الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 2586 بَابٌ مِنْهُ وَهُوَ فِي النَّوَوِيّ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ. حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيُّ ص 237 جـ 9 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا. وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ" ) ] السراج الوهاج (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. وَالْحَدِيثُ إِذَا رُوِيَ هَكَذَا، حُكِمَ بِرَفْعِهِ، عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ. لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ. وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: الْإِخْبَارُ بِمَا يَقَعُ مِنَ النَّاسِ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، مِنْ مُرَاعَاةِ الْأَغْنِيَاءِ فِي الْوَلَائِمِ وَنَحْوِهَا، وَتَخْصِيصِهِمْ بِالدَّعْوَةِ، وَإِيثَارِهِمْ بِطَيِّبِ الطَّعَامِ، وَرَفْعِ مَجَالِسِهِمْ وَتَقْدِيمِهِمْ، مِمَّا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْوَلَائِمِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) : "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ، وَتُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ" وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيْهِ الشَّبْعَانُ، وَيُحْبَسُ عَنْهُ الْجِيعَانُ". وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ: مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ. لِأَنَّ الْعِصْيَانَ، لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَالنَّوَوِيُّ: الِاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ لِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. نَعَمِ الْمَشْهُورُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ: الْوُجُوبُ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهَا " فَرْضُ عَيْنٍ". وَنَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ. وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهَا "مُسْتَحَبَّةٌ". وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: هِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَلَمْ يُحْكَ الْوُجُوبُ، إِلَّا عَنْ أَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. فَانْظُرْ، كَمِ التَّفَاوُتُ بَيْنَ مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَحِكِهِ إِلَّا عَنْ قَوْلٍ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ؟! قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَالظَّاهِرُ: الْوُجُوبُ. لِلْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ بِالْإِجَابَةِ، مِنْ غَيْرِ صَارِفٍ لَهَا عَنِ الْوُجُوبِ. وَلِجَعْلِ الَّذِي لَمْ يُجِبْ عَاصِيًا. وَهَذَا فِي وَلِيمَةِ النِّكَاحِ، فِي غَايَةِ الظُّهُورِ. وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْوَلَائِمِ; فَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ "الْوَلِيمَةِ" شَرْعًا، كَانَتِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةً. لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي حَمْلُ مُطْلَقِ الْوَلِيمَةِ، عَلَى الْوَلِيمَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالْعُرْسِ، كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ"، لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ غَيْرُ نَاتِجٍ لِلتَّقْيِيدِ، لِمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِلَفْظِ: "مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ، أَوْ نَحْوِهِ". وَأَيْضًا قَوْلُهُ: "وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ": يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ إِلَى غَيْرِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ. انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: تَجِبُ الْإِجَابَةُ إِلَى كُلِّ دَعْوَةٍ، مِنْ عُرْسٍ وَغَيْرِهِ. وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ السَّلَفِ. قَالَ: وَأَمَّا الْأَعْذَارُ، الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا وُجُوبُ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ أَوْ نَدْبُهَا; فَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ فِي الطَّعَامِ شُبْهَةٌ. أَوْ يُخَصَّ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ. أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ مَعَهُ، أَوْ لَا تَلِيقَ بِهِ مُجَالَسَتُهُ. أَوْ يَدْعُوهُ لِخَوْفٍ شَرِّهِ، أَوْ لِطَمَعٍ فِي جَاهِهِ، أَوْ لِيُعَاوِنَهُ عَلَى بَاطِلٍ. أَوْ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ; مِنْ خَمْرٍ، أَوْ لَهْوٍ، أَوْ فَرْشٍ حَرِيرٍ، أَوْ صُوَرِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَفْرُوشَةٍ، أَوْ آنِيَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. فَكُلُّ هَذِهِ أَعْذَارٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ. وَمِنَ الْأَعْذَارِ: أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى الدَّاعِي فَيَتْرُكَهُ. وَلَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ، لَمْ تَجِبْ إِجَابَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ كَانَتِ الدَّعْوَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَالْأَوَّلُ: تَجِبُ الْإِجَابَةُ فِيهِ. وَالثَّانِي: تُسْتَحَبُّ. وَالثَّالِثُ: تُكْرَهُ. انْتَهَى.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية