الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَلَا يَأْتِيهَا فِي الْمَحِيضِ ، وَلَا بَعْدَ انْقِضَائِهِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ فَهُوَ ، مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْجُذَامَ فِي الْوَلَدِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِجَمِيعِ بَدَنِ الْحَائِضِ ، وَلَا يَأْتِيَهَا فِي غَيْرِ الْمَأْتَى إِذْ حُرِّمَ غَشِيَانُ الْحَائِضِ ; لِأَجْلِ الْأَذَى وَالْأَذَى غَيْرِ الْمَأْتَى دَائِمٌ فَهُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ إِتْيَانِ الْحَائِضِ . وَقَوْلُهُ ، تَعَالَى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أَيْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْتُمْ إتحاف السادة المتقين (وَلَا يَأْتِيهَا فِي الْحَيْضِ، وَلَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ، فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ) يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ أَيْ: مِنَ الْحَيْضِ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ، يَعْنِي: بِالْمَاءِ، فَقَوْلُهُ: حَتَّى يَتَطَهَّرْنَ، تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ، وَبَيَانٌ لِغَايَتِهِ، وَهُوَ: أَنْ يَغْسِلْنَ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا: قِرَاءَةُ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَعَاصِمٍ: يَطَّهَّرْنَ، أَيْ: يَتَطَهَّرْنَ، بِمَعْنَى يَغْتَسِلْنَ، وَالْتِزَامًا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ جَوَازِ الْإِتْيَانِ عَنِ الْغُسْلِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْحَنَفِيَّةُ: تُوطَأُ بِلَا غُسْلٍ بِتَصَرُّمٍ لِأَكْثَرِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: حَتَّى يَطْهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ، جَعَلَ الطُّهْرَ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ، وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ الْحَيْضَ مَزِيدٌ بِهِ عَلَى الْعَشْرَةِ، فَيُحْكَمْ بِطَهَارَتِهَا، انْقَطَعَ الدَّمُ أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَلِأَقَلِّهِ لَا، حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ صَلَاةٍ; لِأَنَّ الدَّمَ يُدِرُّ تَارَةً، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَلَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الِانْقِطَاعِ، إِلَّا إِذَا أَحْدَثَتْ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ، وَذَلِكَ بِالِاغْتِسَالِ; لِجَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِهِ، أَوْ يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ; لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهَا، وَهُمَا مِنْ أَحْكَامِهِنَّ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْآيَةِ; لِأَنَّهَا قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، وَهِيَ تَقْتَضِي انْقِطَاعَ الدَّمِ لَا غَيْرُ، فَيَكُونُ التَّشْدِيدُ مَحْمُولًا عَلَى مَا إِذَا انْقَطَعَ لَا لِأَقَلِّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَالتَّخْفِيفُ عَلَى مَا إِذَا انْقَطَعَ لِعِشْرَةٍ، تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْجُذَامَ فِي الْوَلَدِ) وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَيُقَالُ: إِنَّ مَنْ جَامَعَ فِي آخِرِ الْحَيْضِ، وَقَبْلَ طُهُورِ الْمَرْأَةِ، وَغُسْلِهَا مِنَ الْحَيْضِ، كَانَ بِوَلَدِهِ الْجُذَامُ. اهـ. وَهُوَ قَوْلُ الْحُكَمَاءِ، قَالُوا: وَطْءُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، يُولَدُ الْجُذَامُ فِي الْوَلَدِ، وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْحَيْضِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا يَعُودُ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الدَّمُ أَسْوَدَ، يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ، فَبِنِصْفِ دِينَارٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ. اهـ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: وَمَتَّى جَامَعَ فِي الْحَيْضِ مُتَعَمِّدًا، عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَقَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ، الْجَدِيدُ: لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ، إِنْ جَامَعَ فِي إِقْبَالِهِ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ، إِنْ جَامَعَ فِي إِدْبَارِهِ. وَالْقَوْلُ الْقَدِيمُ: تَلْزَمُهُ غَرَامَتُهُ، وَفِيهَا قَوْلَانِ: وَلِأَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَدَّمْنَا اسْتِحْبَابَهُ فِي الْجَدِيدِ، وَالثَّانِي: عِتْقُ رَقَبَةٍ بِكُلِّ حَالٍ، ثُمَّ الدِّينَارُ الْوَاجِبُ أَوِ الْمُسْتَحَبُّ: مِثْقَالُ الْإِسْلَامِ، مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ، يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى وَاحِدٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ: يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ، دُونَ الزَّوْجَةِ، وَفِي الْمُرَادِ بِإِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ وَجْهَانِ: وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّ إِقْبَالَهُ: أَوَّلُهُ وَشَدَّتُهُ، وَإِدْبَارَهُ: ضَعْفُهُ، وَقُرْبُهُ مِنَ الِانْقِطَاعِ، الْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ: إِقْبَالُهُ: مَا لَمْ يَنْقَطِعْ. وَإِدْبَارُهُ: إِذَا انْقَطَعَ وَلَمْ تَغْتَسِلْ. أَمَّا إِذَا وَطِئَهَا نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَطْعًا. وَقِيلَ: يَجِيءُ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُرْمُ . (وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِجَمِيعِ بَدَنِ الْحَائِضِ، وَلَا يَأْتِيَهَا فِي غَيْرِ الْمَأْتَى) مَفْعَلٌ مِنَ الْإِتْيَانِ، أَيْ: مَوْضِعُهُ، وَهُوَ الْقُبُلُ (إِذْ حُرِّمَ غَشِيَانُ الْحَائِضِ; لِأَجْلِ الْأَذَى) يُشِيرُ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ، أَيْ: مُسْتَقْذَرٌ، مُؤْذٍ، فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ، أَيِ: اجْتَنِبُوا مُجَامَعَتَهُنَّ إِذَا حَضَرَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَيِ: الْمَأْتَى الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ، وَحَلَّلَهُ لَكُمْ (وَالْأَذَى فِي غَيْرِ الْمَأْتَى) وَهُوَ الدُّبُرُ (دَائِمٌ) لَا يَنْقَطِعُ (فَهُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ إِتْيَانِ الْحَائِضِ، وَقَالَ تَعَالَى) : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ، أَيْ: مَوَاضِعُ حَرْثٍ لَكُمْ، شَبَّهَهُنَّ بِهَا تَشْبِيهًا لِمَا يُلْقَى فِي أَرْحَامِهِنَّ مِنَ الْبُذُورِ ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ) أَيْ: فَأْتُوهُنَّ كَمَا تَأْتُونَ الْمَحَارِثَ، وَهُوَ كَالْبَيَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ( أَنَّى شِئْتُمْ ) وَهُوَ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: مَعْنِيَّانِ مِنْهَا هُنَا تَكُونُ أَنَّى بِمَعْنَى كَيْفَ، أَيْ: كَيْفَ شِئْتُمْ، مُقْبِلَةً، أَوْ مُدْبِرَةً، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَرْثِ، رُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مَنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، كَانَ وَلَدُهَا أَحْوَلُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَزَلَتْ، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَتَكُونُ أَنَّى: بِمَعْنَى مَتَى، أَيْ: (أَيَّ وَقْتٍ شِئْتُمْ) أَيْ: أَرَدْتُمْ، مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ، وَهَذَانِ صَحِيحَانِ، وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ: تَكُونُ أَنَّى بِمَعْنَى: أَيْنَ، وَلَا يَصْلُحُ هَذَا الْوَجْهُ هُنَا، لِكَرَاهَةِ إِتْيَانِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية