الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ وَأَمَّا كَوْنُ الْمُبَاحِ غَيْرَ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ ; فَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ كِلَا الطَّرَفَيْنِ مِنْ جِهَتِهِ فِي نَفْسِهِ عَلَى سَوَاءٍ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مَطْلُوبٌ ، بِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ تَرْكُ حَرَامٍ ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ ، فَكُلُّ مُبَاحٍ وَاجِبٌ . . . ، إِلَى آخَرِ مَا قَرَّرَ الْأُصُولِيُّونَ عَنْهُ ، لَكِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ أَنَّ الْمُبَاحَ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَسْتَلْزِمُ - مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مَا قَالَهُ النَّاسُ هُوَ الصَّحِيحُ ; لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : لُزُومُ أَنْ لَا تُوجَدَ الْإِبَاحَةُ فِي فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ عَيْنًا أَلْبَتَّةَ ; فَلَا يُوصَفُ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِإِبَاحَةٍ أَصْلًا ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ ; فَإِنَّ الْأُمَّةَ قَبْلَ هَذَا الْمَذْهَبِ لَمْ تَزَلْ تَحْكُمُ عَلَى الْأَفْعَالِ بِالْإِبَاحَةِ ، كَمَا تَحْكُمُ عَلَيْهَا بِسَائِرِ الْأَحْكَامِ ، وَإِنِ اسْتَلْزَمَتْ تَرْكَ الْحَرَامِ ; فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا لِمَا يُسْتَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الْمُبَاحِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ ؛ لَارْتَفَعَتِ الْإِبَاحَةُ رَأْسًا عَنِ الشَّرِيعَةِ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ عَلَى مَذْهَبِهِ ، وَمَذْهَبِ غَيْرِهِ . بَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْإِبَاحَةُ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ عَلَى التَّعْيِينِ ، كَانَ وَضْعُهَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَبَثًا ; لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْحُكْمِ هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ وَاجِبًا ، فَلَيْسَ بِمُبَاحٍ ، فَيَبْطُلُ قِسْمُ الْمُبَاحِ أَصْلًا وَفَرْعًا ; إِذْ لَا فَائِدَةَ شَرْعًا فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَا يَقْضِي عَلَى فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ ; لَوَجَبَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْبَاقِيَةِ ; لِاسْتِلْزَامِهَا تَرْكَ الْحَرَامِ ، فَتَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا أَحْكَامًا مُخْتَلِفَةً ، وَتَصِيرُ وَاجِبَةً . فَإِنِ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ حَسْبَمَا نُقِلَ عَنْهُ ; فَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ جِهَةَ الِاسْتِلْزَامِ ، [ فَلِذَلِكَ نَفَى الْمُبَاحَ ، فَلْيَعْتَبِرْ جِهَةَ الِاسْتِلْزَامِ ] فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ فَيَنْفِهَا ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ ; فَإِنِ اعْتَبَرَ فِي الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ جِهَةَ النَّهْيِ ، وَفِي الْمَنْدُوبِ جِهَةَ الْأَمْرِ - كَالْوَاجِبِ - لَزِمَهُ اعْتِبَارُ جِهَةِ التَّخْيِيرِ فِي الْمُبَاحِ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ مَعْقُولِهِمَا . فَإِنْ قَالَ : يَخْرُجُ الْمُبَاحُ عَنْ كَوْنِهِ [ مُبَاحًا ] بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ أَوْ بِمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهِ ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، وَإِنْ سُلِّمَ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ مَعْلُومٌ ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ وَاجِبٌ ، وَإِنْ سُلِّمَ فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ الْأُخَرُ ، فَيَصِيرُ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ وَالْمَنْدُوبُ وَاجِبَاتٍ ، وَالْوَاجِبُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَتَحَصَّلُ لَهُ مَقْصُودٌ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ . فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا قَصْدَ لَهُ فِي فِعْلِ الْمُبَاحِ دُونَ تَرْكِهِ ، وَلَا فِي تَرْكِهِ دُونَ فِعْلِهِ ، بَلْ قَصْدُهُ جَعْلُهُ لِخِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ ، فَمَا كَانَ مِنَ الْمُكَلَّفِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ ، فَذَلِكَ قَصْدُ الشَّارِعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ; فَصَارَ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ ، أَيَّهُمَا فَعَلَ فَهُوَ قَصْدُ الشَّارِعِ ، لَا أَنَّ لِلشَّارِعِ قَصْدًا فِي الْفِعْلِ بِخُصُوصِهِ ، وَلَا فِي التَّرْكِ بِخُصُوصِهِ . لَكِنْ يَرِدُ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّرَفَيْنِ إِشْكَالٌ زَائِدٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرَفِ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ مَا يَقْتَضِي قَصْدَ الشَّارِعِ إِلَى فِعْلِهِ عَلَى الْخُصُوصِ ، وَإِلَى تَرْكِهِ عَلَى الْخُصُوصِ . فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَأَشْيَاءُ ، مِنْهَا : الْأَمْرُ بِالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا [ الْبَقَرَةِ : 168 ] . وَقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ [ الْبَقَرَةِ : 172 ] . وَقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [ الْمُؤْمِنُونَ : 51 ] . إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ الْأَمْرُ بِهِ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ . وَأَيْضًا ; فَإِنَّ النِّعَمَ الْمَبْسُوطَةَ فِي الْأَرْضِ لِتَمَتُّعَاتِ الْعِبَادِ الَّتِي ذُكِرَتِ الْمِنَّةُ بِهَا ، وَقُرِّرَتْ عَلَيْهِمْ - فُهِمَ مِنْهَا الْقَصْدُ إِلَى التَّنَعُّمِ بِهَا ، لَكِنْ بِقَيْدِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا . وَمِنْهَا : أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا بَثَّ فِي الْأَرْضِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ ضَلَالِهِمْ ، فَقَالَ تَعَالَى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [ الْأَعْرَافِ : 32 ] أَيْ : خُلِقَتْ لِأَجْلِهِمْ خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [ الْأَعْرَافِ : 32 ] لَا تِبَاعَةٌ فِيهَا وَلَا إِثْمٌ ; فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْقَصْدِ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا دُونَ تَرْكِهَا . - وَمِنْهَا : أَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ هَدَايَا مِنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ ، وَهَلْ يَلِيقُ بِالْعَبْدِ عَدَمُ قَبُولِ هَدِيَّةِ السَّيِّدِ ، هَذَا غَيْرُ لَائِقٍ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ ، وَلَا فِي مَجَارِي الشَّرْعِ ، بَلْ قَصْدُ الْمُهْدِي أَنْ تُقْبَلَ هَدِيَّتُهُ ، وَهَدِيَّةُ اللَّهِ إِلَى الْعَبْدِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ ; فَلْيَقْبَلْ ، ثُمَّ لْيَشْكُرْ لَهُ عَلَيْهَا . وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِيهِ عُمَرَ فِي مَسْأَلَةِ قَصْرِ الصَّلَاةِ - ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ، زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ : أَرَأَيْتَ لَوْ تَصَدَّقْتَ بِصَدَقَةٍ فَرُدَّتْ عَلَيْكَ ؛ أَلَمْ تَغْضَبْ ؟ ، وَفِي الْحَدِيثِ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخْصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ . وَغَالِبُ الرُّخَصِ فِي نَمَطِ الْإِبَاحَةِ نُزُولًا عَنِ الْوُجُوبِ ; كَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ أَوِ التَّحْرِيمِ ، كَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [ النِّسَاءِ : 25 ] إِلَى آخِرِهَا ، وَإِذَا تَعَلَّقَتِ الْمَحَبَّةُ بِالْمُبَاحِ ; كَانَ رَاجِحَ الْفِعْلِ . فَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ أَرْجَحَ مِنْ تَرْكِهِ . وَأَمَّا مَا يَقْتَضِي الْقَصْدَ إِلَى التَّرْكِ عَلَى الْخُصُوصِ - فَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَمِّ التَّنَعُّمَاتِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّهَوَاتِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، وَعَلَى الْخُصُوصِ قَدْ جَاءَ مَا يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الْكَرَاهَةِ فِي بَعْضِ مَا ثَبَتَتْ لَهُ الْإِبَاحَةُ ، كَالطَّلَاقِ السُّنِّيِّ ; فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ بِهِ صِيغَةُ أَمْرٍ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا فِي السُّنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ بِالنِّعَمِ ، وَإِنَّمَا جَاءَ مِثْلُ قَوْلِهِ : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [ الْبَقَرَةِ : 229 ] . فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ [ الْبَقَرَةِ : 230 ] . يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطَّلَاقِ : 1 ] . فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [ الطَّلَاقِ : 1 ] . وَلَا شَكَّ أَنَّ جِهَةَ الْبُغْضِ فِي الْمُبَاحِ مَرْجُوحَةٌ ، وَجَاءَ : كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِلَّا ثَلَاثَةً . وَكَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ مُبَاحٌ ، وَاللَّعِبُ أَيْضًا مُبَاحٌ ، وَقَدْ ذُمَّ . فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ لَا يُنَافِي قَصْدَ الشَّارِعِ لِأَحَدِ طَرَفَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ دُونَ الْآخَرِ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الطَّلَبُ فِعْلًا وَتَرْكًا عَلَى غَيْرِ الْجِهَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ . وَالْجَوَابُ مِنْ وِجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إِجْمَالِيٌّ ، وَالْآخَرُ : تَفْصِيلِيٌّ . فَالْإِجْمَالِيُّ أَنْ يُقَالَ : إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُبَاحَ عِنْدَ الشَّارِعِ هُوَ الْمُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ ، فَكُلُّ مَا تَرَجَّحَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا ; إِمَّا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ حَقِيقَةً ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمُبَاحِ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي أَصْلِهِ ، ثُمَّ صَارَ غَيْرَ مُبَاحٍ لِأَمْرٍ خَارِجٍ ، وَقَدْ يُسَلَّمُ أَنَّ الْمُبَاحَ يَصِيرُ غَيْرَ مُبَاحٍ بِالْمَقَاصِدِ وَالْأُمُورِ الْخَارِجَةِ . وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ ; فَإِنَّ الْمُبَاحَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِأَصْلٍ ضَرُورِيٍّ ، [ أَوْ حَاجِيٍّ ] أَوْ تَكْمِيلِيٍّ . وَالثَّانِي : أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ . فَالْأَوَّلُ قَدْ يُرَاعَى مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ خَادِمٌ لَهُ ; فَيَكُونُ مَطْلُوبًا ، وَمَحْبُوبًا فِعْلُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّمَتُّعَ بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَنَحْوِهَا - مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ ، وَإِبَاحَتُهُ بِالْجُزْءِ ، وَهُوَ خَادِمٌ لِأَصْلٍ ضَرُورِيٍّ ، وَهُوَ إِقَامَةُ الْحَيَاةِ ; فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَمُعْتَبَرٌ وَمَحْبُوبٌ مِنْ حَيْثُ هَذَا الْكُلِّيِّ الْمَطْلُوبِ ; فَالْأَمْرُ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى حَقِيقَتِهِ الْكُلِّيَّةِ لَا إِلَى اعْتِبَارِهِ الْجُزْئِيِّ ، وَمِنْ هُنَا يَصِحُّ كَوْنُهُ هَدِيَّةً يَلِيقُ فِيهَا الْقَبُولُ دُونَ الرَّدِّ ، لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ مُعَيَّنٌ . وَالثَّانِي : إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِمَا يَنْقُضُ أَصْلًا مِنَ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الْمُعْتَبَرَةِ ، أَوْ لَا يَكُونَ خَادِمًا لِشَيْءٍ ، كَالطَّلَاقِ ; فَإِنَّهُ تَرْكٌ لِلْحَلَالِ الَّذِي هُوَ خَادِمٌ لِكُلِّيِّ إِقَامَةِ النَّسْلِ فِي الْوُجُودِ ، وَهُوَ ضَرُورِيٌّ ، وَلِإِقَامَةِ مُطْلَقِ الْأُلْفَةِ ، وَالْمُعَاشَرَةِ ، وَاشْتِبَاكِ الْعَشَائِرِ بَيْنَ الْخَلْقِ ، وَهُوَ ضَرُورِيٌّ أَوْ حَاجِيٌّ أَوْ مُكَمِّلٌ لِأَحَدِهِمَا ، فَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بِهَذَا النَّظَرِ خَرْمًا لِذَلِكَ الْمَطْلُوبِ ، وَنَقْضًا عَلَيْهِ - كَانَ مُبَغَّضًا ، وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ إِلَّا لِمُعَارِضٍ أَقْوَى ; كَالشِّقَاقِ ، وَعَدَمِ إِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ ، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ كَانَ جُزْئِيًّا فِي هَذَا الشَّخْصِ ، وَفِي هَذَا الزَّمَانِ - مُبَاحٌ وَحَلَالٌ ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا جَاءَ مِنْ ذَمِّ الدُّنْيَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَلَالُ فِيهَا قَدْ يُتَنَاوَلُ فَيَخْرِمُ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ - كَالدِّينِ عَلَى الْكَافِرِ ، وَالتَّقْوَى عَلَى الْعَاصِي - كَانَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مَذْمُومًا ، وَكَذَلِكَ اللَّهْوُ ، وَاللَّعِبُ ، وَالْفَرَاغُ مِنْ كُلِّ شُغْلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحْظُورٍ ، وَلَا يَلْزَمُ عَنْهُ مَحْظُورٌ - فَهُوَ مُبَاحٌ ، وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ وَلَمْ يَرْضَهُ الْعُلَمَاءُ ، بَلْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ لَا يُرَى الرَّجُلُ فِي إِصْلَاحِ مَعَاشٍ ، وَلَا فِي إِصْلَاحِ مَعَادٍ ; لِأَنَّهُ قَطْعُ زَمَانٍ فِيمَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا أُخْرَوِيَّةٌ . وَفِي الْقُرْآنِ : وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ; إِذْ يُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى . وَفِي الْحَدِيثِ : كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِلَّا ثَلَاثَةً ، وَيَعْنِي بِكَوْنِهِ بَاطِلًا أَنَّهُ عَبَثٌ أَوْ كَالْعَبَثِ ، لَيْسَ لَهُ فِيهِ فَائِدَةٌ ، وَلَا ثَمَرَةٌ تُجْنَى ، بِخِلَافِ اللَّعِبِ مَعَ الزَّوْجَةِ ; فَإِنَّهُ مُبَاحٌ يَخْدِمُ أَمْرًا ضَرُورِيًّا ، وَهُوَ النَّسْلُ ، وَبِخِلَافِ تَأْدِيبِ الْفَرَسِ ، وَكَذَلِكَ اللَّعِبُ بِالسِّهَامِ ; فَإِنَّهُمَا يَخْدِمَانِ أَصْلًا تَكْمِيلِيًّا ، وَهُوَ الْجِهَادُ ، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مِنَ اللَّهْوِ الْبَاطِلِ ، وَجَمِيعُ هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُبَاحَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ غَيْرُ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ وَلَا التَّرْكِ بِخُصُوصِهِ . وَهَذَا الْجَوَابُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ثَابِتٍ فِي الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ فَلْنَضَعْهُ [ هَا ] هُنَا ، وَهِيَ :

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية