الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْجِنْسُ الثَّانِي : الْأَقْوَالُ وَهِيَ نَوْعَانِ ، مَأْمُورٌ بِهِ ، وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ . النَّوْعُ الْأَوَّلُ : الْمَأْمُورُ بِهِ : التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ( وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَكَى الْقَاضِي فِي " الشِّفَا " أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ) مُعْتَبَرٌ فِي الْإِيمَانِ ، فَمَنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِمَا مَعَ الْإِمْكَانِ فَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ وَإِنْ آمَنَ قَلْبُهُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجِبَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ ، وَالذِّكْرُ ، وَالدُّعَاءُ ، وَالتَّسْبِيحُ ، وَالتَّهْلِيلُ ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْهُورِ ، وَالتَّلْحِينُ حَرَامٌ ، قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ ; لِأَنَّ ثَمَرَةَ قِرَاءَتِهِ الْخَشْيَةُ وَتَجْدِيدُ التَّوْبَةِ ، وَالِاعْتِبَارُ بِقَصَصِهِ ، وَالشَّوْقُ لِوَعْدِهِ ، وَالْحَذَرُ مِنْ وَعِيدِهِ ، وَالتَّلْحِينُ يُنَافِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ مُطْرِبٌ ، وَالطَّرَبُ يَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْأَغَانِي وَالْمُطْرِبَاتِ ; لِأَنَّهَا شَأْنُهَا اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ ، قَالَ : وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَسَّمَ قِرَاءَتُهُ إِلَى تَفْخِيمٍ ، وَإِعْظَامٍ فِيمَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ ، وَإِلَى تَحْزِينٍ وَتَرْقِيقٍ عَلَى حَسَبِ الْمَوَاعِظِ ، وَالْأَحْوَالِ الْمُقَرِّرِ لَهَا ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى هَذَا الْقِسْمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ) ، وَمِنَ الْمَأْمُورِ إِقْرَاءُ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ فِي الدِّينِ وَتَعَلُّمُهَا ، وَالْحَثُّ عَلَى الْخَيْرِ ، وَالصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . النَّوْعُ الثَّانِي : الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَهُوَ الْغِيبَةُ ، وَالنَّمِيمَةُ ، وَالْبُهْتَانُ ، وَالْكَذِبُ ، وَالْقَذْفُ ، وَالتَّلَفُّظُ بِفُحْشِ الْكَلَامِ ، وَإِطْلَاقُ مَا لَا يَحِلُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، أَوْ عَلَى رَسُولِهِ ، أَوْ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ، أَوْ أَنْبِيَائِهِ ، أَوْ مَلَائِكَتِهِ ، أَوِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ ، وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الْخِيَانَةُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ " ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ " ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " الْغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا ؟ قَالَ : إِذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ " . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يُسْتَثْنَى مِنَ الْغِيبَةِ خَمْسُ صُوَرٍ : الْأُولَى : النَّصِيحَةُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ شَاوَرَتْهُ : " أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ " ، ( وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَسِيسُ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الْمُشَاوَرِ فِيهَا ، أَوِ الَّتِي يُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَنْصُوحَ يُسَارِعُ فِيهَا ، وَلَا يُثْلَمُ الْعِرْضُ مَعَ ذَلِكَ ، وَلَا يُبَيَّنُ ذَلِكَ ) . الثَّانِيَةُ : الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ فِي الشُّهُودِ وَالرُّوَاةِ بِمَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، وَالرِّوَايَةِ خَاصَّةً ، فَلَا يَقُولُ : هُوَ ابْنُ زِنًا . الثَّالِثَةُ : الْمُعْلِنُ بِالْفُسُوقِ ، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ : فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعَا يَفْتَخِرُ بِالزِّنَا فِي شِعْرِهِ ، فَلَا يَتَضَرَّرُ بِأَنْ يَحْكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَالْغِيبَةُ إِنَّمَا حُرِّمَتْ لِحَقِّ الْمُغْتَابِ . الرَّابِعَةُ : أَرْبَابُ الْبِدَعِ ، وَالتَّصَانِيفِ الْمُضِلَّةِ مِنَ الْكُتُبِ يَنْبَغِي أَنْ يُشَهَّرَ فِي النَّاسِ أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ تَنْفِيرًا عَنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّصِيحَةِ ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُشَاوَرَةِ . الْخَامِسَةُ : إِذَا كُنْتَ أَنْتَ وَالْمَقُولُ لَهُ الْغِيبَةُ قَدْ سَبَقَ لَكُمَا الْعِلْمُ بِالْمُغْتَابِ بِهِ ، فَإِنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحُطُّ مِنْ قَدْرِ الْمُغْتَابِ عِنْدَهُ ، وَسَأَلْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ عَمَّا يُرْوَى مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ " ، فَقَالُوا : لَمْ يَصِحَّ ، وَلَا يُتَفَكَّهُ بِعِرْضِ الْفَاسِقِ . وَفِي " الْمُقَدِّمَاتِ " : " ثَلَاثَةٌ لَا غِيبَةَ فِيهِمْ : الْإِمَامُ الْجَائِرُ ، وَالْفَاسِقُ الْمُعْلِنُ ، وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ " ، وَفِي " الْمُنْتَقَى " : لَا غِيبَةَ فِي تَجْرِيحِ الرَّاوِي ، وَالشَّاهِدِ ، وَلَا الْمُتَحَيِّلِ عَلَى النَّاسِ لِيُصْرَفَ كَيْدُهُ عَنْهُمْ ، هُوَ رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَفِي " الْمُقَدِّمَاتِ " : وَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْفَضْلِ حِفْظُ أَلْسِنَتِهِمْ مِمَّا لَا يَعْنِيهِمْ ، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَّا فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ فِي الْإِكْثَارِ مِنَ الْكَلَامِ السَّقْطَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ : مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ " ، وَدَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ ، فَقَالَ لَهُ : مَهْ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ ، قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ، وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا أَصْبَحَ الْعَبْدُ أَصْبَحَتِ الْأَعْضَاءُ تَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ اللِّسَانِ ، وَتَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ فِينَا ، إِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا ، نَقَلَهُ فِي " الْمُنْتَقَى " .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية