الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
[ ص: 26 ] كتاب المضاربة

المضارب شريك رب المال في الربح ، ورأس ماله الضرب في الأرض  ، فإذا سلم رأس المال إليه فهو أمانة ، فإذا تصرف فيه فهو وكيل ، فإذا ربح صار شريكا ، فإن شرط الربح للمضارب فهو قرض ( ف ) ، وإن شرط لرأس المال فهو بضاعة ، وإذا فسدت المضاربة فهي إجارة فاسدة ، وإذا خالف صار غاصبا ، ولا تصح إلا أن يكون الربح بينهما مشاعا ، فإن شرط لأحدهما دراهم مسماة فسدت ، والربح لرب المال ، وللمضارب أجر مثله ، واشتراط الوضيعة على المضارب باطل ، ولا بد أن يكون المال مسلما إلى المضارب ، وللمضارب أن يبيع ويشتري بالنقد والنسيئة ويوكل ويسافر ويبضع ، ولا يضارب إلا بإذن رب المال ، أو بقوله : اعمل برأيك ، وليس له أن يتعدى البلد والسلعة والمعامل الذي عينه رب المال ، وإن وقت لها وقتا بطلت بمضيه ، وليس له أن يزوج عبدا ولا أمة من مال المضاربة ، ولا يشتري من يعتق على رب المال ، فإن فعل ضمنه ، ولا من يعتق عليه إن كان في المال ربح ، فإن لم يكن في المال ربح فاشترى من يعتق عليه صح البيع ، فإن ربح عتق نصيبه ويسعى العبد في قيمة نصيب رب المال ، فلو دفع إليه المال مضاربة وقال : ما رزق الله بيننا نصفان وأذن له في الدفع مضاربة ، فدفع إلى آخر بالثلث فنصف الربح لرب المال بالشرط ، والسدس للأول ، والثلث للثاني ، وإن دفع الأول إلى الثاني بالنصف فلا شيء له ، وإن دفعه على أن للثاني الثلثين ضمن الأول للثاني قدر السدس من الربح ، ولو قال : ما رزقك الله فلي نصفه فما شرطه للثاني فهو له ، والباقي بين رب المال والمضارب الأول نصفان ، ولو قال : على أن ما رزق الله بيننا نصفان فدفعه إلى آخر بالنصف فدفعه الثاني إلى ثالث بالثلث فالنصف لرب المال ، وللثالث الثلث ، وللثاني السدس ولا شيء للأول .

وتبطل المضاربة : بموت المضارب ، وبموت رب المال ، وبردة رب المال ، ولحاقه مرتدا ، ولا تبطل بردة المضارب ، ولا ينعزل بعزله ما لم يعلم ، فلو باع واشترى بعد العزل قبل العلم نفذ ، فإن علم بالعزل والمال من جنس رأس المال لم يجز له أن يتصرف فيه ، وإن كان خلاف جنسه فله أن يبيعه حتى يصير من جنسه ، وإذا افترقا وفي المال ديون وليس فيه ربح وكل رب المال على اقتضائها ، وإن كان فيه ربح أجبر على اقتضائها ، وما هلك من مال المضاربة فمن الربح ، فإن زاد فمن رأس المال .

[ ص: 32 ]

التالي السابق


فصل

[ نفقة المضارب ]

ونفقة المضارب في مال المضاربة ما دام في سفره حتى يعود إلى مصره ، وإن كان ما دون مدة السفر إذا كان لا يبيت بأهله ، وإن كان يبيت فلا نفقة له ، وكذا لا نفقة له ما دام في مصره ; لأن النفقة جزاء الاحتباس ، فإذا كان في مصره لا يكون محتبسا في المضاربة ، وفي السفر يكون محتبسا فيها ، وإذا اتخذ مصرا آخر دارا أو تزوج به فهو كمصره ، ونفقته في الحاجة الدارة كالطعام والشراب والكسوة وفراش النوم ودابة الركوب وعلفها ومن يطبخ له ويغسل ثيابه وأجرة الحمام ودهن السراج والحطب ، وتجب نفقة مثله بالمعروف ونفقة غلمانه ودوابه الذين يعملون معه في المال .

وتحتسب النفقة من الربح ، فإن لم يكن فمن رأس المال ، ولو أنفق من مال نفسه أو استدان لنفقته رجع في مال المضاربة ، ولو ضارب لرجلين فنفقته على قدر المالين ، ولو كان أحد المالين بضاعة فالجميع على المضاربة ; لأن السفر واقع لها ، ولو كانت المضاربة فاسدة لا نفقة للمضارب ; لأنه أجير ونفقة الأجير على نفسه .



[ ص: 32 ] قال : ( وتبطل المضاربة بموت المضارب وبموت رب المال ) ; لأنها وكالة وأنها تبطل بالموت لما مر . قال : ( وبردة رب المال ولحاقه مرتدا ) ; لأنه موت حكما على ما عرف ( ولا تبطل بردة المضارب ) ; لأن ملك رب المال باق ، وعبارة المرتد معتبرة .

قال : ( ولا ينعزل بعزله ما لم يعلم ) كالوكيل ( فلو باع واشترى بعد العزل قبل العلم نفذ ) لبقاء الوكالة ( فإن علم بالعزل والمال من جنس رأس المال لم يجز له أن يتصرف فيه ) ; لأنه صار أجنبيا بالعزل ولا ضرر عليه في ذلك ( وإن كان خلاف جنسه فله أن يبيعه حتى يصير من جنسه ) ; لأن له حقا في الربح ، وهو إنما يظهر إذا علم رأس المال ، وإنما يعلم إذا نض ، وإنما ينض بالبيع ، فإذا نض لا يتصرف فيه ، وموت أحدهما ولحاقه بدار الحرب كالعزل .

قال : ( وإذا افترقا وفي المال ديون وليس فيه ربح وكل رب المال على اقتضائها ) ; لأنه وكيل متبرع بالعمل فلا يلزمه الاقتضاء إلا أنه لما كان عاقدا والحقوق ترجع إليه فلا بد من وكالته ( وإن كان فيه ربح أجبر على اقتضائها ) ، لأن الربح بمنزلة الأجرة فكان أجيرا فيجب عليه تمام العمل .

قال : ( وما هلك من مال المضاربة فمن الربح ) ; لأنه تبع كالعفو في باب الزكاة ( فإن زاد فمن رأس المال ) ; لأن المضارب أمين فلا ضمان عليه ، فإن اقتسما الربح والمضاربة بحالها ثم هلك المال أو بعضه رجع في الربح حتى يستوفى رأس المال ; لأن الربح فضل على رأس المال ، ولا يعرف الفضل إلا بعد سلامة رأس المال فلا يصح قسمته فينصرف الهلاك إليه لما بينا ، ويبتدأ أولا برأس المال ثم بالنفقة ثم بالربح الأهم فالأهم ، ولو فسخا المضاربة ثم اقتسما الربح ثم عقدا المضاربة فهلك رأس المال لم يترادا الربح ; لأن هذه المضاربة جديدة ، والأولى قد انتهت فانتهى حكمها ، ولو مر المضارب على السلطان فأخذ منه شيئا كرها لا ضمان عليه ، وإن دفع إليه شيئا ليكف عنه ضمن ; لأنه ليس من أمور التجارة ، وكذلك إذا أراد العاشر أن يأخذ منه العشر فصالحه المضارب بشيء من المال حتى كف عنه ضمن ، والله عز وجل أعلم .




الخدمات العلمية