الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                        قال : ( ثم يعود إلى منى فيقيم بها ) لأن النبي عليه الصلاة والسلام رجع إليها كما روينا ، ولأنه بقي عليه الرمي وموضعه بمنى ( فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من أيام النحر رمى الجمار الثلاث  ، فيبدأ بالتي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عندها ، ثم يرمي التي تليها مثل ذلك ويقف عندها ، ثم يرمي جمرة العقبة كذلك ولا يقف عندها ) هكذا روى جابر رضي الله عنه فيما نقل من نسك رسول الله عليه الصلاة والسلام [ ص: 175 ] مفسرا . [ ص: 176 ] ( ويقف عند الجمرتين في المقام الذي يقف فيه الناس ويحمد الله ويثني عليه ، ويهلل ويكبر ، ويصلي على النبي عليه الصلاة والسلام ، ويدعو بحاجته ويرفع يديه ) لقوله عليه الصلاة والسلام { لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن }وذكر من جملتها عند الجمرتين ، والمراد رفع الأيدي بالدعاء وينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه في هذه المواقف لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال : { اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج }ثم الأصل أن كل رمي بعده رمي يقف بعده ، لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه ، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت ، ولهذا لا يقف بعد جمرة العقبة في يوم النحر أيضا . [ ص: 177 ] قال : ( وإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس كذلك ، وإن أراد أن يتعجل النفر إلى مكة نفر ، وإن أراد أن يقيم رمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس ) لقوله تعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى }( والأفضل أن يقيم ) لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام صبر حتى رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع ، وله أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع ، فإذا طلع الفجر لم يكن له أن ينفر لدخول وقت الرمي ، وفيه خلاف الشافعي رحمه الله ( وإن قدم الرمي في هذا اليوم ) يعني اليوم الرابع ( قبل الزوال بعد طلوع الفجر  جاز عند أبي حنيفة رحمه الله ) وهذا استحسان . وقالا : لا يجوز اعتبارا بسائر الأيام ، وإنما [ ص: 178 ] التفاوت في رخصة النفر ، فإذا لم يترخص التحق بها ، ومذهبه مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ولأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه في الأوقات كلها أولى ، بخلاف اليوم الأول والثاني حيث لا يجوز الرمي فيهما إلا بعد الزوال في المشهور من الرواية لأنه لا يجوز تركه فيها فبقي على الأصل المروي ( فأما يوم النحر فأول وقت الرمي فيه  من وقت طلوع الفجر ) وقال الشافعي : أوله بعد نصف الليل لما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص للرعاء أن يرموا ليلا }. [ ص: 179 ] ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين }ويروى حتى تطلع الشمس ، فيثبت أصل الوقت بالأول والأفضلية بالثاني ، وتأويل ما روي الليلة الثانية والثالثة ولأن ليلة النحر وقت الوقوف والرمي يترتب عليه فيكون وقته بعده ضرورة . ثم عند أبي حنيفة يمتد هذا الوقت إلى غروب الشمس لقوله عليه الصلاة والسلام [ ص: 180 ] { إن أول نسكنا في هذا اليوم الرمي }جعل اليوم وقتا له وذهابه بغروب الشمس . وعن أبي يوسف أنه يمتد إلى وقت الزوال والحجة عليه ما روينا ( وإن أخر إلى الليل رماه ولا شيء عليه ) لحديث الدعاء ( وإن أخر إلى الغد رماه ) لأنه وقت جنس الرمي ( وعليه دم ) عند أبي حنيفة رحمه الله لتأخيره عن وقته كما هو مذهبه . قال : ( فإن رماها راكبا  أجزاه ) لحصول فعل الرمي ( وكل رمي بعده رمي فالأفضل أن يرميه ماشيا وإلا فيرميه راكبا ) لأن الأول بعده وقوف ودعاء على ما ذكرنا فيرميه ماشيا ، ليكون أقرب إلى التضرع ، وبيان الأفضل مروي عن أبي يوسف رحمه الله .

                                                                                                        ( ويكره أن لا يبيت بمنى ليالي الرمي   ) لأن النبي عليه الصلاة والسلام بات بها وعمر رضي الله عنه كان يؤدب على ترك المقام بها ( ولو بات في غيرها متعمدا  لا يلزمه شيء عندنا ) خلافا للشافعي رحمه الله ، لأنه وجب [ ص: 181 ] ليسهل عليه الرمي في أيامه فلم يكن من أفعال الحج فتركه لا يوجب الجابر . قال : ( ويكره أن يقدم الرجل ثقله إلى مكة ويقيم حتى يرمي ) لما روي أن عمر رضي الله عنه كان يمنع منه ويؤدب عليه ولأنه يوجب شغل قلبه .

                                                                                                        التالي السابق



                                                                                                        الخدمات العلمية