الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                        وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . (75-77) يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْوَفَاءِ وَالْخِيَانَةِ فِي الْأَمْوَالِ، لَمَّا ذَكَرَ خِيَانَتَهُمْ فِي الدِّينِ وَمَكْرَهُمْ وَكَتْمَهُمُ الْحَقَّ، فَأَخْبَرَ أَنَّ مِنْهُمُ الْخَائِنَ وَالْأَمِينَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ ( مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ ) وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ ( يُؤَدِّهِ ) وَهُوَ عَلَى أَدَاءِ مَا دُونَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَمِنْهُمْ ( مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) وَهُوَ عَلَى عَدَمِ أَدَاءِ مَا فَوْقَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَالَّذِي أَوْجَبَ لَهُمُ الْخِيَانَةَ وَعَدَمَ الْوَفَاءِ إِلَيْكُمْ بِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ ( لَيْسَ ) عَلَيْهِمْ ( فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِثْمٌ فِي عَدَمِ أَدَاءِ أَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ بِزَعْمِهِمُ الْفَاسِدِ وَرَأْيِهِمُ الْكَاسِدِ قَدِ احْتَقَرُوهُمْ غَايَةَ الِاحْتِقَارِ، وَرَأَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ، وَهُمُ الْأَذِلَّاءُ الْأَحْقَرُونَ، فَلَمْ يَجْعَلُوا لِلْأُمِّيِّينَ حُرْمَةً، وَأَجَازُوا ذَلِكَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ أَكْلِ الْحَرَامِ وَاعْتِقَادِ حِلِّهِ، وَكَانَ هَذَا كَذِبًا عَلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ الَّذِي يُحَلِّلُ الْأَشْيَاءَ الْمُحَرَّمَةَ قَدْ كَانَ عِنْدَ النَّاسِ مَعْلُومٌ أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ لَيْسَ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْكَذِبُ، فَلِهَذَا قَالَ: ( وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وَهَذَا أَعْظَمُ إِثْمًا مِنَ الْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ زَعْمَهُمُ الْفَاسِدَ. فَقَالَ: ( بَلَى ) أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الْأُمِّيِّينَ حَرَجٌ، بَلْ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ الْحَرَجِ وَأَشَدُّ الْإِثْمِ. ( مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى ) وَالْعَهْدُ يَشْمَلُ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَهُوَ جَمِيعُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ حَقِّهِ، وَيَشْمَلُ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، وَالتَّقْوَى تَكُونُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، تَرْجِعُ إِلَى اتِّقَاءِ الْمَعَاصِي الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الْأُمِّيِّينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، فَمَنْ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، فَلَمْ يُوفِ بِعَهْدِهِ وَلَمْ يَتَّقِ اللَّهَ، فَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ، بَلْ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ اللَّهُ، وَإِذَا كَانَ الْأُمِّيُّونَ قَدْ عُرِفُوا بِوَفَاءِ الْعُهُودِ وَبِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَمِ التَّجَرُّؤِ عَلَى الْأَمْوَالِ الْمُحْتَرَمَةِ، كَانُوا هُمُ الْمَحْبُوبِينَ لِلَّهِ، الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهُمُ الْجَنَّةُ، وَكَانُوا أَفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ وَأَجَلَّهُمْ، بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي قَوْلِهِ: ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ) وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا فِي مُقَابَلَةِ مَا تَرَكَهُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ عِبَادِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مَعْصُومٍ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَهَؤُلَاءِ ( لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) أَيْ: لَا نَصِيبَ لَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ ( وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ وَسَخَطًا، لِتَقْدِيمِهِمْ هَوَى أَنْفُسِهِمْ عَلَى رِضَا رَبِّهِمْ ( وَلَا يُزَكِّيهِمْ ) أَيْ: يُطَهِّرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَا يُزِيلُ عُيُوبَهُمْ ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أَيْ: مُوجِعٌ لِلْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ، وَهُوَ عَذَابُ السُّخْطِ وَالْحِجَابِ، وَعَذَابُ جَهَنَّمَ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . (78) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ، أَيْ: يُمِيلُونَهُ وَيُحَرِّفُونَهُ عَنِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَهَذَا يَشْمَلُ اللَّيَّ وَالتَّحْرِيفَ لِأَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكِتَابِ حِفْظُ أَلْفَاظِهِ وَعَدَمُ تَغْيِيرِهَا، وَفَهْمُ الْمُرَادِ مِنْهَا وَإِفْهَامُهُ، وَهَؤُلَاءِ عَكَسُوا الْقَضِيَّةَ وَأَفْهَمُوا غَيْرَ الْمُرَادِ مِنَ الْكِتَابِ، إِمَّا تَعْرِيضًا وَإِمَّا تَصْرِيحًا، فَالتَّعْرِيضُ فِي قَوْلِهِ: ( لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ ) أَيْ: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ وَيُوهِمُونَكُمْ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ، وَالتَّصْرِيحُ فِي قَوْلِهِمْ: ( وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وَهَذَا أَعْظَمُ جُرْمًا مِمَّنْ يَقُولُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ نَفْيِ الْمَعْنَى الْحَقِّ وَإِثْبَاتِ الْمَعْنَى الْبَاطِلِ، وَتَنْزِيلِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْحَقِّ عَلَى الْمَعْنَى الْفَاسِدِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ. مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . (79-80) وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ رَدًّا لِمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ نَعْبُدَكَ مَعَ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ ) أَيْ: يَمْتَنِعُ وَيَسْتَحِيلُ عَلَى بَشَرٍ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِإِنْزَالِ الْكِتَابِ وَتَعْلِيمِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ وَإِرْسَالِهِ لِلْخَلْقِ ( ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ) فَهَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ صُدُورُهُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، لِأَنَّ هَذَا أَقْبَحُ الْأَوَامِرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَأَوَامِرُهُمْ تَكُونُ مُنَاسِبَةً لِأَحْوَالِهِمْ، فَلَا يَأْمُرُونَ إِلَّا بِمَعَالِي الْأُمُورِ وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ نَهْيًا عَنِ الْأُمُورِ الْقَبِيحَةِ، فَلِهَذَا قَالَ: ( وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) أَيْ: وَلَكِنْ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، أَيْ: عُلَمَاءَ حُكَمَاءَ حُلَمَاءَ مُعَلِّمِينَ لِلنَّاسِ وَمُرَبِّيهِمْ، بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، عَامِلِينَ بِذَلِكَ، فَهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالتَّعْلِيمِ الَّتِي هِيَ مَدَارُ السَّعَادَةِ، وَبِفَوَاتِ شَيْءٍ مِنْهَا يَحْصُلُ النَّقْصُ وَالْخَلَلُ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: ( بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ ) إِلَخْ، بَاءُ السَّبَبِيَّةِ، أَيْ: بِسَبَبِ تَعْلِيمِكُمْ لِغَيْرِكُمُ الْمُتَضَمِّنِ لِعِلْمِكُمْ وَدَرْسِكُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، الَّتِي بِدَرْسِهَا يُرَسَّخُ الْعِلْمُ وَيَبْقَى، تَكُونُونَ رَبَّانِيِّينَ. ( وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ) وَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أَيْ: لَا يَأْمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ نَفْسِهِ وَلَا بِعِبَادَةِ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ ( أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) هَذَا مَا لَا يَكُونُ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْ أَحَدٍ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، فَمَنْ قَدَحَ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَدِ ارْتَكَبَ إِثْمًا عَظِيمًا وَكُفْرًا وَخِيمًا. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . (81-82) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ وَعَهْدَهُمُ الْمُؤَكَّدَ بِسَبَبِ مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ، وَالْحِكْمَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، إِنَّهُ إِنْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيُصَدِّقُوهُ وَيَأْخُذُوا ذَلِكَ عَلَى أُمَمِهِمْ، فَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُمْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ مَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْإِيمَانُ، فَهُمْ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَعَلَى هَذَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ خَاتَمُهُمْ، فَكُلُّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ أَدْرَكُوهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ بِهِ وَاتِّبَاعُهُ وَنُصْرَتُهُ، وَكَانَ هُوَ إِمَامَهُمْ وَمُقَدَّمَهُمْ وَمَتْبُوعَهُمْ، فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدُهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَرَّرَهُمْ تَعَالَى ( قَالُوا أَقْرَرْنَا ) أَيْ: قَبِلْنَا مَا أَمَرْتَنَا بِهِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ ( قَالَ ) اللَّهُ لَهُمْ: ( فَاشْهَدُوا ) عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى أُمَمِكُمْ بِذَلِكَ، قَالَ: ( وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ ) الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ الْمُؤَكَّدِ بِالشَّهَادَةِ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رُسُلِهِ ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَقَدْ تَوَلَّوْا عَنْ هَذَا الْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ، وَاسْتَحَقُّوا الْفِسْقَ الْمُوجِبَ لِلْخُلُودِ فِي النَّارِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ . (83) أَيْ: أَيَطْلُبُ الطَّالِبُونَ وَيَرْغَبُ الرَّاغِبُونَ فِي غَيْرِ دِينِ اللَّهِ؟ لَا يَحْسُنُ هَذَا وَلَا يَلِيقُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَحْسَنَ دِينًا مِنْ دِينِ اللَّهِ ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) أَيِ: الْخَلْقُ كُلُّهُمْ مُنْقَادُونَ بِتَسْخِيرِهِ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُسْلِمُونَ الْمُنْقَادُونَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ، وَكَرْهًا وَهُمْ سَائِرُ الْخَلْقِ، حَتَّى الْكَافِرُونَ مُسْتَسْلِمُونَ لِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ لَا خُرُوجَ لَهُمْ عَنْهُ، وَلَا امْتِنَاعَ لَهُمْ مِنْهُ، وَإِلَيْهِ مَرْجِعُ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا، فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وَيُجَازِيهِمْ بِحُكْمِهِ الدَّائِرِ بَيْنَ الْفَضْلِ وَالْعَدْلِ. قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . (84) تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ . (85) أَيْ: مَنْ يَدِينُ لِلَّهِ بِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ الْمُتَضَمِّنُ لِلِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ، إِخْلَاصًا وَانْقِيَادًا لِرُسُلِهِ فَمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ الْعَبْدُ لَمْ يَأْتِ بِسَبَبِ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَالْفَوْزِ بِثَوَابِهِ، وَكُلُّ دِينٍ سِوَاهُ فَبَاطِلٌ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ . (86-88) هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِبْعَادِ، أَيْ: مِنَ الْأَمْرِ الْبَعِيدِ أَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ قَوْمًا اخْتَارُوا الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ بَعْدَمَا آمَنُوا وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَاتِ ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) فَهَؤُلَاءِ ظَلَمُوا وَتَرَكُوا الْحَقَّ بَعْدَمَا عَرَفُوهُ، وَاتَّبَعُوا الْبَاطِلَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِبُطْلَانِهِ ظُلْمًا وَبَغْيًا وَاتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُوَفَّقُونَ لِلْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُرْجَى أَنْ يَهْتَدِيَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ وَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى الْتِمَاسِهِ، فَهَذَا بِالْحَرِيِّ أَنْ يُيَسِّرَ اللَّهُ لَهُ أَسْبَابَ الْهِدَايَةِ وَيَصُونَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْغَوَايَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ عُقُوبَةِ هَؤُلَاءِ الْمُعَانِدِينَ الظَّالِمِينَ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، فَقَالَ: ( أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ) أَيْ: لَا يَفْتُرُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ سَاعَةً وَلَا لَحْظَةً، لَا بِإِزَالَتِهِ أَوْ إِزَالَةِ بَعْضِ شِدَّتِهِ، ( وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ) أَيْ: يُمْهَلُونَ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْإِمْهَالِ قَدْ مَضَى، وَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَعَمَّرَهُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَوُجِدَ، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . (90-91) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، ثُمَّ ازْدَادَ كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِ بِتَمَادِيهِ فِي الْغَيِّ وَالضَّلَالِ، وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَى تَرْكِ الرُّشْدِ وَالْهُدَى، أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ، أَيْ: لَا يُوَفَّقُونَ لِتَوْبَةٍ تُقْبَلُ بَلْ يَمُدُّهُمُ اللَّهُ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، قَالَ تَعَالَى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ فَالسَّيِّئَاتُ يُنْتِجُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَخُصُوصًا لِمَنْ أَقْدَمَ عَلَى الْكُفْرِ الْعَظِيمِ وَتَرْكِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَوَضَّحَ اللَّهُ لَهُ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينَ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي سَعَى فِي قَطْعِ أَسْبَابِ رَحْمَةِ رَبِّهِ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي سَدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ التَّوْبَةِ، وَلِهَذَا حَصَرَ الضَّلَالَ فِي هَذَا الصِّنْفِ، فَقَالَ: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) وَأَيُّ ضَلَالٍ أَعْظَمُ مِنْ ضَلَالِ مَنْ تَرَكَ الطَّرِيقَ عَنْ بَصِيرَةٍ، وَهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ إِذَا اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى الْمَمَاتِ تَعَيَّنَ هَلَاكُهُمْ وَشَقَاؤُهُمُ الْأَبَدِيُّ، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ شَيْءٌ، فَلَوْ أَنْفَقَ أَحَدُهُمْ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لِيَفْتَدِيَ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا نَفَعَهُ ذَلِكَ، بَلْ لَا يَزَالُونَ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، لَا شَافِعَ لَهُمْ وَلَا نَاصِرَ وَلَا مُغِيثَ وَلَا مُجِيرَ يُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَأَيِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَجَزَمُوا عَلَى الْخُلُودِ الدَّائِمِ فِي الْعِقَابِ وَالسَّخَطِ، فَعِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ حَالِهِمْ. لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ . (92) هَذَا حَثٌّ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي طُرُقِ الْخَيْرَاتِ، فَقَالَ: ( لَنْ تَنَالُوا ) أَيْ: تُدْرِكُوا وَتَبْلُغُوا الْبِرَّ الَّذِي هُوَ كُلُّ خَيْرٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَثُوبَاتِ الْمُوَصِّلِ لِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، ( حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) أَيْ: مِنْ أَمْوَالِكُمُ النَّفِيسَةِ الَّتِي تُحِبُّهَا نُفُوسُكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قَدَّمْتُمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلَى مَحَبَّةِ الْأَمْوَالِ فَبَذَلْتُمُوهَا فِي مَرْضَاتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِيمَانِكُمُ الصَّادِقِ وَبِرِّ قُلُوبِكُمْ وَيَقِينِ تَقْوَاكُمْ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ إِنْفَاقُ نَفَائِسِ الْأَمْوَالِ، وَالْإِنْفَاقُ فِي حَالِ حَاجَةِ الْمُنْفِقِ إِلَى مَا أَنْفَقَهُ، وَالْإِنْفَاقُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَدَلَّتِ الْآيَةُ أَنَّ الْعَبْدَ بِحَسْبِ إِنْفَاقِهِ لِلْمَحْبُوبَاتِ يَكُونُ بِرُّهُ، وَأَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ بِرِّهِ بِحَسْبِ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مُثَابًا عَلَيْهِ الْعَبْدُ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، مَحْبُوبًا لِلنَّفْسِ أَمْ لَا وَكَانَ قَوْلُهُ: ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) مِمَّا يُوهِمُ أَنَّ إِنْفَاقَ غَيْرِ هَذَا الْمُقَيَّدِ غَيْرُ نَافِعٍ احْتَرَزَ تَعَالَى عَنْ هَذَا الْوَهْمِ بِقَوْلِهِ: ( وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْكُمْ، بَلْ يُثِيبُكُمْ عَلَيْهِ عَلَى حَسْبِ نِيَّاتِكُمْ وَنَفْعِهِ.

                                                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية