الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّشْدِيدُ مُخَرَّجًا فِي الصَّحِيحَيْنِ فَقَدْ صَارَ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ الْكَشْفُ عَنْ أَسْرَارِ الزَّكَاةِ وَشُرُوطِهَا الْجَلِيَّةِ وَالْخَفِيَّةِ وَمَعَانِيهَا الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مَعْرِفَتِهِ مُؤَدِّي الزَّكَاةِ وَقَابَضَهَا ، وَيَنْكَشِفُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ فَصُولٍ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : في أَنْوَاعِ الزَّكَاةِ وَأَسْبَابِ وُجُوبِهَا . الثَّانِي آدَابِهَا وَشُرُوطِهَا الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ . الثَّالِثُ : فِي الْقَابِضِ وَشُرُوطِ اسْتِحْقَاقِهِ وآداب قبضه . الرَّابِعُ : في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَفَضْلِهَا . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي أَنْوَاعِ الزَّكَاةِ وَأَسْبَابِ وُجُوبِهَا . وَالزَّكَوَاتُ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقَاتِهَا سِتَّةُ أَنْوَاعٍ : زَكَاةُ النَّعَمِ وَالنَّقْدَيْنِ وَالتِّجَارَةِ، وَزَكَاةُ الرِّكَازِ وَالْمَعَادِنِ ، وَزَكَاةُ الْمُعَشَّرَاتِ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ . النَّوْعُ الْأَوَّلُ : زَكَاةُ النَّعَمِ . وَلَا تَجِبُ هَذِهِ الزَّكَاةُ وَغَيْرُهَا إِلَّا عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ . إتحاف السادة المتقين (وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّشْدِيدُ) وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي حَقِّ مَانِعِ الزَّكَاةِ (مُخَرَّجًا فِي الصَّحِيحَيْنِ) لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، أَيْ: اتَّفَقَا عَلَى إِخْرَاجٍ ذَلِكَ فِي كِتَابَيْهِمَا، وَإِلَى اتِّفَاقِهِمَا الْمُنْتَهَى (فَقَدْ صَارَ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ الْكَشْفُ عَنْ أَسْرَارِ الزَّكَاةِ وَشُرُوطِهَا الْجَلِيَّةِ) لِأَهْلِ ظَاهِرِ الشَّرْعِ، (وَالْخَفِيَّةِ) لِأَهْلٍ بَاطِنِ الشَّرْعِ، وَهُمْ أَهْلُ الِاعْتِبَارِ (وَمَعَانِيهَا الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا لَا) بُدَّ مِنْهُ مِمَّا لَا (يُسْتَغْنَى عَنْ مَعْرِفَتِهِ مُؤَدِّي الزَّكَاةِ) أَيْ: مُعْطِيهَا (وَقَابَضَهَا، وَيَنْكَشِفُ) بَيَانُ (ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ فَصُولٍ:) هِيَ لِلْكِتَابِ أَسَاسُ الْوُصُولِ (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ:) بَيَانُ (أَنْوَاعِ الزَّكَاةِ وَأَسْبَابِ وُجُوبِهَا) ، الْفَصْلُ (الثَّانِي فِي آدَابِهَا وَشُرُوطِهَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ) ، الْفَصْلُ (الثَّالِثُ: فِي الْقَابِضِ) لَهَا (وَشُرُوطِ اسْتِحْقَاقِهِ) لِقَبْضِهَا، الْفَصْلُ (الرَّابِعُ:) فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَفَضْلِهَا، وَلِنَذْكُرَ بَعْدَ كُلِّ فَصْلٍ مَا يَلِيقُ مِنَ الِاعْتِبَارَاتِ . (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ الزَّكَوَاتِ) هَكَذَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْإِفْرَادِ (وَأَسْبَابِ وُجُوبِهَا، وَالزَّكَاةُ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقَاتِهَا سِتَّةُ أَنْوَاعٍ: زَكَاةُ النَّعَمِ) وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ الْإِنْسِيَّةُ، (وَزَكَاةُ الْمُعْشَرَاتِ) ، وَهُوَ الْقُوتُ، وَهُوَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ، (وَزَكَاةُ النَّقْدَيْنِ) الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَوْ غَيْرُ مَضْرُوبٍ فَيَشْمَلُ التِّبْرَ، (وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةُ الرِّكَازِ وَالْمَعَادِنِ، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ) . وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَالِ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالزَّرْعُ وَالنَّخْلُ وَالْكَرْمُ؛ وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ مِنْ طَبَقَاتِ النَّاسِ، وَلَمَّا كَانَتِ النَّعَمُ أَكْثَرَ أَمْوَالِ الْعَرَبِ بَدَأَ بِهَا اقْتِدَاءً بِكِتَابِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: (النَّوْعُ الْأَوَّلُ: زَكَاةُ النَّعَمِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَحَكَى ابْنُ سِيدَهْ أَنَّ إِسْكَانَهَا لُغَةٌ، وَفِيهَا قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَاحِدُ الْأَنْعَامِ، يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِبِلِ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُحْكَمِ الثَّانِي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ، وَلَيْسَ الْأَنْعَامُ جَمْعًا لَهُ، فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ، وَحَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ. ثُمَّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا إِلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، فَقَالَ: (وَلَا تَجِبُ هَذِهِ الزَّكَاةُ وَغَيْرُهَا إِلَّا عَلَى) كُلِّ (حُرٍّ مُسْلِمٍ) ، أَمَّا الْإِسْلَامُ فَلِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَلَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطَالَبٍ بِإِخْرَاجِهَا فِي الْحَالِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ عَنِ الْمَاضِي، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ فِي الرِّدَّةِ فَطَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: تَجِبُ الزَّكَاةُ قَطْعًا كَالنَّفَقَاتِ وَالْغَرَامَاتِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ، يُبْنَى عَلَى الْأَقْوَالِ فِي مِلْكِهِ إِنْ قُلْنَا: يَزُولُ بِالرِّدَّةِ فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَزُولُ وَجَبَتْ، وَإِنْ قُلْنَا: مَوْقُوفٌ فَالزَّكَاةُ مَوْقُوفَةٌ أَيْضًا، وَإِذَا قُلْنَا: تَجِبُ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ فِي حَالِ الرِّدَّةِ أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَ عَنِ الْكَفَّارَاتِ . وَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُخْرِجُهَا مَا دَامَ مُرْتَدًّا، وَكَذَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ أَخْرَجَ الْوَاجِبَةَ فِي الرِّدَّةِ وَقَبِلَهَا، وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا بَقِيَتِ الْعُقُوبَةُ فِي الْآخِرَةِ . قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا خِلَافُ مَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا أَخْرَجَ فِي الرِّدَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ هَلْ يُعِيدُ الْإِخْرَاجَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنَ الْمُمْتَنِعِ، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَهِيَ الشَّرْطُ الثَّانِي، فَلَا تَجِبُ عَلَى رَقِيقٍ وَلَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَأُمَّ وَلَدٍ لِعَدَمِ مِلْكِهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ يَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ مِلْكًا ضَعِيفًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: وَلَا تُجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ؛ فَإِنْ عُتِقَ وَفِي يَدِهِ مَالٌ ابْتَدَأَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْقِنُّ فَلَا يَمْلِكُ بِغَيْرِ تَمْلِيكِ السَّيِّدِ قَطْعًا وَلَا بِتَمْلِيكِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ مَالًا زَكَوِّيًا، وَقُلْنَا: لَا يَمْلِكُ؛ فَالزَّكَاةُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإِذَا قُلْنَا: يَمْلِكُ فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْعَبْدِ قَطْعًا؛ لِضَعْفِ مِلْكِهِ، وَلَا عَلَى السَّيِّدِ عَلَى الْأَصَحِّ لِعَدَمِ مِلْكِهِ . وَالثَّانِي: تَجِبُ؛ لِأَنَّ تَصَرَّفَهُ يَنْفُذُ فِيهِ، وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ وَمَنْ بَعْضَهُ حُرٌّ يَلْزَمُهُ زَكَاةَ مَا مَلَّكَهُ بِحُرِّيَّتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ لِتَمَامِ مِلْكِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ، كَالْمُكَاتَبِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية