الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      خِلَافَةُ الرَّاضِي بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ لَمَّا خَلَعَتِ الْجُنْدُ الْقَاهِرَ وَسَمَلُوهُ ، أَحْضَرُوا أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْخِلَافَةِ ، وَلَقَّبُوهُ الرَّاضِي بِاللَّهِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ قَدْ أَشَارَ بِأَنْ يُلَقَّبَ بِالْمَرْضِيِّ بِاللَّهِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَعَدَلَ إِلَى هَذَا اللَّقَبِ ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لَسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ - وَجَاءُوا بِالْقَاهِرِ وَهُوَ أَعْمَى قَدْ سُمِلَتْ عَيْنَاهُ ، فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ ، وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ ، فَقَامَ الرَّاضِي بِأَعْبَائِهَا ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْخُلَفَاءِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ ، فَوَلَّاهُ الْوِزَارَةَ ، وَجَعَلَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى نَاظِرًا عَلَيْهِ ، وَأَطْلَقَ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي حَبْسِ الْقَاهِرِ ، وَاسْتَدْعَى عِيسَى طَبِيبَ الْقَاهِرِ ، فَصَادَرَهُ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَتَسَلَّمَ مِنْهُ الْوَدِيعَةَ الَّتِي كَانَ الْقَاهِرُ أَوْدَعَهَا عِنْدَهُ ، وَكَانَتْ جُمْلَةً مُسْتَكْثِرَةً مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنَّفَائِسِ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَظُمَ أَمْرُ مَرْدَاوِيجَ بِأَصْبَهَانَ ، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَصْدَ بَغْدَادَ وَأَنَّهُ مُمَالِئٌ لِصَاحِبِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى رَدِّ الدَّوْلَةِ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى الْعَجَمِ ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي رَعِيَّتِهِ ، لَا سِيَّمَا فِي خَوَاصِّهِ مِنَ الْأَتْرَاكِ ، فَتَمَالَئُوا عَلَى قَتْلِهِ فَقَتَلُوهُ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - وَكَانَ الْقَائِمُ بِأَعْبَاءِ ذَلِكَ أَخَصَّ مَمَالِيكِهِ وَأَحْظَاهُمْ عِنْدَهُ ، وَهُوَ بَجْكَمُ - بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَهَذَا الْأَمِيرُ هُوَ الَّذِي اسْتَنْقَذَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ مِنْ أَيْدِي الْقَرَامِطَةِ ، وَافْتَدَاهُ مِنْهُمْ بِخَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ ، بَذَلَهَا لَهُمْ حَتَّى رَدُّوهُ إِلَى مَكَّةَ كَمَا سَيَأْتِي . وَلَمَّا قُتِلَ مَرْدَاوِيجُ بْنُ زَيَّارٍ الدَّيْلَمِيُّ ، عَظُمَ أَمْرُ عَلِيِّ بْنِ بُوَيْهِ ، وَارْتَفَعَ قَدْرُهُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَعَلَا شَأْنُهُ فِي الْمُلُوكِ ، وَسَيَأْتِي مَا آلَ إِلَيْهِ حَالُهُ . وَلَمَّا خُلِعَ الْقَاهِرُ وَوَلِّيَ الرَّاضِي ، طَمِعَ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ فِي الْخِلَافَةِ ; لِكَوْنِهِ ابْنَ خَالِ الْمُقْتَدِرِ ، وَكَانَ نَائِبًا عَلَى مَاهِ الْكُوفَةِ الدِّينَوَرِ وَمَاسَبَذَانَ ، فَدَعَا إِلَى ذَلِكَ وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ مِنَ الْجُنْدِ وَالْأُمَرَاءِ ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ ، وَقَصَدَ بَغْدَادَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتَ رَأْسُ الْحَجَبَةِ فِي جَمِيعِ جَيْشِ بَغْدَادَ فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ ، فَخَرَجَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ يَتَقَصَّدُ لَعَلَّهُ يَعْمَلُ حِيلَةً فِي أَسْرِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتَ ، فَتَقَنْطَرَ بِهِ فَرَسُهُ ، فَسَقَطَ فِي نَهْرٍ ، فَضَرَبَهُ غُلَامٌ لَهُ حَتَّى قَتَلَهُ ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ ، وَجَاءَ بِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتَ ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ هَارُونَ ، وَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتَ ، فَدَخَلَ بَغْدَادَ وَرَأْسُ هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ يُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى رُمْحٍ ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا . وَفِيهَا ظَهَرَ رَجُلٌ بِبَغْدَادَ يُعَرَفُ بِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّلْمَغَانِيِّ ، وَيُقَالُ لَهُ : ابْنُ أَبِي الْعَزَاقِرِ . فَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ يَدَّعِي مَا كَانَ يَدَّعِيهِ الْحَلَّاجُ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ ، وَكَانَ قَدْ مُسِكَ فِي دَوْلَةِ الْمُقْتَدِرِ عِنْدَ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، وَاتُّهِمَ بِأَنَّهُ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ . وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرَّةُ أَحْضَرَهُ الرَّاضِي ، وَادَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ عَنْهُ ، فَأَنْكَرَ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَشْيَاءَ ، فَأَفْتَى قَوْمٌ أَنَّ دَمَهُ حَلَالٌ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، فَضُرِبَ ثَمَانِينَ سَوْطًا ، ثُمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَصُلِبَ ، وَأُلْحِقَ بِالْحَلَّاجِ - قَبَّحَهُمَا اللَّهُ - وَقُتِلَ مَعَهُ صَاحِبُهُ ابْنُ أَبِي عَوْنٍ لَعَنَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ هَذَا اللَّعِينُ مِنْ جُمْلَةِ طَائِفَةٍ قَدِ اتَّبَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ فِيمَا يَزْعُمُهُ مِنَ الْكُفْرِ ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ . وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " كَامِلِهِ " مَذْهَبَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ بَسْطًا جَيِّدًا ، وَشَبَّهَ مَذْهَبَهُمْ بِمَذْهَبِ النَّصِيرِيَّةِ ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ أَجْمَعِينَ . وَادَّعَى رَجُلٌ بِبِلَادِ الشَّاشِ النُّبُوَّةَ ، وَأَظْهَرَ مَخَارِيقَ وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنَ الْحِيَلِ ، فَجَاءَتْهُ الْجُيُوشُ فَقَاتَلُوهُ ، فَقَتَلُوهُ ، وَانْطَفَأَ خَبَرُهُ وَاضْمَحَلَّ أَمْرُهُ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية