الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      [ ص: 98 ] كتاب الصيام سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن صوم يوم الغيم هل هو واجب أم لا ؟ وهل هو يوم شك منهي عنه أم لا ؟

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      فأجاب فصل وأما صوم يوم الغيم إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر فللعلماء فيه عدة أقوال وهي في مذهب أحمد وغيره .

                                                                                      أحدها : أن صومه منهي عنه . ثم هل هو نهي تحريم ؟ أو تنزيه ؟ على قولين وهذا هو المشهور في مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه . واختار ذلك طائفة من أصحابه : كأبي الخطاب [ ص: 99 ] وابن عقيل وأبي القاسم بن منده الأصفهاني وغيرهم .

                                                                                      والقول الثاني : أن صيامه واجب كاختيار القاضي والخرقي وغيرهما من أصحاب أحمد وهذا يقال إنه أشهر الروايات عن أحمد لكن الثابت عن أحمد لمن عرف نصوصه وألفاظه أنه كان يستحب صيام يوم الغيم اتباعا لعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس بل كان يفعله احتياطا وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطا ونقل ذلك عن عمر وعلي ومعاوية وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وأسماء وغيرهم .

                                                                                      ومنهم من كان لا يصومه مثل كثير من الصحابة ومنهم من كان ينهى عنه . كعمار بن ياسر وغيره فأحمد رضي الله عنه كان يصومه احتياطا .

                                                                                      وأما إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد ولا كلام أحد من أصحابه ; لكن كثير من أصحابه اعتقدوا أن مذهبه إيجاب صومه ونصروا ذلك القول .

                                                                                      والقول الثالث : أنه يجوز صومه ويجوز فطره وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه وهو [ ص: 100 ] مذهب كثير من الصحابة والتابعين أو أكثرهم . وهذا كما أن الإمساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز . فإن شاء أمسك وإن شاء أكل حتى يتيقن طلوع الفجر وكذلك إذا شك هل أحدث ؟ أم لا ؟ إن شاء توضأ وإن شاء لم يتوضأ . وكذلك إذا شك هل حال حول الزكاة ؟ أو لم يحل ؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة ؟ أو مائة وعشرون ؟ فأدى الزيادة .

                                                                                      وأصول الشريعة كلها مستقرة على أن الاحتياط ليس بواجب ولا محرم ثم إذا صامه بنية مطلقة أو بنية معلقة بأن ينوي إن كان من شهر رمضان كان عن رمضان وإلا فلا . فإن ذلك يجزيه في مذهب أبي حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه وهي التي نقلها المروذي وغيره وهذا اختيار الخرقي في شرحه للمختصر واختيار أبي البركات وغيرهما .

                                                                                      والقول الثاني : أنه لا يجزئه إلا بنية أنه من رمضان كإحدى الروايتين عن أحمد اختارها القاضي وجماعة من أصحابه .



                                                                                      وأصل هذه المسألة أن تعيين النية لشهر رمضان : هل هو واجب ؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد .

                                                                                      [ ص: 101 ] أحدها : أنه لا يجزئه إلا أن ينوي رمضان فإن صام بنية مطلقة أو معلقة أو بنية النفل أو النذر لم يجزئه ذلك كالمشهور من مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايات .

                                                                                      والثاني : يجزئه مطلقا كمذهب أبي حنيفة .

                                                                                      والثالث : أنه يجزئه بنية مطلقة لا بنية تعيين غير رمضان وهذه الرواية الثالثة عن أحمد وهي اختيار الخرقي وأبي البركات .

                                                                                      وتحقيق هذه المسألة : أن النية تتبع العلم فإن علم أن غدا من رمضان فلا بد من التعيين في هذه الصورة . فإن نوى نفلا أو صوما مطلقا لم يجزئه ; لأن الله أمره أن يقصد أداء الواجب عليه وهو شهر رمضان الذي علم وجوبه فإذا لم يفعل الواجب لم تبرأ ذمته .

                                                                                      وأما إذا كان لا يعلم أن غدا من شهر رمضان فهنا لا يجب عليه التعيين ومن أوجب التعيين مع عدم العلم فقد أوجب الجمع بين الضدين .

                                                                                      فإذا قيل إنه يجوز صومه وصام في هذه الصورة بنية مطلقة أو معلقة أجزأه . وأما إذا قصد صوم ذلك تطوعا ثم تبين أنه كان [ ص: 102 ] من شهر رمضان فالأشبه أنه يجزئه أيضا كمن كان لرجل عنده وديعة ولم يعلم ذلك فأعطاه ذلك على طريق التبرع ثم تبين أنه حقه فإنه لا يحتاج إلى إعطائه ثانيا بل يقول ذلك الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي والله يعلم حقائق الأمور . والرواية التي تروى عن أحمد أن الناس فيه تبع للإمام في نيته على أن الصوم والفطر بحسب ما يعلمه الناس كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون } .



                                                                                      وقال رحمه الله فصل مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها : فيها اضطراب فإنه قد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر .

                                                                                      قلت : أحمد اعتمد في الباب على حديث { الأعرابي الذي شهد أنه أهل الهلال البارحة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس على هذه الرؤية } مع أنها كانت في غير البلد وما يمكن أن تكون فوق مسافة القصر ولم يستفصله وهذا الاستدلال لا ينافي ما ذكره ابن عبد البر ; لكن ما حد ذلك ؟ [ ص: 104 ] والذين قالوا : لا تكون رؤية لجميعها كأكثر أصحاب الشافعي منهم من حدد ذلك بمسافة القصر ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع : كالحجاز مع الشام والعراق مع خراسان وكلاهما ضعيف ; فإن مسافة القصر لا تعلق لها بالهلال . وأما الأقاليم فما حدد ذلك ؟ ثم هذان خطأ من وجهين : أحدهما : أن الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب فإنه متى رئي في المشرق وجب أن يرى في المغرب ولا ينعكس ; لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب عن وقت غروبها بالمشرق فإذا كان قد رئي ازداد بالمغرب نورا وبعدا عن الشمس وشعاعها وقت غروبها فيكون أحق بالرؤية وليس كذلك إذا رئي بالمغرب لأنه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم فازداد بعدا وضوءا ولما غربت بالمشرق كان قريبا منها .

                                                                                      ثم إنه لما رئي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق فهذا أمر محسوس في غروب الشمس والهلال وسائر الكواكب ولذلك إذا دخل وقت المغرب بالمغرب دخل بالمشرق ولا ينعكس وكذلك الطلوع إذا طلعت بالمغرب طلعت بالمشرق ولا ينعكس فطلوع الكواكب وغروبها بالمشرق سابق .

                                                                                      [ ص: 105 ] وأما الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق ; لأنه يطلع من المغرب وليس في السماء ما يطلع من المغرب غيره وسبب ظهوره بعده عن الشمس فكلما تأخر غروبها ازداد بعده عنها فمن اعتبر بعد المساكن مطلقا فلم يتمسك بأصل شرعي ولا حسي .

                                                                                      وأيضا فإن هلال الحج : ما زال المسلمون يتمسكون فيه برؤية الحجاج القادمين وإن كان فوق مسافة القصر .

                                                                                      الوجه الثاني : أنه إذا اعتبرنا حدا : كمسافة القصر أو الأقاليم فكان رجل في آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئا من ذلك وهذا ليس من دين المسلمين .

                                                                                      فالصواب في هذا - والله أعلم ما دل عليه قوله : { صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون } فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم .

                                                                                      وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب فعليهم إمساك ما بقي سواء كان من إقليم أو إقليمين .

                                                                                      [ ص: 106 ] والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد فأما إذا بلغتهم الرؤية بعد غروب الشمس فالمستقبل يجب صومه بكل حال لكن اليوم الماضي : هل يجب قضاؤه ؟ فإنه قد يبلغهم في أثناء الشهر أنه رئي بإقليم آخر ولم ير قريبا منهم الأشبه أنه إن رئي بمكان قريب وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول فهو كما لو رئي في بلدهم ولم يبلغهم .



                                                                                      وأما إذا رئي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلا بعد مضي الأول فلا قضاء عليهم لأن صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه ولا يمكن أن يصوموا إلا اليوم الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه فلم يكن يوم صومهم وكذلك في الفطر والنسك لكن هؤلاء هل يفطرون إذا ثبت عندهم في أثناء الشهر أنه رئي بناء على تلك الرؤية ؟ لكن إن بلغتهم بخبر واحد لم يفطروا ; لأنه قد ثبت عندهم في أثنائه ما يفطرون به ولا يقضون اليوم الأول فيكون صومهم تسعة وعشرين كما يقوله من يقول بالمطالع إذا صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم فإنه يفطر معهم ولا يقضي اليوم الأول .

                                                                                      وإن تأخرت رؤيتهم فهنا اختلفت نقول أصحابنا إن قالوا يفطر [ ص: 107 ] وحده فهو كما لو رآه عندهم لم يفطر وحده عندنا على المشهور وإن صام معهم فقد صام إحدى وثلاثين يوما .

                                                                                      والأشبه أن هذه المسألة يخرج فيها لأصحابنا قولان كالمنفرد برؤيته في الفطر لأن انفراد الرجل بالفطر هو المحذور في الموضعين ورؤية أهل بلد دون غيرهم كرؤيته ورؤية طائفة معه دون غيرهم . وأما هلال الفطر فإذا ثبتت رؤيته في اليوم عملوا بذلك وإن كان بعد ذلك لم يكن فيه فائدة - بل العيد هو اليوم الذي عيده الناس - ولكن نقل التاريخ .

                                                                                      فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله { صوموا لرؤيته } فمن بلغه أنه رئي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلا وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر في أن طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلا بعد شهر فلا فائدة فيه بخلاف الأماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر فإنها محل الاعتبار . فتدبر هذه المسائل الأربعة : وجوب الصوم والإمساك ووجوب القضاء ووجوب بناء العيد على تلك الرؤية ورؤية البعيد والبلاغ في وقت بعد انقضاء العبادة .

                                                                                      ولهذا قالوا : إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة [ ص: 108 ] أجزأهم اعتبارا بالبلوغ وإذا أخطأه طائفة منهم لم يجزئهم لإمكان البلوغ فالبلوغ هو المعتبر سواء كان علم به للبعد أو للقلة وهذا الذي ذكرته هو الذي ذكره أصحابنا إلا وجوب القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر .

                                                                                      والحجة فيه أنا نعلم بيقين أنه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض أمصار المسلمين بعد بعض فإن هذا من الأمور المعتادة التي لا تبديل لها ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات ومثل هذا لو كان لنقل ولما لم ينقل دل على أنه لا أصل له وحديث ابن عباس يدل على هذا .

                                                                                      وقد أجاب أصحابنا بأنه إنما لم يفطر لأنه لم يثبت عنده إلا بقول واحد فلا يفطر به ولا يقال أصحابنا كذلك أيضا لم ينقل أنهم كانوا إذا بلغهم الهلال في أثناء الشهر بنوا فطرهم عليه .

                                                                                      قلنا لأن ذاك أمر لا تتعلق الهمم بالبحث عنه لأن فيه ترك [ ص: 109 ] صوم يوم فإن ثبت عندهم وإلا فالاحتياط الصوم ; لأن ذاك الخبر قد يكون ضعيفا مع أن هذه المسألة فيها نظر .

                                                                                      ولو قيل : إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلا على رؤيتهم بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه بل الرؤية القليلة لو لم تبلغ الإنسان إلا في أثناء الشهر ففي وجوب قضاء ذلك اليوم نظر وإن كان يفطر بها ; لأن قوله : { صومكم يوم تصومون } دليل على أن ذلك لم يكن يوم صومنا ولأن التكليف يتبع العلم ولا علم ولا دليل ظاهر فلا وجوب وطرد هذا أن الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا ولا قضاء عليهم كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة .

                                                                                      فقد قيل : يمسك ويقضي . وقيل : لا يجب واحد منهما . وقيل : يجب الإمساك دون القضاء .




                                                                                      الخدمات العلمية