الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
[ ص: 502 ] باب سجود السهو

ولا يشرع في العمد ، ويشرع للسهو في زيادة ونقص وشك ، للنافلة والفرض ، فأما الزيادة ، فمتى زاد فعلا من جنس الصلاة قياما أو قعودا أو ركوعا أو سجودا عمدا بطلت الصلاة ، وإن كان سهوا سجد له ، وإن زاد ركعة ، فلم يعلم حتى فرغ منها ، سجد لها ، وإن علم فيها جلس في الحال ، وتشهد إن لم يكن تشهد ، وسجد وسلم ، وإن سبح به اثنان ، لزمه الرجوع ، فإن لم يرجع بطلت صلاته ، وصلاة من اتبعه عالما ، فإن فارق أو كان جاهلا لم تبطل .

التالي السابق


( فأما الزيادة ) هذا شروع في بيان تفصيل الأحوال الثلاثة وحكمها ، ثم هي تنقسم إلى قسمين : زيادة أقوال ، وزيادة أفعال ، وزيادة الأفعال قسمان : أحدهما قوله ( فمتى زاد فعلا من جنس الصلاة قياما ) أي : يقوم في موضع جلوس ( أو قعودا ) أي : يقعد في موضع قيام ( أو ركوعا أو سجودا عمدا بطلت الصلاة ) إجماعا ، قاله في " الشرح " لأنه بها يخل بنظم الصلاة ، ويغير هيئاتها ، فلم تكن صلاة ، ولا فاعلها مصليا ( وإن كان سهوا سجد له ) قليلا كان أو كثيرا لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين رواه مسلم ، ولأن الزيادة سهو ، فيدخل في قول الصحابي : سها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد ، بل هي نقص في المعنى ، فشرع لها السجود لينجبر النقص ، لكن متى ذكر عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير ، قال جماعة : إن زاد عقيب ركعة جلوسا يسيرا ، زاد جمع : بقدر جلسة الاستراحة ، فهل يسجد لسهوه ، ويبطل عمده ؛ فيه وجهان ، وفي " التلخيص " إن جلس عن قيام ، ولم يتشهد ، ثم ذكر ، ولم يسجد للسهو ، قال القاضي : سواء كان بقدر جلسة [ ص: 504 ] الاستراحة أو أطول ، لأن صفتها تخالف صفة الجلوس للتشهد ، وقياس المذهب أنه إن كان يسيرا لا يسجد ، لأنه لا يبطل عمده الصلاة ، ولا وجه لما ذكره القاضي ، إلا إذا قلنا تجبر الهيئات بالسجود ، ولهذا علل بتغاير القعودين في الكيفية ، وقيل : إن قام إلى خامسة في رباعية ، عاد ، فسلم ، وبطل فرضه ، وتصير نفلا ، وفيه نظر .

مسألة : إذا رفع رأسه من السجود يجلس للاستراحة ، وكان موضع جلوسه للفصل ، أو التشهد ، ثم ذكر أتى بذلك ، ولا سجود عليه ، ولو جلس للتشهد قبل السجود ، سجد كذلك ، وإن جلس للفصل فظنه التشهد ، وطوله ، لم يجب السجود ، ولو نوى القصر فأتم سهوا ففرضه الركعتان ، ويسجد للسهو ، وإن قام أو سجد فيها إكراما لإنسان بطلت .

( وإن زاد ركعة ) لخامسة في الرباعية أو رابعة في المغرب أو ثالثة في الفجر ( فلم يعلم حتى فرغ منها سجد لها ) لما روى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى خمسا ، فلما انفتل ، قالوا : إنك صليت خمسا فانفتل ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم متفق عليه ، وفي رواية قال : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتي السهو رواه مسلم ( وإن علم ) بالزيادة ( فيها ) أي : في الركعة ( جلس في الحال ) بغير تكبير ، نص عليه ، لأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمدا ، وذلك مبطل لها ( وتشهد إن لم يكن تشهد ) لأنه ركن لم يأت به ( وسجد ) للسهو لقوله عليه السلام : من زاد أو نقص فليسجد سجدتين ( وسلم ) لتكمل صلاته ، وظاهره أنه إذا كان قد تشهد فإنه يسجد ، ويسلم ، وفي " الشرح " وغيره إن كان تشهد ، ولم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عليه ، ثم سجد للسهو ، ثم سلم .



فرع : إذا اختلف الجماعة عليه سقط قولهم ، كالبينتين إذا تعارضتا ، ويعمل بغلبة ظنه ، وفي وجه - وذكر في " الوسيلة " أنه أشبه بالمذهب - أنه يرجع إلى من وافقه ، وقال ابن حامد : يرجع إلى قول من أثبت الخطأ ، ويرجع منفردا إلى يقين ، وقيل : لا ، لأن من في الصلاة أشد تحفظا قال القاضي : والأول أشبه بكلام أحمد في الطواف .

( فإن لم يرجع ) الإمام في موضع يلزمه الرجوع ( بطلت صلاته ) نص عليه ، وجزم به الأصحاب ، لأنه ترك الواجب عمدا ( وصلاة من اتبعه عالما ) على الأصح فيهما ، لأنه اقتدى بمن يعلم بطلان صلاته ، كما لو اقتدى بمن يعلم حدثه ( فإن فارق ) وسلم صحت صلاته في أصح الروايات ، واختاره الأكثر ، لأنه فارقه لعذر ، أشبه من فارق إمامه إذا سبقه الحدث ، وعنه : ينتظره ليسلم معه وجوبا ، وعنه : استحبابا ، وعنه : يجب متابعته فيها ، وعنه : يخبر المأموم في انتظاره أو اتباعه ، وعنه : تبطل في الكل ، ومعنى الإبطال أنها تخرج أن تكون فرضا بل يسلم عقب الرابعة ، وتكون لهم نفلا ، ذكره في " الفصول " عن الأصحاب ( أو كان ) متبعه ( جاهلا ) وساهيا ( لم تبطل ) على الأصح ، لأن الصحابة تابعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخامسة في حديث ابن مسعود ، ولم تبطل صلاتهم ، وتابعوه أيضا في حديث ذي اليدين ، ولم يأمرهم بالإعادة .

[ ص: 507 ] تنبيه : إذا أدركه مسبوق فيها انعقدت صلاته ، واعتد بها ، قدمه ابن تميم ، وقاله القاضي ، بناء على اقتداء المفترض بالمتنفل ، والمذهب المنصوص عليه أنه لا يعتد بها ، لأنها سهو وغلط ، وعنه : الوقف ، نقلها أبو الحارث ، والأول نصره المؤلف ، وهذا إذا لم يعلم بأنها زائدة ، فإن علم لم يدخل معه مفترض ، وكذا لا يدخل معه في سجود سهو بعد السلام على الأصح .




الخدمات العلمية