الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 1512 ص: فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ فِي دَهْرِهِ كُلِّهِ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي قِتَالِ عَدُوِّهِمْ فِي كُلِّ وِلَايَةِ عُمَرَ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَوْ فِي أَكْثَرِهَا، فَلَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ لِذَلِكَ، وَهَذَا أَبُو الدَّرْدَاءِ يُنْكِرُ الْقُنُوتَ، ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ لَا يَفْعَلُهُ، وَقَدْ كَانَ مُحَارِبًا حِينَئِذٍ لِأَنَّا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ أَمَّ النَّاسَ إِلَّا فِي وَقْتِ مَا كَانَ الْأَمْرُ صَارَ إِلَيْهِ. فَقَدْ خَالَفَ هَؤُلَاءِ عُمَرَ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ 5 وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْقُنُوتِ فِي حَالِ الْمُحَارِبَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ زَوَالِ الْقُنُوتِ فِي حَالِ عَدَمِ الْمُحَارَبَةِ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَجَبَ كَشْفُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ لِنَسْتَخْرِجَ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ مَعْنًى صَحِيحًا، فَكَانَ مَا قَدْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَنَتُوا فِيهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ لِذَلِكَ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ خَلَا مَا رَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ" فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَغْرِبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، وَلَمْ نَعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَنَتَ فِي ظُهْرٍ وَلَا عَصْرٍ فِي حَالِ حَرْبٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَاتَانِ الصَّلَاتَانِ لَا قُنُوتَ فِيهِمَا فِي حَالِ الْحَرْبِ وَلَا فِي حَالِ عَدَمِ الْحَرْبِ، وَكَانَ الْفَجْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ لَا قُنُوتَ فِيهِنَّ فِي حَالِ عَدَمِ الْحَرْبِ; ثَبَتَ أَنْ لَا قُنُوتَ فِيهِنَّ فِي حَالِ الْحَرْبِ أَيْضًا، وَقَدْ رَأَيْنَا الْوِتْرَ فِيهَا الْقُنُوتُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فِي سَائِرِ الدَّهْرِ، وَعِنْدَ خَاصٍّ مِنْهُمْ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، فَكَانُوا جَمِيعًا إِنَّمَا يَقْنُتُونَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ خَاصَّةً لَا لِحَرْبٍ وَلَا لِغَيْرِهِ. فَلَمَّا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ الْقُنُوتُ فِيمَا سِوَاهَا يَجِبُ لِعِلَّةِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً، لَا لِعِلَّةِ غَيْرِهَا، انْتَفَى أَنْ تَكُونَ تَجِبُ لِمَعْنَى سِوَى ذَلِكَ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ فِي حَالِ حَرْبٍ وَلَا غَيْرِهِ، قِيَاسًا وَنَظَرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. شرح معاني الآثار ش: مُلَخَّصٌ هَذَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمْ يَكُونُوا يَقْنُتُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. أَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ أَصْلًا فِي جَمِيعِ دَهْرِهِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي قِتَالِ عَدُوِّهِمْ فِي كُلِّ وِلَايَاتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ فِي أَكْثَرِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْبِلَادِ فُتِحَتْ فِي أَيَّامِهِ كَالشَّامِ وَمِصْرَ وَأَكْثَرِ الْعِرَاقِ، وَلَمْ تَزَلْ عَسَاكِرُهُ تَجُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَوْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى الْقُنُوتَ فِي أَيَّامِ الْحَرْبِ لَكَانَ قَنَتَ، فَحَيْثُ تَرَكَ أَصْلًا، دَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ مَرْفُوعٌ. وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ حَتَّى رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ: "أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ". وَأَمَّا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَإِنَّهُ أَنْكَرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ كَانَ مُحَارِبًا; لِأَنَّهُ لَمْ يَؤُمَّ النَّاسَ إِلَّا حِينَ صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ حِينَ ادَّعَى الْخِلَافَةَ فِي مَكَّةَ، وَبُويِعَ لَهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ بِمَكَّةَ، وَاسْتَبَدَّ بِأَمْرِهَا، ثُمَّ انْتَشَرَتْ بَيْعَتُهُ فِي الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَبَعْضِ بِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَقُتِلَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى أَوِ الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَعَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّ مَقْتَلَهُ كَانَ عَلَى رَأْسِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعَيْنِ، وَكَانَ سِنُّهُ يَوْمَ قُتِلَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً. فَهَؤُلَاءِ قَدْ خَالَفُوا عُمَرَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْقُنُوتِ فِي حَالِ الْمُحَارَبَةِ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ كُلِّهِمْ عَلَى زَوَالِ حُكْمِهِ فِي حَالِ عَدَمِ الْمُحَارَبَةِ، فَإِذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي حَالِ الْمُحَارِبَةِ; وَجَبَ كَشْفُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: "قَنَتُوا فِيهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ لِذَلِكَ" أَيْ لِأَجْلِ الْحَرْبِ. قَوْلُهُ: "الصُّبْحَ" بِالنَّصْبِ; لِأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ فِي قَوْلِهِ: "فَكَانَ مَا قَدْ رَوَيْنَا". قَوْلُهُ: "وَالْمَغْرِبَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: "فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَيْضًا ... إِلَى آخِرِهِ"; لِأَنَّ لَفْظَ الْعِشَاءِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ الَّتِي تُسَمَّى الْعِشَاءَ الْأُولَى، وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ الَّتِي تُسَمَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَإِذَا كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. قَوْلُهُ: "وَلَمْ نَعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَنَتَ فِي ظُهْرٍ وَلَا عَصْرٍ" فِيهِ نَظَرٌ; لِأَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ قَدْ أَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ: "أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهِنَّ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقْنُتُ أَيْضًا كَذَلِكَ يَدْعُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ". وَرَوَى السَّرَّاجُ فِي "مُسْنَدِهِ": ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثَنَا ثَابِتٌ، ثَنَا هِلَالٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "قَنَتَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ، فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ". وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي "الْمُحَلَّى" : ثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ، نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَابُلِيُّ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً إِلَّا قَنَتَ فِيهَا". قَوْلُهُ: "وَقَدْ رَأَيْنَا الْوِتْرَ فِيهَا الْقُنُوتُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ" وَأَرَادَ بِهِمْ: إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ ، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، وَأَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ، وَالثَّوْرِيَّ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقَ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ يَرَوْنَ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : ثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكَتْ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَا نَعْرِفُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ، فَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَاخْتَارَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ. انْتَهَى. قُلْتُ: أَبُو الْحَوْرَاءِ -بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ- اسْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" : ثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنَا مَنْصُورٌ ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: "أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَنَتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ". ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ". ثَنَا حَفْصٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ [عَبْدَ اللَّهِ] - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ". ثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: "كَانَ يَقُولُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ ... ". ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ". ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ: "أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ". وَقَالَ السَّرَّاجُ فِي "مُسْنَدِهِ": ثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ صَالِحٍ، ثَنَا زُبَيْدٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: "أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ، فَقَالَ: ثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ". وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي "صَحِيحِهِ" ، وَلَكِنْ قَالَ: هَذَا وَهْمٌ إِنَّمَا هُوَ الْفَجْرُ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَنَتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ فِطْرٍ عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُوتِرُ بِثَلَاثٍ: بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، فِي الْأَخِيرَةِ يَقُولُ: رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ". ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: "بِتُّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَنْظُرَ كَيْفَ يَقْنُتُ فِي وِتْرِهِ؟ فَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ بَعَثَتْ أُمِّي أَمَّ عَبْدٍ، فَقُلْتُ: بِيتِي مَعَ نِسَائِهِ فَانْظُرِي كَيْفَ يَقْنُتُ فِي وِتْرِهِ؟ فَأَتَتْنِي فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّهُ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ". ثُمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَبَانُ مَتْرُوكٌ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" : عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ أَبَانَ ... إِلَى آخِرِهِ، نَحْوَهُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَّامٍ، ثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ شَمِرٍ ، عَنْ سَلَّامٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَقُولُونَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي آخِرِ الْوِتْرِ وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ". وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ : ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، ثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ". قُلْتُ: هَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَسَيَجِيءُ مَزِيدُ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: "وَعِنْدَ خَاصٍّ مِنْهُمْ" أَيْ وَعِنْدَ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: الْقُنُوتُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، وَأَرَادَ بِهِمُ: الشَّافِعِيَّ ، وَمَالِكًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَأَحْمَدَ فِي وَجْهٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ". وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ . وَفِي "الرَّوْضَةِ" لِلنَّوَوِيِّ: وَلَنَا وَجْهٌ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَوَجْهٌ أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَالصَّحِيحُ اخْتِصَاصِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-. وَفِي "الْجَوَاهِرِ" لِلْمَالِكِيَّةِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَفِي "الْحَاوِي" فِي فِقْهِ أَحْمَدَ: وَأَقَلُّهُ أَيْ أَقَلُّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَإِنْ سَرَدَ عَشْرًا وَجَلَسَ ثُمَّ أَوْتَرَ بِالْأَخِيرَةِ وَتَحَيَّا وَسَلَّمَ صَحَّ مَعَ تَرْكِ السُّنَّةِ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ بِتَسْلِيمَتَيْنِ أَوْ سَرْدًا بِسَلَامٍ كَالْمَغْرِبِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ "سَبِّحْ"، وَفِي الثَّانِيَةِ "الْكَافِرُونَ"، وَفِي الثَّالِثَةِ "الْإِخْلَاصُ" يَقْنُتُ فِيهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَيَجُوزُ قَبْلَهُ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ ... إِلَى آخِرِهِ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية