الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مسند الشافعي 1170 [ 1381 ] أَبَنَا الرَّبِيعُ، أَبَنَا الشَّافِعِيُّ، أَبَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُخْبِرُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ جَاءَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ: إِنَّ لِي سِرِّيَّةً أَصَبْتُهَا، وَإِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ لَهَا ابْنَةٌ جَارِيَةٌ لِي أَفَأَسْتَسِرُّ ابْنَتَهَا؟ فَقَالَتْ: لَا. قَالَ: فَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُهَا إِلَّا أَنْ [تَقُولِي] لِي: حَرَّمَهَا اللَّهُ. فَقَالَتْ: لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِي وَلَا أَحَدٌ أَطَاعَنِي . شرح مسند الشافعي الشَّرْحُ مُعَاذُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ: هُوَ التَّمِيمِيُّ الْقُرَشِيُّ، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ. سَمِعَ: عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ. وَرَوَى عَنْهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَغَيْرُهُ . وَقَوْلُهُ: "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُثْمَانَ" كَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ نِيَارٌ الْأَسْلَمِيُّ; فَقَدْ رَوَى اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِمَّا مَلَكَتِ الْيَمِينُ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّ نِيَارًا الْأَسْلَمِيَّ سَأَلَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْأُخْتَيْنِ مِمَّا مَلَكَتِ الْيَمِينُ فَقَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهَا آيَةٌ ... . وَقَوْلُهُ: "هَلْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا" أَيْ: فِي الْوَطْءِ، أَمَّا جَمْعُهُمَا فِي الْمِلْكِ فَلَا مَنْعَ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: "أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ" [أَرَادَ] قَوْلَهُ تَعَالَى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ، وَقَوْلُهُ: "وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ" أَرَادَ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ . وَذُكِرَ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُتَوَقِّفًا فِي الْمَسْأَلَةِ لِتَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: "وَأَمَّا أَنَا فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَصْنَعَ هَذَا" مَعَ التَّوَقُّفِ سُلُوكٌ لِسَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ، وَأَغْلَبُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا بِتَحْرِيمِهِ، وَرَأَوْا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ أَخَصُّ فِي هَذَا الْحُكْمِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَسُوقٌ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقَوْلَهُ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مَذْكُورٌ فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَى الْمُحَافِظِينَ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِحِفْظِ فُرُوجِهِمْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْمِيمُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ يُوجِبُ الْوَحْشَةَ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، فَكَانَ كَالْجَمْعِ فِي النِّكَاحِ. وَإِلَى التَّحْرِيمِ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَبَالَغَ فِيهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : لَوْ كَانَ لِي مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... إِلَى آخِرِهِ وَيُرْوَى عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ لَهُ أَمَتَانِ أُخْتَانِ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَطَأَ الْأُخْرَى فَقَالَ: لَا، حَتَّى يُخْرِجَ الْأُولَى عَنْ مِلْكِهِ . عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا يُشْعِرُ بِالتَّوَقُّفِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَنْ حَنَشٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ جَارِيَتَانِ أُخْتَانِ فَيَطَأُ إِحْدَيْهِمَا، أَيَطَأُ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَأَنَا أَنْهَى نَفْسِي عَنْهَا وَوَلَدِي. وَاحْتُجَّ بِالْأَثَرِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ إِبْدَاءُ التَّوَقُّفِ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ التَّرْجِيحُ، وَعَلَى هَذَا تُنْزِلُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ هِيَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ تَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ أَوْ فِيهَا قَوْلَانِ. وَكَمَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ فِي الْوَطْءِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ يَحْرُمُ الْجَمْعُ فِي الْوَطْءِ بَيْنَ الْأَمَةِ وَابْنَتِهَا الْمَمْلُوكَتَيْنِ، وَإِذَا وَطِئَ إِحْدَيْهِمَا حَرُمَتِ الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيدِ. وَقَوْلَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَا أُحِبُّ أَنْ أُخْبِرَهُمَا" أَيْ: أُخْبِرَهُمَا بِالْوَطْءِ، فَقَالَ : يُقَالُ: خَبَرَهُ يُخْبِرُهُ خُبْرًا وَخُبْرَةً إِذَا بَلَاهُ وَاخْتَبَرَهُ. هَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدَةُ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ "أَنْ أُجِيزَهُمَا" كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ أُجَوِّزَ وَطْأَهَا، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ "أَنْ يُجِيزَهُمَا" أَيِ: الرَّجُلُ الْمَسْئُولُ لَهُ عَنِ الْجَمْعِ. وَوَدَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَشَدَّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَمُبَالَغَتُهُ فِيهِ أَتَمُّ، وَنُسِبَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْهَامِهِ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يُوَافِقُ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقَوْلُهُ: "أَفَأَسْتَسِرُّ" يُرِيدُ بِهِ: التَّسَرِّيَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَصْلَ تَسَرَّى: تَسَرَّرَ مِنَ السُّرُورِ، فَأَبْدَلُوا مِنْ إِحْدَى الرَّاءَاتِ يَاءً كَمَا قَالُوا فِي تَقَضَّضَ وَتَقَضَّى، وَرَأَيْتُ لِبَعْضِهِمْ: "أَفَأَسْتَسْرِي" كَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يُقَالَ بَدَلُ تَسَرَّى: اسْتَسْرَى. الْأَصْلُ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية