ . وَهَذَا بِمَثَابَةِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا مَرَّ لِحَاجَتِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الْفُلَانِيَّةِ نَظَرَ إِلَى مُحَرَّمٍ أَوْ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ نَحْوَهُ . - وَمِنْهَا : أَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ بَعْضُ النَّاسِ مَا يَظْهَرُ " لِغَيْرِهِ " أَنَّهُ مُبَاحٌ ، إِذَا تَخَيَّلَ فِيهِ إِشْكَالًا وَشُبْهَةً ، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ لَهُ حِلُّهُ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ مَطْلُوبُ التَّرْكِ عَلَى الْجُمْلَةِ بِلَا خِلَافٍ ; كَقَوْلِهِ : " كُنَّا نَدَعُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ " وَلَمْ يَتْرُكُوا كُلَّ مَا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنَّمَا تَرَكُوا مَا خَشُوا أَنْ يُفْضِيَ بِهِمْ إِلَى مَكْرُوهٍ أَوْ مَمْنُوعٍ . - وَمِنْهَا : أَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ لِأَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ نِيَّةٌ فِي تَنَاوُلِهِ ; إِمَّا لِلْعَوْنِ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ كُلُّهُ خَالِصًا لِلَّهِ ، لَا يَلْوِي فِيهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ طَالِبَةٌ لَهُ ; فَإِنَّ مِنْ خَاصَّةِ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مُبَاحًا لِكَوْنِهِ مُبَاحًا ، بَلْ يَتْرُكُهُ حَتَّى يَجِدَ لِتَنَاوُلِهِ قَصْدَ عِبَادَةٍ أَوْ عَوْنًا عَلَى عِبَادَةٍ ، أَوْ يَكُونُ أَخْذُهُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْإِذْنِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحَظِّ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَوْعٌ مِنَ الشُّكْرِ بِخِلَافِ الثَّانِي ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَصِيرَ مَطْلُوبًا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا ; فَإِنَّهُ - إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ - مُبَاحٌ ، كَأَكْلِ بَعْضِ الْفَوَاكِهِ ، فَيَدَعُ التَّنَاوُلَ إِلَى زَمَانِ الْحَاجَةِ إِلَى الْغِذَاءِ ، ثُمَّ يَأْكُلُ قَصْدًا لِإِقَامَةِ الْبِنْيَةِ ، وَالْعَوْنِ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَغْرَاضٌ صَحِيحَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنِ السَّلَفِ ، وَغَيْرُ قَادِحَةٍ فِي مَسْأَلَتِنَا . - وَمِنْهَا : أَنْ يَكُونَ التَّارِكُ مَأْخُوذَ الْكُلِّيَّةِ فِي عِبَادَةٍ مِنْ عِلْمٍ أَوْ تَفَكُّرٍ أَوْ عَمِلٍ ، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ ، فَلَا تَجِدُهُ يَسْتَلِذُّ بِمُبَاحٍ ، وَلَا يَنْحَاشُ قَلْبُهُ إِلَيْهِ ، وَلَا يُلْقِي إِلَيْهِ بَالًا ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، فَالتَّرْكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُشْبِهُ الْغَفْلَةَ عَنِ الْمَتْرُوكِ ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ ، بَلْ هُوَ فِي طَاعَةٍ بِمَا اشْتَغَلَ بِهِ ، وَقَدْ نُقِلَ مِثْلُ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ حِينَ أُتِيَتْ بِمَالٍ عَظِيمٍ فَقَسَّمَتْهُ ، وَلَمْ تُبْقِ لِنَفْسِهَا شَيْئًا ، فَعُوتِبَتْ عَلَى تَرْكِهَا نَفْسَهَا دُونَ شَيْءٍ ، فَقَالَتْ : " لَا تُعَنِّينِي ، لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ " ، وَيَتَّفِقُ مِثْلُ هَذَا لِلصُّوفِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَرَكَ الْمُبَاحَ لِعَدَمِ قِيَامِ النَّفْسِ لَهُ ، هُوَ فِي حُكْمِ الْمَغْفُولِ عَنْهُ . - وَمِنْهَا : أَنَّهُ قَدْ يَرَى بَعْضَ مَا يَتَنَاوَلُهُ مِنَ الْمُبَاحِ إِسْرَافًا ، وَالْإِسْرَافُ مَذْمُومٌ ، وَلَيْسَ فِي الْإِسْرَافِ حَدٌّ يُوقَفُ دُونَهُ كَمَا فِي الْإِقْتَارِ ، فَيَكُونُ التَّوَسُّطُ رَاجِعًا إِلَى الِاجْتِهَادِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ ; فَيَرَى الْإِنْسَانُ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِهِ دَاخِلًا تَحْتَ الْإِسْرَافِ فَيَتْرُكُهُ لِذَلِكَ ، وَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ مِمَّنْ لَيْسَ ذَلِكَ - إِسْرَافًا فِي حَقِّهِ ؛ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمُبَاحِ ، وَلَا يَكُونُ كَمَا ظَنَّ ; فَكُلُّ أَحَدٍ فِيهِ فَقِيهُ نَفْسِهِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّفَقُّهَ فِي الْمُبَاحِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِسْرَافِ وَعَدَمِهِ وَالْعَمَلَ عَلَى ذَلِكَ - مَطْلُوبٌ ، وَهُوَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ ، وَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ الْمُبَاحُ مَطْلُوبَ التَّرْكِ ، وَلَا مَطْلُوبَ الْفِعْلِ ، كَدُخُولِ الْمَسْجِدِ لِأَمْرٍ مُبَاحٍ هُوَ مُبَاحٌ ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ جُنُبًا ، وَالنَّوَافِلُ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ وَذَلِكَ وَاجِبٌ ، وَلَا يَصِيرُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَلَا النَّافِلَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ - وَاجِبَيْنِ ، فَكَذَلِكَ هُنَا تَنَاوُلُ الْمُبَاحِ مَشْرُوطٌ بِتَرْكِ الْإِسْرَافِ ، وَلَا يَصِيرُ ذَمُّ الْإِسْرَافِ فِي الْمُبَاحِ ذَمًّا لِلْمُبَاحِ مُطْلَقًا . وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْحِكَايَاتِ فِي تَرْكِ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ، فَلَا تَعْدُو هَذِهِ الْوُجُوهَ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا تَكُونُ فِيهَا مُعَارَضَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالثَّالِثُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُعَارِضَةِ : مَا ثَبَتَ مِنْ فَضِيلَةِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، وَتَرْكِ لَذَّاتِهَا ، وَشَهَوَاتِهَا ، وَهُوَ مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى مَدْحِ صَاحِبِهِ شَرْعًا ، وَذَمِّ تَارِكِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، حَتَّى قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : " جُعِلَ الشَّرُّ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ حُبَّ الدُّنْيَا ، وَجُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الزُّهْدَ " . وَقَالَ الْكَتَّانِيُّ الصُّوفِيُّ : " الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يُخَالِفُ فِيهِ كُوفِيٌّ ، وَلَا مَدَنِيٌّ ، وَلَا عِرَاقِيٌّ ، وَلَا شَامِيٌّ - الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا ، وَسَخَاوَةُ النَّفْسِ ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْخَلْقِ " . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ : يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَقُولُ أَحَدٌ : إِنَّهَا غَيْرُ مَحْمُودَةٍ ، وَالْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى هَذَا لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ ، وَالزُّهْدُ حَقِيقَةً إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَلَالِ ، أَمَّا الْحَرَامُ ; فَالزُّهْدُ فِيهِ لَازِمٌ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ ، عَامٌّ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ ، لَيْسَ مِمَّا يَتَجَارَى فِيهِ خَوَاصُّ الْمُؤْمِنِينَ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهِ فَقَطُّ ، وَإِنَّمَا تَجَارَوْا فِيمَا صَارُوا بِهِ مِنَ الْخَوَاصِّ ، وَهُوَ الزُّهْدُ فِي الْمُبَاحِ ، فَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَذُو طَرَفَيْنِ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمُحَالٌ عَادَةً أَنْ يَتَجَارَوْا فِيهِ هَذِهِ الْمُجَارَاةَ ، وَهُوَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَمُحَالٌ أَنْ يُمْدَحَ شَرْعًا مَعَ اسْتِوَاءِ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ . وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الزُّهْدَ - فِي الشَّرْعِ - مَخْصُوصٌ بِمَا طُلِبَ تَرْكُهُ حَسْبَمَا يَظْهَرُ مِنَ الشَّرِيعَةِ ، فَالْمُبَاحُ فِي نَفْسِهِ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، فَإِذَا أَطْلَقَ بَعْضُ الْمُعَبِّرِينَ لَفْظَ الزُّهْدِ عَلَى تَرْكِ الْحَلَالِ ، فَعَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَفُوتُ مِنَ الْخَيْرَاتِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ . وَالثَّانِي : أَنَّ أَزْهَدَ الْبَشَرِ لَمْ يَتْرُكِ الطَّيِّبَاتِ جُمْلَةً إِذَا وَجَدَهَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ فِي مَقَامِ الزُّهْدِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ تَرْكَ الْمُبَاحَاتِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ ; فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ ، بَلْ هُوَ غَفْلَةٌ ، لَا يُقَالُ فِيهِ : " مُبَاحٌ " فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : " زُهْدٌ " ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ بِقَصْدٍ ; فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ مَقْصُورًا عَلَى كَوْنِهِ مُبَاحًا ، فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ ، أَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ ، فَذَلِكَ الْأَمْرُ إِنْ كَانَ دُنْيَوِيًّا كَالْمَتْرُوكِ ؛ فَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ مُبَاحٍ إِلَى مِثْلِهِ لَا زُهْدٌ ، وَإِنْ كَانَ أُخْرَوِيًّا ; فَالتَّرْكُ إِذًا وَسِيلَةٌ إِلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ ; فَهُوَ فَضِيلَةٌ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ ، لَا مِنْ جِهَةِ مُجَرَّدِ التَّرْكِ ، وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا . وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَسَّرَهُ الْغَزَّالِيُّ ; إِذْ قَالَ : " الزُّهْدُ عِبَارَةٌ عَنِ انْصِرَافِ الرَّغْبَةِ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ " فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُجَرَّدَ الِانْصِرَافِ عَنِ الشَّيْءِ خَاصَّةً ، بَلْ بِقَيْدِ الِانْصِرَافِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِهِ : " وَلَمَّا كَانَ الزُّهْدُ رَغْبَةً عَنْ مَحْبُوبٍ بِالْجُمْلَةِ ، لَمْ يُتَصَوَّرْ إِلَّا بِالْعُدُولِ إِلَى شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ مِنْهُ ، وَإِلَّا فَتَرْكُ الْمَحْبُوبِ لِغَيْرِ الْأَحَبِّ مُحَالٌ " . ثُمَّ ذَكَرَ أَقْسَامَ الزُّهْدِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزُّهْدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُبَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ عَلَى حَالٍ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ الْمُعْتَبِرِينَ فَهُوَ دَائِرٌ عَلَى هَذَا الْمَدَارِ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية