الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الجامع الصغير للسيوطي 2036 - (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ) (حم) (ق) (د) هـ عَنْ أَنَسٍ (ق) (د) عَنْ صَفِيَّةَ. (صح) فيض القدير (إِنَّ الشَّيْطَانَ) أَيْ كَيْدَهُ (يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ) أَيْ فِيهِ (مَجْرَى الدَّمِ) فِي الْعُرُوقِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا إِمَّا مَصْدَرٌ أَيْ يَجْرِي مِثْلَ جَرَيَانِ الدَّمِ فِي أَنَّهُ لَا يُحِسُّ بِجَرْيِهِ كَالدَّمِ فِي الْأَعْضَاءِ وَوَجْهُ الشَّبَهِ شِدَّةُ الِاتِّصَالِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْوَسْوَسَةِ أَوْ ظَرْفٌ لِيَجْرِيَ وَمِنَ الْإِنْسَانِ حَالٌ مِنْهُ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الدَّمِ كَائِنًا مِنَ الْإِنْسَانِ أَوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِنَ الْإِنْسَانِ أَيْ يَجْرِي فِي الْإِنْسَانِ حَيْثُ يَجْرِي فِيهِ الدَّمُ انْتَهَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: عَدَّى يَجْرِي بِمِنْ عَلَى تَضَمُّنِهِ مَعْنَى التَّمَكُّنِ أَيْ يَتَمَكَنَّ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي جَرَيَانِهِ فِي عُرُوقِهِ مَجْرَى الدَّمِ وَقَوْلُهُ مَجْرَى الدَّمِ يَجُوزُ كَوْنُهُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا وَكَوْنُهُ اسْمَ مَكَانٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ تَشْبِيهٌ شَبَّهَ كَيْدَ الشَّيْطَانِ وَجَرَيَانَ وَسْوَسَتِهِ فِي الْإِنْسَانِ بِجَرَيَانِ دَمِهِ وَعُرُوقِهِ وَجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِغْوَائِهِ وَإِضْلَالِهِ تَمَكُّنًا تَامًّا وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ أَجْسَامًا لَطِيفَةً تَسْرِي فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ بِهِ سَرَيَانَ الدَّمِ فِيهِ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ مَخْلُوقَةٌ مِنْ نَارِ السَّمُومِ وَالْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ وَحَمَأٍ مَسْنُونٍ وَالصَّلْصَالُ فِيهِ نَارِيَّةٌ وَبِهِ يَتَمَكَّنُ مِنَ الْجَرْيِ فِي أَعْضَائِهِ بِدَلِيلِ خَبَرِ الْبُخَارِيِّ مُعَلَّقًا الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ. وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مَجَازًا يَعْنِي أَنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ وَوَسْوَسَتَهُ تَجْرِي فِي الْإِنْسَانِ حَيْثُ يَجْرِي مِنْهُ الدَّمُ مِنْ عُرُوقِهِ وَالشَّيْطَانُ إِنَّمَا يَسْتَحْوِذُ عَلَى النُّفُوسِ وَيَنْفُثُ وَسَاوِسَهُ فِي قُلُوبِ الْأَخْيَارِ بِوَاسِطَةِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَمَرْكَبُهَا الدَّمُ وَمَنْشَأُ قُوَاهَا مِنْهُ فَعِلَاجُهُ سَدُّ الْمَجَارِي بِالْجُوعِ وَالصَّوْمِ لِأَنَّهُ يَقْمَعُ الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ الَّتِي هِيَ أَسْلِحَةُ الشَّيْطَانِ وَقَالَ ابْنُ الْكَمَالِ: هَذَا تَمْثِيلٌ وَتَصْوِيرٌ أَرَادَ تَقْرِيرَ أَنَّ لِلشَّيْطَانِ قُوَّةَ التَّأْثِيرِ فِي السَّرَائِرِ فَإِنْ كَانَ مُتَفَرِّدًا مُنْكَرًا فِي الظَّاهِرِ فَإِلَيْهِ رَغْبَةٌ رُوحَانِيَّةٌ فِي الْبَاطِنِ بِتَحْرِيكِهِ تَنْبَعِثُ الْقُوَى الشَّهْوَانِيَّةُ فِي الْمُوَاطِنِ قَالَ أَعْنِي ابْنَ الْكَمَالِ وَمَنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِحُسْنِ هَذَا التَّمْثِيلِ ضَلَّ فِي رَدِّ ذَلِكَ الْمَقَالِ وَأَضَلَّ حَيْثُ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ كَالدَّلَالَةِ عَلَى بُطْلَانِ مَا يُقَالُ إِنَّهُ يَدْخُلُ فِي بَدَنِ الْآدَمِيِّ وَيُخَالِطُهُ لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لَكَانَ مَا يَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْمُبَالَغَةِ أَحَقَّ أَمَا إِنَّهُ ضَلَّ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مَأْخُوذٌ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ مَصْبُوبٌ فِي قَالَبِ التَّمْثِيلِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ بَيَانُ أَنَّ الشَّيْطَانَ مَنْفُورٌ مَحْذُورٌ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ مَطْبُوعٌ مَتْبُوعٌ فِي الْبَاطِنِ وَالْغَرَضُ مِنَ التَّمْثِيلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ بَيَانُ كَمَالِ اهْتِمَامِهِ فِي أَمْرِ الْإِغْوَاءِ وَتَصْوِيرُ قُوَّةِ اسْتِيلَائِهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ وَكُلٌّ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ عَلَى أَبْلَغِ نِظَامٍ وَأَحْسَنِ وَجْهٍ مِنَ الِانْطِبَاعِ عَلَى مُقْتَضَى التَّمَامِ وَأَمَّا أَنَّهُ أَضَلَّ فَلِأَنَّ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ ذَلِكَ الْإِمَامُ الْهُمَامُ نَقَلَهُ عَنْهُ نَقْلَ قَبُولٍ حَيْثُ قَالَ قَالَ الْقَاضِي هَذَا الْقَوْلَ مِنْ إِبْلِيسَ كَالدَّلَالَةِ عَلَى بُطْلَانٍ عَلَى مَا يُقَالُ إِنَّهُ يَدْخُلُ فِي بَدَنِ الْآدَمِيِّ اهـ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي نَفْيِ التُّهْمَةِ وَاجِبٌ وُجُوبَ إِنْفَاءِ التُّهْمَةِ الذُّنُوبِ فِي مَوَاقِعِهَا وَوُجُودِ الشَّيَاطِينِ وَهُمْ مَرَدَةُ الْجِنِّ وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بِهِ وَإِنَّمَا خَالَفَ فِيهِ الْفَلَاسِفَةُ الضَّالُّونَ وَمَنِ اقْتَفَى فِيهِ أَثَرَهُمْ كَالْمُعْتَزِلَةِ (حم) (ق) (د) هـ عَنْ أَنَسِ) بْنِ مَالِكٍ (ق) (د) عَنْ صَفِيَّةَ) بِنْتِ حُيَيِّ النَّضْرِيَّةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهَذَا قَالَهُ وَقَدِ انْطَلَقَ مَعَهَا فَمَرَّ بِهِ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَدَعَاهُمَا فَقَالَ إِنَّهَا صَفِيَّةُ قَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ فَذَكَرَهُ قَالَ الْغَزَّالِيُّ : فَانْظُرْ كَيْفَ أَشْفَقَ عَلَى دِينِهِمَا فَحَرَسَهُمَا وَكَيْفَ أَشْفَقَ عَلَى أُمَّتِهِ فَعَلَّمَهُمْ طَرِيقَ التَّحَرُّزِ مِنَ التُّهَمِ حَتَّى لَا يَتَسَاهَلَ الْعَالِمُ الْوَرِعُ الْمَعْرُوفُ بِالدِّينِ فِي أَحْوَالِهِ فَيَقُولُ مِثْلِي لَا يُظَنُّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا إِعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ أَوْرَعَ النَّاسِ وَأَتْقَاهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ لَا يَنْظُرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَيْهِ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ بَلْ بِعَيْنِ الرِّضَى بَعْضُهُمْ وَبِعَيْنِ السُّخْطِ بَعْضُهُمْ فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْ تُهْمَةِ الْأَشْرَارِ.

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية