الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَإِنَّمَا زُجِرُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مُضِرٌّ بِأَكْثَرِ الْخَلْقِ فَإِنَّهُ إِذَا أُلْقِيَ إِلَيْهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ تَحْدُثُ عَقِيبَ سَيْرِ الْكَوَاكِبِ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّ الْكَوَاكِبَ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ وَأَنَّهَا الْآلِهَةُ الْمُدَبِّرَةُ لِأَنَّهَا جَوَاهِرُ شَرِيفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ وَيَعْظُمُ وَقْعُهَا فِي الْقُلُوبِ فَيَبْقَى الْقَلْبُ مُلْتَفِتًا إِلَيْهَا وَيَرَى الْخَيْرَ وَالشَّرَّ مَحْذُورًا أَوْ مَرْجُوًّا مِنْ جِهَتِهَا وَيَنْمَحِي ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَنِ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ الضَّعِيفَ يَقْصُرُ نَظَرُهُ عَلَى الْوَسَائِطِ وَالْعَالِمَ الرَّاسِخَ هُوَ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمِثَالُ نَظَرِ الضَّعِيفِ إِلَى حُصُولِ ضَوْءِ الشَّمْسِ عَقِيبَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِثَالُ النَّمْلَةِ لَوْ خُلِقَ لَهَا عَقْلٌ وَكَانَتْ عَلَى سَطْحٍ قِرْطَاسٍ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى سَوَادِ الْخَطِّ يَتَجَدَّدُ فَتَعْتَقِدُ أَنَّهُ فِعْلَ الْقَلَمِ وَلَا تَتَرَقَّى فِي نَظَرُهَا إِلَى مُشَاهَدَةَ الْأَصَابِعِ ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الْيَدِ ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الْإِرَادَةِ الْمُحَرِّكَةِ الْيَدَ ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الْكَاتِبِ الْقَادِرِ الْمُرِيدِ ثُمَّ مِنْهُ إِلَى خَالِقِ الْيَدِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ فَأَكْثَرُ نَظَرِ الْخَلْقِ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَسْبَابُ الْقَرِيبَةُ السَّافِلَةُ مَقْطُوعٌ مِنَ التَّرَقِّي إِلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ فَهَذَا أَحَدُ أَسْبَابِ النَّهْيِ عَنِ النُّجُومِ . وَثَانِيهَا أَنَّ أَحْكَامَ النُّجُومِ تَخْمِينٌ مَحْضٌ لَيْسَ يُدْرَكُ فِي حَقِّ آحَادِ الْأَشْخَاصِ لَا يَقِينًا وَلَا ظَنًّا فَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ يُجْهَلُ فَيَكُونُ ذَمُّهُ عَلَى هَذَا مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ جَهْلٌ لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عِلْمٌ إتحاف السادة المتقين (وَإِنَّمَا زُجِرُ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ تَعَلُّمِ عِلْمِ النُّجُومِ (مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُضِرٌّ بِأَكْثَرِ الْخَلْقِ) سِيَّمَا مَنْ لَمْ يُحَكِّمْ عَقِيدَتَهُ عَلَى سُنَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (فَإِنَّهُ إِذَا أَلْقَى إِلَيْهِمْ) فِي تَفْسِيرٍ مَا قَرَّرُوهُ (أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ) مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْحَرَكَاتِ (تَحْدُثُ) وَتَقَعُ (عَقِيبَ سَيْرِ الْكَوَاكِبِ) أَوْ عِنْدَ مُقَابَلَاتِهَا (وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ) فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ (أَنَّ الْكَوَاكِبَ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ) بِأَنْفُسِهَا لِتِلْكَ الْحَوَادِثِ (وَأَنَّهَا) أَيْ: تِلْكَ الْكَوَاكِبُ (الْآلِهَةُ الْمُؤَثِّرَةُ) فِي الْكَوْنِ كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنْ جُهَلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْفَلَاسِفَةِ (لِأَنَّهَا جَوَاهِرُ شَرِيفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ) فَلَا يَبْعُدُ الظَّنُّ عَنْ نِسْبَةِ التَّأْثِيرِ وَالتَّدْبِيرِ إِلَيْهَا (وَيَعْظُمُ وَقْعُهَا فِي الْقُلُوبِ) لِغَرَابَتِهَا وَيُحَسِّنُ لَهُ الشَّيْطَانُ وَيُزَيِّنُهُ فِي الْقُلُوبِ (فَيَبْقَى الْقَلْبُ مُلْتَفِتًا إِلَيْهَا) أَيْ إِلَى الْكَوَاكِبِ بِاسْتِمَالَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَتَمَكَّنُ ذَلِكَ فِي اعْتِقَادِهِ (وَيَرَى الشَّرَّ وَالْخَيْرَ مَحْذُورًا) أَيْ مَمْنُوعًا (وَمَرْجُوًّا مِنْ جِهَتِهَا و) وَحِينَئِذٍ (يَتَنَحَّى) أَيْ يَبْعُدُ (ذِكْرُهُ اللَّهَ تَعَالَى عَنِ الْقَلْبِ) فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا وِجْهَةٌ وَاحِدَةٌ (فَإِنَّ الضَّعِيفَ) الْإِيمَانِ وَالِاعْتِقَادِ (يَقْصُرُ نَظَرُهُ) لِقُصُورِهِ (عَلَى الْوَسَائِطِ) وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْهَا (وَالرَّاسِخَ) فِي الْعِلْمِ (هُوَ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلَى) أَسْرَارِ أَقْوَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَعْتَقِدُ (أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ تَعَالَى) أَيْ: جَارِيَةٌ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ وَيَتَدَرَّجُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إِلَى مَعْرِفَةِ سِرِّ التَّسْخِيرِ الَّذِي هُوَ الْقَهْرُ وَالْإِذْلَالُ وَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُؤَثِّرَةً أَوْ آلِهَةً مُدَبِّرَةً لَمْ تُقْهَرْ وَلَمْ تُسْخَرْ (وَمَثَلُ نَظَرِ الضَّعِيفِ إِلَى حُصُولِ ضَوْءِ الشَّمْسِ عَقِيبَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَثَلُ النَّمْلَةِ لَوْ خُلِقَ لَهَا عَقْلٌ) مَثَلًا إِذْ لَهَا إِدْرَاكٌ مَا (وَ) فُرِضَ أَنَّهَا (كَانَتْ فِي سَطْحٍ) أَيْ: مَوْضِعٍ مُسَطَّحٍ (فِي قِرْطَاسٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: كَانَتْ فِي ظَهْرِ قِرْطَاسٍ وَفِي أُخْرَى فِي سَطْحِ قِرْطَاسٍ (وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى سَوَادِ الْخَطِّ يَنْحَدِرُ) وَفِي نُسْخَةٍ: يَتَجَدَّدُ (فَتَعْتَقِدُ أَنَّهُ فِعْلَ الْقَلَمِ وَلَا يَتَرَقَّى نَظَرُهَا إِلَى مُشَاهَدَةَ الْأَصَابِعِ) الَّتِي تَمْلِكُ الْقَلَمَ (ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الْيَدِ) الَّتِي تَرَكَّبَتْ فِيهَا تِلْكَ الْأَصَابِعُ (ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الْإِرَادَةِ الْمُحَرِّكَةِ لِلْيَدِ) وَهِيَ الْقُوَّةُ الْمُرَكَّبَةُ مِنْ شَهْوَةٍ وَحَاجَةٍ وَأَمَلٍ وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ اللُّغَةِ (ثُمَّ مِنْهَا إِلَى الْكَاتِبِ الْقَادِرِ الْمُرِيدِ ثُمَّ مِنْهُ إِلَى خَالِقِ الْيَدِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ) فَهُوَ نَظَرٌ خَامِسٌ فِي التَّرَقِّي (فَأَكْثَرُ نَظَرِ الْخَلْقِ مَقْصُورٌ عَلَى) الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وَهِيَ (الْأَسْبَابُ الْقَرِيبَةُ السَّافِلَةُ مَقْطُوعٌ) مَقْصُورٌ (عَنْ) النَّظَرِ فِي (التَّرَقِّي إِلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ) جَلَّ وَعَزَّ بَادِئَ بَدْءٍ (وَهَذَا أَحَدُ أَسْبَابِ النَّهْيِ فِي) تَعَلُّمُ عِلْمِ (النُّجُومِ) وَفِي نُسْخَةٍ: عَنِ النُّجُومِ (وَثَانِيهَا أَنَّ أَحْكَامَ النُّجُومِ) غَالِبُهَا (تَخْمِينٌ مَحْضٌ) وَحَدْسٌ (لَيْسَ يُدْرَكُ فِي حَقِّ آحَادِ الْأَشْخَاصِ لَا يَقِينًا وَلَا ظَنًّا وَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ بِجَهْلٍ) لِأَنَّ أَكْثَرَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي قَرَّرُوهَا تَقْدِيرِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فَمَا تَفَرَّعَ مِنْهَا مِنَ الْأَحْكَامِ فِي الْحَوَادِثِ الْكَوْنِيَّةِ أَحْرَى أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ (فَيَكُونُ ذَمُّهُ) الْوَارِدُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ ( مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جَهْلٌ لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عِلْمٌ) هَذَا وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا كَمَا سَيَأْتِي وَفُسِّرَ بِكَوْنِهِ عِلْمًا مَذْمُومًا وَالْجَهْلُ خَيْرٌ مِنْهُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ مِنَ الْعُلُومِ مَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فَيَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ تَعَلُّمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي دِينِهِ فَيَصِيرُ عِلْمُهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ جَهْلًا بِمَا يَعْنِيهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية