الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
صحيح مسلم 5129 (41) كِتَابُ الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ (1) بَابٌ إِقْبَالُ الْفِتَنِ وَنُزُولُهَا كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ وَمِنْ أَيْنَ تَجِيءُ [ 2777 ] عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ - زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ : الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا . قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ . رَوَاهُ أَحْمَدُ (7 \ 428) ، وَالْبُخَارِيُّ (3346) ، وَمُسْلِمٌ (2880) (2) ، وَالتِّرْمِذِيُّ (2187) ، وَابْنُ مَاجَهْ (3953) . المفهم (41) كِتَابُ الْفِتَنِ وَالْأَشْرَاطِ [ (1) بَابٌ إِقْبَالُ الْفِتَنِ وَنُزُولُهَا كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ ، وَمِنْ أَيْنَ تَجِيءُ ] (قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ ") هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالْفِتَنِ وَالْهَرْجِ الْوَاقِعِ فِي الْعَرَبِ ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ قَتْلُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْهُ بِالْقُرْبِ ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارَتِ الْعَرَبُ بَيْنَ الْأُمَمِ كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ الْأَكَلَةِ ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " أَوْشَكَ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَتَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا " . قَالَ ذَلِكَ مُخَاطِبًا لِلْعَرَبِ ، وَلَهُمْ خَاطِبٌ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : " إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ " . وَ (قَوْلُهُ : " فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ ") الرَّدْمُ : هُوَ السَّدُّ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَلَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَيُهْمَزَانِ وَلَا يُهْمَزَانِ لُغَتَانِ . وَقُرِئَ بِهِمَا ، فَمَنْ هَمَزَهُمَا جَعَلَهُمَا مِنْ أَجِيجِ النَّارِ ، وَهُوَ ضَوْءُهَا وَحَرَارَتُهَا ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ ، وَقِيلَ : مِنَ الْأُجَاجِ ، وَهُوَ الْمَاءُ الشَّدِيدُ الْمُلُوحَةِ ، وَقِيلَ : هُمَا اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ غَيْرُ مُشْتَقَّيْنِ . قَالَ مُقَاتِلٌ : هُمْ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - الضَّحَّاكُ : مِنَ التُّرْكِ . كَعْبٌ : احْتَلَمَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَاخْتَلَطَ مَاؤُهُ بِالتُّرَابِ فَأَسِفَ ، فَخُلِقُوا مِنْ ذَلِكَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَحْتَلِمُونَ . وَذَكَرَ الْغَزْنَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِعُيُونِ الْمَعَانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَأْجُوجُ أُمَّةٌ لَهَا أَرْبَعُمِائَةِ أَمِيرٍ ، وَكَذَلِكَ مَأْجُوجٌ ، لَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ فَارِسٍ مِنْ وَلَدِهِ . صَنْفٌ مِنْهُمْ كَالْأُرْزِ طُولُهُمْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا ، وَصِنْفٌ يَفْتَرِشُ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالْأُخْرَى ، لَا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلَا خِنْزِيرٍ إِلَّا أَكَلُوهُ ، وَيَأْكُلُونَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ . مُقَدِّمَتُهُمْ بِالشَّامِ وَسَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ ، يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ ، وَبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ ، فَيَمْنَعُهُمُ اللَّهُ مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ " . وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَصِنْفٌ مِنْهُمْ فِي طُولِ شِبْرٍ ، لَهُمْ مَخَالِبُ وَأَنْيَابُ السِّبَاعِ ، وَتَدَاعِي الْحَمَامِ ، وَتَسَافُدُ الْبَهَائِمِ ، وَعُوَاءُ الذِّئْبِ ، وَشُعُورٌ تَقِيهِمُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ ، وَآذَانٌ عِظَامٌ ، إِحْدَاهَا وَبَرَةٌ يَشْتُونَ فِيهَا ، وَالْأُخْرَى جِلْدَةٌ يَصِيفُونَ فِيهَا ، يَحْفِرُونَ السَّدَّ حَتَّى كَادُوا يَنْقُبُونَهُ ، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ ، حَتَّى يَقُولُوا : نَنْقُبُهُ غَدًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَيَنْقُبُونَ وَيَخْرُجُونَ ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ بِالْحُصُونِ ، فَيَرْمُونَ إِلَى السَّمَاءِ ، فَيُرَدُّ إِلَيْهِمُ السَّهْمُ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ ، ثُمَّ يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ بِالنَّغْفِ فِي رِقَابِهِمْ ، يَعْنِي : الدُّودَ . قُلْتُ : وَسَيَأْتِي مِنْ أَخْبَارِهِمُ الصَّحِيحَةِ مَا يَشْهَدُ بِالصِّحَّةِ لِأَكْثَرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ . وَ (قَوْلُهُ : " مِثْلُ هَذِهِ - وَحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ : الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا - ") هَذَا إِخْبَارٌ وَتَفْسِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّتِي شَاهَدَتْ إِشَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ إِنَّ الرُّوَاةَ بَعْدَهُمْ عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِاصْطِلَاحِ الْحِسَابِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشْرَةً ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَعَقَدَ وُهَيْبٌ بِيَدِهِ تِسْعِينَ ، وَهَذَا تَقْرِيبٌ فِي الْعِبَارَةِ . وَالْحَاصِلُ : أَنَّ الَّذِي فَتَحُوا مِنَ السَّدِّ قَلِيلٌ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُلْهِمْهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقُولُوا : غَدًا نَفْتَحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِذَا قَالُوهَا خَرَجُوا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَ (قَوْلُهُ : أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ") رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ اسْمٌ لِلزِّنَى . قَالَ الْقَاضِي : الْعَرَبُ تُسَمِّي الزِّنَى خَبَثًا وَخَبِيثَةً ، وَمِنْهُ فِي الْمُخْدَجِ : أَنَّهُ وُجِدَ مَعَ أُمَّةٍ يُخْبَثُ بِهَا ، أَيْ : يَزْنِي بِهَا ، وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ [ النُّورِ : 26 ] وَقِيلَ : هُوَ الْفُسُوقُ وَالْفُجُورُ ، وَيُرْوَى : الْخَبْثُ ، بِسُكُونِ الْبَاءِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ ، يُقَالُ : خَبُثَ الرَّجُلُ خَبْثًا ، فَهُوَ خَبِيثٌ ، وَأَخْبَثَهُ غَيْرُهُ : عَلَّمَهُ الْخَبَثَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَهْلَكَ قَوْمًا مَهْلَكًا وَاحِدًا بَعَثَهُمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية