الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وإن استحيضت المعتادة رجعت إلى عادتها  ، وإن كانت ، وعنه : يقدم التمييز ، وهو اختيار الخرقي ، وإن نسيت العادة ، عملت بالتمييز ، فإن لم يكن لها تمييز ، جلست غالب الحيض ، وعنه : أقله . وقيل : فيها الروايات الأربع ، وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها ، جلستها من أول كل شهر في أحد الوجهين ، وفي الآخر تجلسها بالتحري ، وكذلك الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز ، وإن علمت أيامها في وقت من الشهر ، كنصفه الأول ، جلستها فيه إما من أوله أو بالتحري على اختلاف الوجهين ، وإن علمت موضع حيضها ، ونسيت عدده جلست فيه غالب الحيض أو أقله على اختلاف الروايتين ،

[ ص: 284 ]

التالي السابق


( وإن نسيت العادة ) هذا هو القسم الثالث من أقسام المستحاضة ، وهي التي لها تمييز وعادة ، وقد أنسيتها ( عملت بالتمييز ) بشرطه لما سبق من حديث فاطمة ، وظاهره لا فرق بين أن يكون المتميز متفقا مثل أن ترى في كل شهر ثلاثة أسود ، ثم يصير أحمر ، ويعبر أكثر الحيض ، أو مختلفا ، مثل أن ترى في كل شهر ثلاثة أسود ، ثم يصير أحمر ، ويعبر أكثر الحيض أو مختلفا مثل أن ترى في الأول خمسة أسود ، وفي الثاني أربعة ، وفي الثالث ثلاثة ، أو بالزيادة فيهما ، فالأسود حيض على كل حال ، وظاهره لا يعتبر فيه تكرار ، وهو كذلك على المذهب ، وذكر في " الرعاية " : فيها الروايات الأربع .



( فإن لم يكن لها تمييز جلست غالب الحيض ) هذا هو القسم الرابع من أقسام المستحاضة ، وهي الناسية للعادة ولا تمييز لها ، ولها ثلاثة أحوال ، أحدها : أن تكون ناسية لوقتها وعددها ، وهذه تسمى المتحيرة ، لأنها قد تحيرت في حيضها ، وحكمها أن تجلس غالب الحيض في ظاهر المذهب ، اختاره الخرقي ، وجزم به في " الوجيز " وقدمه غير واحد لحديث حمنة بنت جحش ، ولأنه لم يستفصلها : هل هي مبتدأة أو ناسية ؛ ولو افترق الحال لسألها ، وكونها ناسية أكثر ، فإن حمنة امرأة كبيرة ، قاله أحمد ، ولم يسألها عن تمييزها ولا عادتها ، فلم يبق إلا أن تكون ناسية - فعلى هذا إن كانت تعرف شهرها جلست ذلك منه ، لأنه عادتها فترد إليها كما ترد المعتادة إلى عادتها ، إلا أنه متى كان شهرها أقل من عشرين يوما ، لم تجلس منه أكثر من الفاضل عن ثلاثة عشر يوما أو خمسة عشر لئلا [ ص: 281 ] ينقص الطهر عن أقله ، وإن لم تعرف شهرها جلست من الشهر المعتاد للخبر ، ولأنه غالب عادات النساء ، فالظاهر أنه حيضها ، وتجتهد في الست والسبع ، فما غلب على ظنها جلسته ، صححه في " المغني " وغيره ، وذكر القاضي في موضع : أنها تخير بينهما ، كالوطء فيه يتخير في التكفير بين دينار ونصفه ، لأن " أو " للتخيير ، وأجيب عنه : بأنها قد تكون للاجتهاد لقوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء [ محمد 4 ] ، و " إما " كـ " أو " ، ولم يعرض لوقت إجلاسها ، وفيه وجهان ، والأشهر أنه من أول كل شهر ( وعنه : أقله ) لأنه اليقين ، وما زاد مشكوك فيه ، فلا تدع العبادة لأجله ، وجعله في " الكافي " مخرجا ، وليس كذلك ، بل هو منصوص عليه .

( وقيل : فيها الروايات الأربع ) لو اقتصر في حكاية هذا القول على الروايتين الأخريين لكان أولى ، ولهذا قال القاضي : يتخرج فيها الروايتان الأخريان كالمبتدأة ، لأن بنسيان العادة صارت عادمة لها ، فهي كمن عدمت العادة ، وهي تجلس عادة نسائها ، والأكثر والمشهور انتفاؤهما ، وظاهره أن استحاضتها لا تحتاج إلى تكرار ، وهو الأصح ، وحكى القاضي وجها أنها لا تجلس شيئا ، بل تغتسل لكل صلاة ، وتصلي ، وتصوم ، ويمنع الزوج من وطئها ، وتقضي الصوم الواجب .



[ ص: 284 ] ( وإن علمت موضع حيضها ، ونسيت عدده ) هذا هو الحال الثالث من أحوال الناسية ، وهي الناسية لعددها دون وقتها ( جلست فيه ) أي : في ذلك الموضع دون غيره ، كمن تعلم أن حيضها في العشر الأول ، فهي في قدر ما تجلسه كالمتحيرة ، فإنها تجلس ( غالب الحيض أو أقله على اختلاف الروايتين ) المنصوصتين ، والأكثر ، وعادة نسائها على المخرجتين ، والصحيح أنها تجلس الغالب من العشر ، وهل هو من أوله أو بالتحري ؛ على الخلاف ، فإذا علمت ابتداءه بأن قالت : حيضي كان من أول يوم من الشهر ، فذلك اليوم حيض يقينا ، فإن قلنا برواية الأقل ، لم يزد عليه ، وإن قلنا بالغالب جلست تمامه من النصف الأول ، فيكون حيضا مشكوكا فيه ، وبقية النصف طهر مشكوك فيه ، قال القاضي في شرحه : تغتسل عقيب اليوم ، ثم تغتسل لكل صلاة إلى الخامس عشر ، ولا يأتيها زوجها ، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر ، وإن علمت آخره ، بأن قالت : كان آخر حيضتي مع آخر الشهر ، ولا أعلم أوله ، فاليوم الأخير حيض بيقين ، ويكتفى به على الأقل ، وعلى الغالب تضيف إليه من النصف الأخير تمام ست أو سبع ، فيكون حيضا مشكوكا فيه ، وبقية النصف طهرا مشكوكا فيه ، وقال القاضي : من أول النصف الثاني إلى التاسع والعشرين طهر مشكوك فيه ، تصوم ، وتصلي ، وتقضي الصوم ، وتتوضأ لكل صلاة من غير غسل ، ولا يقربها زوجها ، وإن جهلت طرفي حيضها بأن قالت : كنت أول يوم من الشهر حائضا لا أعلم هل هو طرف الحيضة أو وسطها ، ولا أعلم هل هو كلها أو بعضها ، فاليوم الأول حيض يقينا ، والسادس عشر طهر يقينا ، وبقية النصف مشكوك فيه . فعلى الأقل تجلسه فقط ، [ ص: 285 ] وعلى الغالب تضيف إليه تمام ست أو سبع ، إن قلنا : تجلس من أول الشهر أو بالتحري .

مسألة : إذا ذكرت الناسية عادتها ردت إليها ، والمعتادة كما تقدم من علمت أيام حيضها وطهرها ، فإن جهلتهما ، أو الطهر وحده ردت إلى الشهر الهلالي عملا بالغالب ، ولأن تركها لعارض النسيان ، وقد زال ، وإن تبين أنها تركت الصلاة في غير عادتها لزمها إعادتها ، وقضاء ما فعلته من الصوم الواجب ، ونحوه في عادتها .




الخدمات العلمية