الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
مختصر الروضة لَنَا : أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [ هُودٍ : 1 ] ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [ الْقِيَامَةِ : 19 ] ، وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي ، وَأُخِّرَ بَيَانُ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَنَّ ابْنَ نُوحٍ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَأَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَيَانَ : ذَوِي الْقُرْبَى ، وَ آتَوُا الزَّكَاةَ . وَ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ، وَبَيَّنَ جِبْرِيلُ : أَقِيمُوا الصَّلَاةَ بِفِعْلِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ ، كُلُّ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ ، وَلِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانٌ زَمَنِيٌّ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ ; فَكَذَا هَذَا . قَالُوا : الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ عَبَثٌ ، وَتَجْهِيلٌ فِي الْحَالِ كَمُخَاطَبَةِ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيَّةِ ، وَعَكْسِهِ ، وَإِيجَابِ الصَّلَاةِ بِأَبْجَدْ هَوَّزْ ، وَكَإِرَادَةِ الْبَقَرِ مِنْ قَوْلِهِ : فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ . قُلْنَا : بَاطِلٌ بِالْمُتَشَابِهِ لَا تُفْهَمُ حَقِيقَتُهُ ، وَلَيْسَ تَجْهِيلًا ، وَلَا عَبَثًا ، فَإِنْ مَنَعَ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ . فَإِنْ قِيلَ : فَائِدَتُهُ الِانْقِيَادُ الْإِيمَانِيُّ . قُلْنَا : وَهَذَا الِانْقِيَادُ التَّكْلِيفِيُّ وَإِيجَابُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَقَطْعُ السَّارِقِ وَنَحْوُهَا يُفِيدُ مَاهِيَّاتِ الْأَحْكَامِ ، وَتُفَصَّلُ عِنْدَ الْعَمَلِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ ; فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا . شرح مختصر الروضة " لَنَا " عَلَى جَوَازِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَالِاسْتِدْلَالِ وُجُوهٌ : أَحَدُهَا : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [ هُودٍ : 1 ] . الثَّانِي : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [ الْقِيَامَةِ : 18 ، 19 ] . فَرَتَّبَ تَفْصِيلَ الْآيَاتِ عَلَى أَحْكَامِهَا ، وَبَيَانَ الْقُرْآنِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِـ " ثُمَّ " وَهِيَ لِلتَّرَاخِي ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي جَوَازَ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ . وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا جَوَازُهُ إِلَيْهَا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . الثَّالِثُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ ، ثُمَّ أَخَّرَ بَيَانَ صِفَتِهَا حَتَّى رَاجَعُوهُ فِيهَا مِرَارًا ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [ الْبَقَرَةِ : 67 ، 71 ] ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . الرَّابِعُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ، أَخَّرَ بَيَانَ أَنَّ ابْنَ نُوحٍ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اصْنَعِ الْفُلْكَ [ هُودٍ : 37 ] ، وَ احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [ هُودٍ : 40 ] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي ابْنِهِ وَغَيْرِهِ ، فَلَمَّا أَدْرَكَ ابْنَ نُوحٍ الْغَرَقُ ، خَاطَبَ نُوحٌ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ بِقَوْلِهِ : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [ هُودٍ : 45 ] ، أَيْ : وَعَدْتَنِي أَنْ تُنْجِيَ أَهْلِي ، وَإِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ; فَأَنْجِهِ ; فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [ هُودٍ : 46 ] ; فَسَكَتَ نُوحٌ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مَا سَمِعَ خَائِفًا مُسْتَغْفِرًا ; فَهَذَا تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ . الْخَامِسُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَخَّرَ بَيَانَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ : مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [ الْأَنْفَالِ : 41 ] ، اقْتَضَتِ الْآيَةُ أَنَّ جَمِيعَ الْغَنِيمَةِ لِهَذِهِ الْأَصْنَافِ ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذِي الْقُرْبَى بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ، دُونَ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، لِمَنْعِهِ لَهُمْ مِنْهَا ، وَقَوْلِهِ : إِنَّا وَبَنِي الْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ . وَمِنْهَا : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَآتُوا الزَّكَاةَ [ الْحَجِّ : 78 ] ، بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَحْكَامَهَا مُؤَخَّرًا ، بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ ، فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ ، لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِ أَحْكَامِ الزَّكَاةِ . وَمِنْهَا : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] ، أَخَّرَ بَيَانَهُ بِفِعْلِهِ ، وَقَوْلِهِ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ . كَمَا سَبَقَ . وَمِنْهَا : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [ الْأَنْعَامِ : 72 ] ، بَيَّنَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِفِعْلِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ ، كُلُّ ذَلِكَ مُتَأَخِّرًا ، وَالْإِشَارَةُ بِالْيَوْمَيْنِ ، إِلَى مَا رَوَى نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ ; فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ ، الْحَدِيثَ ، إِلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ ; فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ . السَّادِسُ : أَنَّ النَّسْخَ بَيَانٌ فِي الزَّمَانِ ، وَهَذَا بَيَانٌ فِي الْأَعْيَانِ ، ثُمَّ قَدْ وَجَبَ التَّأْخِيرُ فِي النَّسْخِ ; فَلْيَجُزِ التَّأْخِيرُ هَهُنَا ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ النَّسْخِ وَغَيْرِهِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَ النَّسْخِ يُوهِمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي زَمَنٍ ، لَيْسَ ثَابِتًا فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَتَأْخِيرُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ يُوهِمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ التَّخْصِيصِ ، وَلَيْسَ ثَابِتًا فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَكِلَاهُمَا مَحْذُورٌ . وَقَدِ الْتَزَمَ الْخَصْمُ أَحَدَهُمَا ; فَيَلْزَمُهُ الْتِزَامُ الْآخَرِ . قَوْلُهُ : " قَالُوا : الْخِطَابُ " ، إِلَى آخِرِهِ . هَذَا حُجَّةُ الْمَانِعِينَ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ . وَتَقْرِيرُهُ : أَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلَ بِدُونِ بَيَانِهِ ; خِطَابٌ بِمَا لَا يُفْهَمُ ، وَالْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ عَبَثٌ ، وَتَجْهِيلٌ لِلسَّامِعِ فِي الْحَالِ ، إِذْ لَا يَعْلَمُ مَا الْمُرَادُ بِالْخِطَابِ ، وَفَائِدَةُ الْخِطَابِ إِنَّمَا هُوَ إِفَادَةُ الْمُرَادِ بِهِ ، فَإِذَا لَمْ يُفِدْ فَائِدَتَهُ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَبَثًا مُمْتَنِعًا ، وَصَارَ ذَلِكَ كَمُخَاطَبَةِ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيَّةِ ، وَمُخَاطَبَةِ الْعَجَمِيِّ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : أَبْجَدْ هَوَّزْ ، وَقَالَ : أَرَدْتُ بِهِ إِيجَابَ الصَّلَاةِ عَلَيْكُمْ . أَوْ قَالَ : فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ . وَقَالَ أَرَدْتُ بِالْإِبِلِ الْبَقَرَ ; فَهَذَا كُلُّهُ وَأَشْبَاهُهُ غَيْرُ جَائِزٍ ، لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ ; فَكَذَلِكَ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ . قَوْلُهُ : " قُلْنَا : بَاطِلٌ " ، أَيْ : مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ بِمَا لَا يُفْهَمُ عَبَثٌ ; فَلَا يَجُوزُ ، بَاطِلٌ بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ ، كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ ; فَإِنَّهُ لَا تُفْهَمُ حَقِيقَتُهُ ، وَلَيْسَ الْخِطَابُ بِهِ تَجْهِيلًا لِلسَّامِعِ ، وَلَا عَبَثًا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ ، فَكَمَا جَازَ الْخِطَابُ بِالْمُتَشَابِهِ ، بِدُونِ فَهْمِ حَقِيقَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَبَثًا ، كَذَلِكَ يَجُوزُ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ ، وَإِنْ أَخَّرَ بَيَانَ حَقِيقَتِهِ ، وَلَا يَكُونُ عَبَثًا . قَوْلُهُ : " فَإِنْ مَنَعَ ، فَقَدْ بَيَّنَّاهُ " ، أَيْ : إِنْ مَنَعَ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا تُفْهَمُ حَقِيقَتُهُ ; فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَأَنَّ تَأْوِيلَهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ لَا غَيْرَ . وَإِنْ قَالَ الْخَصْمُ : إِنَّ الْمُتَشَابِهَ " فَائِدَتُهُ الِانْقِيَادُ الْإِيمَانِيُّ " ، أَيِ : الِانْقِيَادُ لِلْإِيمَانِ بِهِ ، كَمَا قَالَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ : آمَنَّا بِهِ . قُلْنَا : وَفَائِدَةُ الْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ " الِانْقِيَادُ التَّكْلِيفِيُّ " ، أَيِ : الِانْقِيَادُ لِلْعَزْمِ عَلَى امْتِثَالِ التَّكْلِيفِ بِهِ ، فَإِذَا قِيلَ لِلْمَرْأَةِ : اعْتَدِّيِ بِالْأَقْرَاءِ ; عَزَمَتْ عَلَى الِاعْتِدَادِ بِأَنَّهَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَبُيِّنَ لَهَا ، وَإِذَا قِيلَ : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [ التَّوْبَةِ : 103 ] ، أَفَادَ عَزْمَ كُلِّ ذِي مَالٍ عَلَى إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ ، مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ مَالِهِ وَمَقَادِيرِهِ ، حَتَّى يَرِدَ التَّخْصِيصُ النَّوْعِيُّ بِسَائِمَةِ الْأَنْوَاعِ ، وَالنَّقْدَيْنِ ، وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ ، وَالتَّخْصِيصُ الْمِقْدَارَيُّ بِشَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ ، وَخَمْسَةِ دَرَاهِمَ مِنْ مِائَتَيْنِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى ذَلِكَ ، عَصَى ، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا مَرَّ بِالنَّسْخِ قَبْلَ امْتِثَالِ الْفِعْلِ ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أَفَادَهَا الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ ; فَهِيَ فِي بَابِهَا كَفَائِدَةِ الْإِيمَانِ بِالْمُتَشَابِهِ فِي بَابِهَا . قَوْلُهُ : " وَإِيجَابِ الصَّلَاةِ " ، إِلَى آخِرِهِ . هَذَا جَوَابٌ ثَانٍ بِالْفَرْقِ ، وَالَّذِي سَبَقَ جَوَابٌ بِالنَّقْضِ . وَتَقْرِيرُ هَذَا الْجَوَابِ : أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ ، وَالْخِطَابِ بِمَا ذَكَرْتُمُوهُ ، مِنْ أَبْجَدْ هَوَّزْ وَنَحْوِهِ ، هُوَ أَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلِ يُفِيدُ مَاهِيَّاتِ الْأَحْكَامِ ; فَلَا يَضُرُّ تَأْخِيرُ بَيَانِ تَفْصِيلِهَا إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَى الْعَمَلِ بِهَا ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [ النُّورِ : 56 ] ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [ الْمَائِدَةِ : 38 ] ، لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا [ آلِ عِمْرَانَ : 130 ] ، وَنَحْوِهِ ، أَفَادَنَا وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَقَطْعَ يَدِ السَّارِقِ ، وَتَحْرِيمَ الرِّبَا ، وَإِذَا اسْتُفِيدَتْ مَاهِيَّةُ الْوُجُوبِ وَالْحَظْرِ ، وَجَبَ اعْتِقَادُهَا ; فَمَنِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ ، وَتَحْرِيمَ الرِّبَا عَلَيْهِ وَأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِلْأَمْرِ بِهِمَا ، عِنْدَ بَيَانِ أَحْكَامِهِمَا ; أُثِيبَ ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ ، عَصَى ، وَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْعَمَلِ ، بَيَّنَ لَنَا أَنَّ الصَّلَاةَ خَمْسٌ ، وَأَنَّ رَكَعَاتِهَا سَبْعَ عَشْرَةَ ، وَأَنَّ الْفَجْرَ رَكْعَتَانِ ، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثٌ ، وَبَقِيَّةَ الصَّلَاةِ رُبَاعِيَّةٌ ، وَأَنَّ التَّفَاضُلَ يَحْرُمُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ ، وَأَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ ، جَازَ التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ، وَهَذَا مِمَّا لَا مَانِعَ مِنْهُ ، شَرْعِيٌّ وَلَا عَقْلِيٌّ ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ خِطَابِ الْعَجَمِيِّ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَإِيجَابِ الصَّلَاةِ بِأَبْجَدْ هَوَّزْ ; فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً أَصْلًا ، وَإِرَادَةُ الْبَقَرِ مِنْ لَفْظِ الْإِبِلِ تَغْيِيرٌ لِلْوَضْعِ ، وَقَلْبٌ لِحَقَائِقِ اللُّغَةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ ، احْتَجَّ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَالْإِجْمَالَ يُوهِمُ الْكَذِبَ ; فَيَجِبُ تَدَارُكُهُ بِالْبَيَانِ ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ . وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ فِي الْأَمْرِ أَيْضًا تَوَهُّمَ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ ، مِنَ الْأَعْيَانِ أَوِ الزَّمَانِ ، وَهُوَ قَبِيحٌ كَالْكَذِبِ . وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَغَيْرِهِ ، احْتَجَّ بِأَنَّ الْمُجْمَلَ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ ، وَلَا يُوهِمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، كَالْعَامِّ مَثَلًا ; فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي إِرَادَةِ جَمِيعِ مَدْلُولِهِ بِالْحُكْمِ . وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ بَعْضَ مَدْلُولِهِ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ ; فَيَكُونُ إِيهَامًا لِلْبَاطِلِ ; فَيَجِبُ تَدَارُكُهُ بِالْبَيَانِ ، نَفْيًا لِهَذَا الْإِيهَامِ . وَيُجَابُ عَنْهُ بِنَحْوِ الْجَوَابِ عَنِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَنَّ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْمُجْمَلِ يُوهِمُ إِرَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُحْتَمَلَيْهِ ، أَوْ مُحْتَمَلَاتِهِ ، مَعَ أَنَّ جَمِيعَهَا غَيْرُ مُرَادٍ ، وَهُوَ إِيهَامٌ لِلْبَاطِلِ ; فَهُوَ كَإِيهَامِ الْعُمُومِ التَّعْمِيمَ ; وَإِنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي قُوَّةِ الْإِيهَامِ وَضَعْفِهِ ، غَيْرَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيهَامِ مَوْجُودٌ فِي الصُّورَتَيْنِ ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية