الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي آدَابِ الْقُضَاةِ . وَهِيَ : خَمْسَةَ عَشَرَ أَدَبًا . الْأَدَبُ الْأَوَّلُ : مَوْضِعُ جُلُوسِهِ ، وَفِي الْكِتَابِ : الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْحَقِّ وَالْأَمْرِ الْقَدِيمِ ، وَلِأَنَّهُ يُرْضَى فِيهِ بِالدُّونِ مِنَ الْمَجْلِسِ ، وَتَصِلُ إِلَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالضَّعِيفُ ، وَلَا يُقِيمُ فِيهِ الْحُدُودَ وَنَحْوَهَا بِخِلَافِ خَفِيفِ الْأَدَبِ ، وَأَصْلُهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ) وَقَضَى النَّبِيُّ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ فِيهِ ، وَاسْتَحَبَّهُ ( ح ) وَابْنُ حَنْبَلٍ وَكَرِهَهُ ( ش ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ قَالَ : ( جَنِّبُوا صِبْيَانَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ ، وَخُصُومَاتِكُمْ ، وَحُدُودَكُمْ ، وَسَلَّ سِيُوفِكُمْ ، وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ ) وَلِأَنَّ الْخُصُومَةَ يُتْبَعُ فِيهَا الْفُجُورُ وَالتَّكَاذُبُ وَالسَّبُّ وَالظُّلْمُ وَالْحَائِضُ ، وَالْجُنُبُ يَدْخُلُ إِلَيْهِ ، وَأَرْبَابُ الْقَاذُورَاتِ ، وَلَمْ يُوضَعِ الْمَسْجِدُ لِذَلِكَ . الْجَوَابُ : أَنَّ الْعَمَلَ مُخَصَّصٌ لِهَذَا الْعُمُومِ ، وَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيُمْنَعْنَ وَيُوَكَّلْنَ ، أَوْ يَأْتِينَ الْحَاكِمَ فِي بَيْتِهِ . وَالْجُنُبُ يَغْتَسِلُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ : قَالَ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : ( مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ وَفَاقَتِهِ ) وَالْمَسْجِدُ أَبْعَدُ عَنِ الْحِجَابِ وَأَقْرَبُ لِلتَّوَاضُعِ فَيُسْتَحَبُّ ، قَالَ . التُّونُسِيُّ : قَالَ مُطَرِّفٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ : أَحْسَنُ مَجَالِسِ الْقَاضِي رَحَبَاتُ الْمَسْجِدِ الْخَارِجَةُ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ فِي غَيْرِهَا ، قَالَ مَالِكٌ : كَانَ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْقُضَاةِ لَا يَجْلِسُونَ إِلَّا فِي الرَّحَبَاتِ خَارِجًا إِمَّا عِنْدَ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ ، وَإِمَّا فِي رَحْبَةِ دَارِ مَرْوَانَ ، وَمَا كَانَتْ تُسَمَّى إِلَّا رَحْبَةَ الْقَضَاءِ ، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِيَصِلَ إِلَيْهِ الْيَهُودِيُّ وَالْحَائِضُ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : وَمِنَ الْعَدْلِ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُ الْقَاضِي وَسَطَ الْمِصْرِ لِيَصِلَ النَّاسُ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَطْرَافِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ . وَيَكُونَ مَجْلِسُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَفِي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ ثَلَاثَةُ أَقُوَالٍ ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ : الْمَسْجِدُ ، وَعَنْهُ : الرِّحَابُ الْخَارِجَةُ ، وَنَقَلَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ التُّونُسِيُّ . وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يُؤْمَرُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَنْزِلِهِ ، حَيْثُ أَحَبَّ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَالرِّحَابُ أَحْسَنُ ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُنَزَّهُ عَنِ الْخُصُومَاتِ وَغَيْرِهَا لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : الْمُسْتَحَبُّ الرِّحَابُ الْخَارِجَةُ عَنِ الْمَسْجِدِ ، قَالَ أَشْهَبُ : يَقْضِي حَيْثُ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَقَالَ غَيْرُهُ : إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ حَتَّى يَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ وَالْفَهْمِ فَلْيَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، وَاتَّخَذَ سَحْنُونٌ بَيْتًا فِي الْمَسْجِدِ يَقْعُدُ فِيهِ النَّاسُ ، وَلَا يَقْضِي فِي طَرِيقِ مَمَرِّهِ إِلَّا أَنْ يَعْرِضَ لِمَنِ اسْتَغَاثَ بِهِ فِيهِ ، فَيَأْمُرُ فِيهِ وَيَنْهَى مِنْ غَيْرِ فَصْلِ حُكْمٍ ، قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ . وَعَنْ أَشْهَبَ : يَقْضِي وَهُوَ يَمْشِي إِذَا لَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ ، كَمَا يَقْضِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ . قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ ، وَيُسْتَحَبُّ جُلُوسُهُ بِالرِّحَابِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ ، فَوَافَقَ الْبَاجِيَّ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا ، وَكَلَامُ الْبَاجِيِّ ، وَابْنِ رُشْدٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَالُوهُ ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ : كَانَ مِمَّنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْقُضَاةِ لَا يَجْلِسُونَ إِلَّا فِي الرَّحَبَاتِ . فَدَلَّ أَنَّ الْعَمَلَ ذَلِكَ ، وَالْعَمَلُ عِنْدَهُ مُقَدَّمٌ ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ يَقْتَضِي دَاخِلَ الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ لَا تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ ، وَالْحُدُودُ تُقَامُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ إِجْمَاعًا ، فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُيَّضُ وَالْيَهُودُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية