الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الرُّكْنُ الرَّابِعُ فِي السَّمْعِيَّاتِ وَتَصْدِيقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ وَمَدَارُهُ عَلَى عَشَرَةِ أُصُولٍ . الْأَصْلُ الْأَوَّلُ . الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِمَا الشَّرْعُ وَهُوَ حَقٌّ وَالتَّصْدِيقُ بِهِمَا وَاجِبٌ لِأَنَّهُ فِي الْعَقْلِ مُمْكِنٌ وَمَعْنَاهُ الْإِعَادَةُ بَعْدَ الْإِفْنَاءِ وَذَلِكَ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَابْتِدَاءِ الْإِنْشَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاسْتَدَلَّ بِالِابْتِدَاءِ عَلَى الْإِعَادَةِ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ مَا : " خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ " وَالْإِعَادَةُ ابْتِدَاءٌ ثَانٍ فَهُوَ مُمْكِنٌ كَالِابْتِدَاءِ الْأَوَّلِ . إتحاف السادة المتقين وَإِذْ قَدْ عَلِمْتَ مَا تَقَدَّمَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا ثَبُتَتْ نُبُوَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبُتَتْ نُبُوَّةُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ; لِثُبُوتِ كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي مَقَالَتِهِ، وَنُبُوَّتُهُمْ مِنْ جُمْلَتِهِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ هُوَ الْمُرَادُ بِالسَّمْعِيَّاتِ فِي كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ، وَلِذَا أَعْقَبَ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ: * (الرُّكْنُ الرَّابِعُ فِي السَّمْعِيَّاتِ) * أَيْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى السَّمْعِ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ الَّتِي لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِثْبَاتِهَا (وَتَصْدِيقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ) مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ جُمْلًا وَتَفْصِيلًا; فَإِنْ كَانَ بِمَا يُعْلَمُ تَفْصِيلُهُ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُعْلَمْ تَفْصِيلُهُ وَجَبَ أَنْ نُؤْمِنَ بِهِ جُمْلَةً، وَنَكِلُ تَأْوِيلَهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ، وَمَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ: وَأَمَّا الْإِمَامَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعَقَائِدِ الْأَصْلِيَّةِ، بَلْ مِنَ الْمُتَمِّمَاتِ; لِأَنَّهَا مِنَ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ; إِذْ نَصْبُ الْإِمَامِ عِنْدَنَا وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ سَمْعًا، وَإِنَّمَا نُظِمَ فِي سِلْكِ الْعَقَائِدِ تَأَسِّيًا بِالْمُصَنِّفِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ تَمَّ فِي نَصْبِ الْإِمَامِ لَا يَتِمُّ فِي كُلِّ مَبْحَثِ الْإِمَامَةِ; فَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ اعْتِقَادِيٌّ، كَاعْتِقَادِ أَنَّ الْإِمَامَ الْحَقَّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ.. وَهَكَذَا، وَتَرْتِيبُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْفَضْلِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، هَكَذَا نُظِّمَتْ فِي سِلْكِ الْعَقَائِدِ، (و) هَذَا الرُّكْنُ أَيْضًا (مَدَارُهُ) أَيْضًا (عَلَى عَشَرَةِ أُصُولٍ) : * (الْأَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ) * هُوَ إِحْيَاءُ الْخَلْقِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَسَوْقُهُمْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ، ثُمَّ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، (وَقَدْ وَرَدَ بِهِمَا الشَّرْعُ) يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ..."، الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ..."، الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: "يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً..."، الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ طَرَائِقَ". وَلِابْنِ مَاجَةَ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: "أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ..."، الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ (وَهُوَ حَقٌّ) ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ هَذَا الدِّينِ (وَتَصْدِيقٌ) بِهِ (وَاجِبٌ) ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الشَّرَائِعِ فِي الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ، إِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهَا فِي الْفُرُوعِ، فَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي شَرِيعَتِنَا فِي أُصُولِ الْعَقَائِدِ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ مِلَّةٍ; (لِأَنَّهُ فِي الْعَقْلِ مُمْكِنٌ) أَشَارَ بِهِ إِلَى دَلِيلِ الْجَوَازِ وَالْإِمْكَانِ، أَمَّا الْجَوَازُ فَإِنَّهُ ضَرُورِيٌّ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ جَمِيعًا، وَأَمَّا الْإِمْكَانُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ قَطْعًا، وَلَا لِغَيْرِهِ; إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْغَيْرِ، وَمَنِ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ بِهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ مُمْكِنٌ، وَأَيْضًا الْمَعْدُومُ الْمُمْكِنُ قَابِلٌ لِلْوُجُودِ ضَرُورَةً، فَالْوُجُودُ الْأَوَّلُ حَاصِلٌ فِي الِابْتِدَاءِ، إِنْ أَفَادَهُ فَزِيَادَةُ اسْتِعْدَادٍ لِقَبُولِ الْوُجُودِ عَلَى مَا هُوَ شَأْنُ سَائِرِ الْقَوَابِلِ مِنْ تَحْصِيلِ مَلَكَةِ قَبُولِ الِاتِّصَافِ; لِأَجْلِ حُصُولِ الْمُنَاسَبَةِ بِالْفِعْلِ، فَقَدْ صَارَتْ قَابِلِيَّتُهُ لِلْوُجُودِ ثَانِيًا أَقْرَبَ، وَإِعَادَتُهُ عَلَى الْفَاعِلِ أَهْوَنَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَى هَذِهِ الْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْهُ زِيَادَةُ الِاسْتِعْدَادِ فَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا نَقْصٌ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ قَابِلِيَّةِ الْوُجُودِ بِالذَّاتِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ . (و) اخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي (مَعْنَاهُ) فَقِيلَ: هُوَ (الْإِعَادَةُ بَعْدَ الْإِفْنَاءِ) ، أَيْ: الْإِيجَادُ بَعْدَ الْإِعْدَامِ، وَقِيلَ: هُوَ الْجَمْعُ بَعْدَ تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ اتِّفَاقُ أَكْثَرِهِمْ، وَالْعُقَلَاءُ وَالْحُذَّاقُ مِنْ غَيْرِهِمْ، (وَذَلِكَ) سَوَاءً كَانَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي (مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَابْتِدَاءِ الْإِنْشَاءِ) أَيْ أَنَّ الْمُعَادَ مِثْلُ الْمُبْدَأِ، بَلْ هُوَ عَيْنُهُ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إِعَادَةِ الْمَعْدُومِ، وَيَسْتَحِيلُ كَوْنُ الشَّيْءِ مُمْكِنًا فِي وَقْتٍ، مُمْتَنِعًا فِي وَقْتٍ; لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْأَوْقَاتِ فِيمَا هُوَ بِالذَّاتِ . وَتَوَقَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، حَيْثُ قَالَ: يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ تُعْدَمَ الْجَوَاهِرُ ثُمَّ تُعَادُ، وَأَنْ تَبْقَى فَتَزُولُ أَعْرَاضُهَا الْمَعْهُودَةُ، ثُمَّ تُعَادُ هَيْئَتُهَا، وَلَمْ يَدُلْ قَاطِعٌ سَمْعِيٌّ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَصِيرَ أَجْسَامُ الْعِبَادِ عَلَى صِفَةِ أَجْزَاءِ التُّرَابِ، ثُمَّ يُعَادُ تَرْكِيبُهَا عَلَى مَا عُهِدَ، وَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يُعْدَمَ مِنْهَا شَيْءٌ ثُمَّ يُعَادُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي الْمُسَايَرَةِ مَعَ شَرْحِهِ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْجَوَاهِرَ الَّتِي مِنْهَا تَأْلِيفُ الْبَدَنِ تَنْعَدِمُ كُلُّهَا إِلَّا بَعْضًا مِنْهَا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ. وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ ظَنِّيَّةٌ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ، أَيِ الْغَزَالِيُّ، فِي الِاقْتِصَادِ، حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ: أَتُعْدَمُ الْجَوَاهِرُ وَالْأَعْرَاضُ ثُمَّ تُعَادَانِ جَمِيعًا، أَوْ تُعْدَمُ الْأَعْرَاضُ دُونَ الْجَوَاهِرِ وَإِنَّمَا تُعَادُ الْأَعْرَاضُ؟ قُلْنَا: كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِ هَذِهِ الْمُمْكِنَاتِ، يَعْنِي أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْوَارِدَةَ ظَنِّيَّةٌ. اهـ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْحَقُّ فِي الْمَسْأَلَةِ بِحَسَبِ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ وُقُوعُ الْكَيْفِيَّتَيْنِ، إِعَادَةُ مَا انْعَدَمَ بِعَيْنِهِ، وَتَأْلِيفُ مَا تَفَرَّقَ مِنَ الْأَجْزَاءِ إِلَّا الْوَجْهَ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ كَذَا بِعَيْنِهِ، أَوْ كَذَا لِلْحُكْمِ بِاسْتِحَالَةِ خِلَافِهِ; لِأَنَّ خِلَافَهُ مُمْكِنٌ لِشُمُولِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِكُلِّ الْمُمْكِنَاتِ، وَكُلٌّ مِنْهَا أَمْرٌ مُمْكِنٌ، أَمَّا إِمْكَانُ تَأْلِيفِ مَا تَفَرَّقَ فَظَاهَرٌ، كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا إِمْكَانُ إِعَادَةِ مَا انْعَدَمَ فَلِأَنَّ الْإِعَادَةَ إِحْدَاثٌ، كَالْإِبْدَاعِ الْأَوَّلِ، وَغَايَتُهُ طَرَيَانُ الْعَدَمِ عَلَى الْمُبْدِعِ أَوَّلًا، لَا تَغْيِيرُهُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ، وَقَدْ تَعَلَّقَتِ الْقُدْرَةُ بِإِيجَادِهِ مِنْ عَدَمِهِ الطَّارِئِ، وَمَعْنَى الْإِعَادَةِ الْمَوْجُودُ ثَانِيًا هُوَ الْمَوْجُودُ الْأَوَّلُ، بَلْ هُوَ بَعْدَهَا عَيْنُهُ، لَا مِثْلُهُ; لِأَنَّ وُجُودَ عَيْنِهِ أَوَّلًا إِنَّمَا كَانَ عَلَى وِفْقِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ، وَالْغَرَضُ أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ بَعْدَ طَرَيَانِ الْعَدَمِ عَلَيْهَا ثَابِتَةٌ فِي الْعِلْمِ، مُتَعَلِّقَةٌ فِي الْأَزَلِ بِإِيجَادِهَا لِوَقْتِ وُجُودِهَا. اهـ . وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْإِعَادَةِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَفَحْوَى الْخِطَابِ مِنْ نِسْبَةِ الْإِعَادَةِ بِالنَّشْأَةِ الْأُولَى; إِذْ مَا جَازَ عَلَى الشَّيْءِ جَازَ عَلَى مِثْلِهِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ، ( قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ، (فَاسْتَدَلَّ بِالِابْتِدَاءِ عَلَى الْإِعَادَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَسْتَدْعِي إِلَّا أَمْرَيْنِ، أَحَدَهُمَا: إِمْكَانُ الْمُعَادِ فِي نَفْسِهِ، وَإِمْكَانُ الْمُمْكِنَاتِ لِنَفْسِهَا، أَوْ لَازِمُ نَفْسِهَا، وَلَازِمُ النَّفْسِ لَا يُفَارِقُ، وَالْأَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَالثَّانِي: عُمُومُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ عُمُومُهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الدَّلَالَةِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَهِيَ مَعَ إِيجَازِهَا قَدْ دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ الْإِعَادَةِ، وَعَلَى الْجَوَابِ عَنْ شُبَهِ الْمُنْكِرِينَ، أَمَّا وَجْهُ الدَّلَالَةِ فَقَوْلُهُ: وَنَسِيَ خَلْقَهُ ، وَقَوْلِهِ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَأَمَّا شُبَهُ الْخُصُومِ فَمِنْهَا اسْتِبْعَادُهُمْ إِحْيَاءَهَا بَعْدَ اخْتِلَاطِهَا، وَوَرَدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ، وَمِنْ شُبَهِهِمْ أَيْضًا أَنَّهَا إِذَا صَارَتْ تُرَابًا فَقَدْ تَغَيَّرَ طَبْعُهَا عَنْ طَبْعِ الْحَيَاةِ إِلَى الضِّدِّ، فَقُطِعَ هَذَا الِاسْتِبْعَادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا . وَمِنْ شُبَهِهِمْ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ الْمَعَادَ الْجُسْمَانِيِّ بَاطِلٌ، لِامْتِنَاعِ عَدَمِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ وَرَدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ "، (وقال عَزَّ وَجَلَّ : " مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ " وَالْإِعَادَةُ ابْتِدَاءٌ ثَانٍ) أَيْ: إِيْجَادٌ مِنْ عَدَمٍ لَمْ يَسْبِقْهُ وُجُودٌ، (فَهُوَ مُمْكِنٌ كَابْتِدَاءِ الْأَوَّلِ) وَلَيْسَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ ابْتِدَاءً، وَكَذَلِكَ الْوُجُودُ الثَّانِى، وَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ لِذَلِكَ، وَلَا شُبْهَةُ فِى انْتِفَاءِ وُجُوبِهِ فَيَكُونُ مُمْكِنًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقَدْ شَهِدَتْ قَوَاطِعُ بِالْحَشْرِ، وَالنَّشْرِ، وَالِّانْبِعَاثِ لِلْحِسَابِ، وَالْعَرْضِ، وَالْعِقَابِ، وَالثَّوَابِ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ فِي نَحْوِ سِتِّمِائَةِ مَوْضِعٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية