الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . (64) أَيْ: قُلْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ( تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) أَيْ: هَلُمُّوا نَجْتَمِعْ عَلَيْهَا وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، وَلَمْ يُخَالِفْهَا إِلَّا الْمُعَانِدُونَ وَالضَّالُّونَ، لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِأَحَدِنَا دُونَ الْآخَرِ، بَلْ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَهَذَا مِنَ الْعَدْلِ فِي الْمَقَالِ وَالْإِنْصَافِ فِي الْجِدَالِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ ( أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ) فَنُفْرِدُ اللَّهَ بِالْعِبَادَةِ وَنَخُصُّهُ بِالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَلَا نُشْرِكُ بِهِ نَبِيًّا وَلَا مَلَكًا وَلَا وَلِيًّا وَلَا صَنَمًا وَلَا وَثَنًا وَلَا حَيَوَانًا وَلَا جَمَادًا ( وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) بَلْ تَكُونُ الطَّاعَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ وَلِرُسُلِهِ، فَلَا نُطِيعُ الْمَخْلُوقِينَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَعْلٌ لِلْمَخْلُوقِينَ فِي مَنْزِلَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَإِذَا دُعِيَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَوْ غَيْرُهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَجَابُوا كَانُوا مِثْلَكُمْ، لَهُمْ مَا لَكَمَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَهُمْ مُعَانِدُونَ مُتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ فَأَشْهِدُوهُمْ أَنَّكُمْ مُسْلِمُونَ، وَلَعَلَّ الْفَائِدَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ لَهُمْ ذَلِكَ وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، كَمَا اسْتَشْهَدَ تَعَالَى بِأَهْلِ الْعِلْمِ حُجَّةً عَلَى الْمُعَانِدِينَ، وَأَيْضًا فَإِنَّكُمْ إِذَا أَسْلَمْتُمْ أَنْتُمْ وَآمَنْتُمْ فَلَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِعَدَمِ إِسْلَامِ غَيْرِكُمْ لِعَدَمِ زَكَائِهِمْ وَلِخُبْثِ طَوِيَّتِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا الْآيَةَ... وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي وُرُودَ الشُّبُهَاتِ عَلَى الْعَقِيدَةِ الْإِيمَانِيَّةِ مِمَّا يُوجِبُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُجَدِّدَ إِيمَانَهُ وَيُعْلِنَ بِإِسْلَامِهِ، إِخْبَارًا بِيَقِينِهِ وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ . (65-68) لَمَّا ادَّعَى الْيَهُودُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، وَالنَّصَارَى أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ، وَجَادَلُوا عَلَى ذَلِكَ، رَدَّ تَعَالَى مُحَاجَّتَهُمْ وَمُجَادَلَتَهُمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ جِدَالَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ جِدَالٌ فِي أَمْرٍ لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، فَلَا يُمْكِنُ لَهُمْ وَلَا يُسْمَحُ لَهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا وَيُجَادِلُوا فِي أَمْرٍ هُمْ أَجَانِبُ عَنْهُ وَهُمْ جَادَلُوا فِي أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ سَوَاءٌ أَخْطَئُوا أَمْ أَصَابُوا فَلَيْسَ مَعَهُمُ الْمُحَاجَّةُ فِي شَأْنِ إِبْرَاهِيمَ، الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَالنَّصَارَى يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَحْكَامِ الْإِنْجِيلِ، وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ مَا أُنْزِلَا إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِبْرَاهِيمَ، فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِبْرَاهِيمَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ قَبْلَهُمْ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمْ، فَهَلْ هَذَا يُعْقَلُ؟! فَلِهَذَا قَالَ: ( أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) أَيْ: فَلَوْ عَقَلْتُمْ مَا تَقُولُونَ لَمْ تَقُولُوا ذَلِكَ، الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَرَّأَ خَلِيلَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَهُ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَجَعَلَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَهَذَا النَّبِيُّ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ، فَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّهُمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ، وَأَمَّا مَنْ نَبَذَ مِلَّتَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ، فَلَيْسُوا مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَلَا يَنْفَعُهُمْ مُجَرَّدُ الِانْتِسَابِ الْخَالِي مِنَ الصَّوَابِ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْمُحَاجَّةِ وَالْمُجَادَلَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ فَهُوَ مُتَكَلِّمٌ فِي أَمْرٍ لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ وَلَا يُسْمَحُ لَهُ فِيهِ، وَفِيهَا أَيْضًا حَثٌّ عَلَى عِلْمِ التَّارِيخِ، وَأَنَّهُ طَرِيقٌ لِرَدِّ كَثِيرٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ وَالدَّعَاوَى الَّتِي تُخَالِفُ مَا عُلِمَ مِنَ التَّارِيخِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . (69-74) يُحَذِّرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مَكْرِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْخَبِيثَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ يُضِلُّوكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ وَدَّ شَيْئًا سَعَى بِجُهْدِهِ عَلَى تَحْصِيلِ مُرَادِهِ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ تَسْعَى وَتَبْذُلُ جُهْدَهَا فِي رَدِّ الْمُؤْمِنِينَ وَإِدْخَالِ الشُّبَهِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ؛ فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ( وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) فَسَعْيُهُمْ فِي إِضْلَالِ الْمُؤْمِنِينَ زِيَادَةٌ فِي ضَلَالِ أَنْفُسِهِمْ وَزِيَادَةُ عَذَابٍ لَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ( وَمَا يَشْعُرُونَ ) بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يَسْعَوْنَ فِي ضَرَرِ أَنْفُسِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَضُرُّونَكُمْ شَيْئًا. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أَيْ: مَا الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى الْكُفْرِ بِآيَاتِ اللَّهِ مَعَ عِلْمِكُمْ بِأَنَّ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا تَشُكُّونَ فِيهِ، بَلْ تَشْهَدُونَ بِهِ وَيُسِرُّ بِهِ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَهَذَا نَهْيُهُمْ عَنْ ضَلَالِهِمْ، ثُمَّ وَبَّخَهُمْ عَلَى إِضْلَالِهِمُ الْخَلْقَ، فَقَالَ: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) فَوَبَّخَهُمْ عَلَى لَبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَعَلَى كِتْمَانِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُمْ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ يُضِلُّونَ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إِذَا لَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ فَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَهُمَا، بَلْ أَبْقَوُا الْأَمْرَ مُبْهَمًا وَكَتَمُوا الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِظْهَارُهُ، تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خَفَاءِ الْحَقِّ وَظُهُورِ الْبَاطِلِ مَا تَرَتَّبَ، وَلَمْ يَهْتَدِ الْعَوَامُّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَقَّ لِمَعْرِفَتِهِ حَتَّى يُؤْثِرُوهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُظْهِرُوا لِلنَّاسِ الْحَقَّ وَيُعْلِنُوا بِهِ، وَيُمَيِّزُوا الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَيُظْهِرُوا الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَالْعَقَائِدَ الصَّحِيحَةَ مِنَ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ، لِيَهْتَدِيَ الْمُهْتَدُونَ وَيَرْجِعَ الضَّالُّونَ وَتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُعَانِدِينَ قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ مَا هَمَّتْ بِهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْخَبِيثَةُ، وَإِرَادَةِ الْمَكْرِ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: ( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ ) أَيِ: ادْخُلُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَإِذَا كَانَ آخِرَ النَّهَارِ فَاخْرُجُوا مِنْهُ ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عَنْ دِينِهِمْ، فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا خَرَجَ مِنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْكِتَابِ، هَذَا الَّذِي أَرَادُوهُ عُجْبًا بِأَنْفُسِهِمْ وَظَنًّا أَنَّ النَّاسَ سَيُحْسِنُونَ ظَنَّهُمْ بِهِمْ وَيُتَابِعُونَهُمْ عَلَى مَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ، وَلَكِنْ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. ( وَ ) قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ( لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) أَيْ: لَا تَثِقُوا وَلَا تَطْمَئِنُّوا وَلَا تُصَدِّقُوا إِلَّا مَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، وَاكْتُمُوا أَمْرَكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا أَخْبَرْتُمْ غَيْرَكُمْ وَغَيْرَ مَنْ هُوَ عَلَى دِينِكُمْ حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا حَصَلَ لَكُمْ فَصَارُوا مِثْلَكُمْ، أَوْ حَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ وَشَهِدُوا عَلَيْكُمْ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةُ وَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْهُدَى فَلَمْ تَتَّبِعُوهُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا عَدَمَ إِخْبَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قَاطِعًا عَنْهُمُ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِزَعْمِهِمْ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَهُمْ وَمُوجِبًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ ( الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ) فَمَادَّةُ الْهُدَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِكُلِّ مَنِ اهْتَدَى؛ فَإِنَّ الْهُدَى إِمَّا عِلْمُ الْحَقِّ، أَوْ إِيثَارُهُ، وَلَا عِلْمَ إِلَّا مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ، وَلَا مُوَفَّقَ إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يُؤْتَوْا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، وَأَمَّا التَّوْفِيقُ فَقَدِ انْقَطَعَ حَظُّهُمْ مِنْهُ لِخُبْثِ نِيَّاتِهِمْ وَسُوءِ مَقَاصِدِهِمْ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَقَدْ حَصَلَ لَهُمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ مِنْ هِدَايَةِ اللَّهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ مَعَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ مَا فَاقُوا بِهِ وَبَرَزُوا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَكَانُوا هُمُ الْهُدَاةَ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهَا وَإِحْسَانِهِ الْعَظِيمِ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ( قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ) أَيِ: اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْسِنُ عَلَى عِبَادِهِ بِأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ ( يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) مِمَّنْ أَتَى بِأَسْبَابِهِ ( وَاللَّهُ وَاسِعٌ ) الْفَضْلِ كَثِيرُ الْإِحْسَانِ ( عَلِيمٌ ) بِمَنْ يَصْلُحُ لِلْإِحْسَانِ فَيُعْطِيهِ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَيَحْرِمُهُ إِيَّاهُ. ( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ) أَيْ: بِرَحْمَتِهِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الدُّنْيَا مُتَّصِلَةً بِالْآخِرَةِ وَهِيَ نِعْمَةُ الدِّينِ وَمُتَمِّمَاتُهُ ( وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) الَّذِي لَا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ وَلَا يَخْطُرُ بِقَلْبِ بَشَرٍ، بَلْ وَصَلَ فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُهُ، رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية