الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( والرد على الفور ) إجماعا ومحله في المبيع المعين فإن قبض شيئا عما في الذمة [ ص: 368 ] بنحو بيع أو سلم فوجده معيبا  لم يلزمه فور لأن الأصح أنه لا يملكه إلا بالرضا بعيبه ولأنه غير معقود عليه ولا يجب فور في طلب الأرش أيضا كما بحثه ابن الرفعة لأن أخذه لا يؤدي إلى فسخ العقد ولا في حق جاهل بان له الرد وعذر بقرب إسلامه وهو ممن يخفى عليه بخلاف من يخالطنا من أهل الذمة أو بنشئه بعيدا عن العلماء أو بان الرد على الفور إن كان عاميا يخفى على مثله .

                                                                                                                              قال السبكي أو جهل ولا بد من يمينه في الكل ولا في مشتر شقصا مشفوعا والشفيع حاضر فانتظره هل يشفع أو لا ولا في مبيع آبق تأخر مشتريه لعوده فله رده إذا عاد وإن صرح بإسقاطه ومر أنه لا أرش له ولا إن قال له البائع أزيل عنك العيب وأمكن في مدة لا تقابل بأجرة كما يأتي في نقل الحجارة المدفونة ولا في مشتر زكويا قبل الحول فوجد به عيبا قديما ومضى حول من الشراء فله التأخير لإخراج الزكاة من غيره لعدم تمكنه من الرد قبله لأن تعلق الزكاة به عنده عيب حدث ولا في مشتر آجر ثم علم بالعيب ولم يرض البائع به مسلوب المنفعة فله التأخير إلى انقضاء مدة الإجارة أو شرع في الرد بعيب لعجز عن إثباته فانتقل للرد بعيب آخر فله لعذره باشتغاله بالأول وإذا وجب الفور ( فليبادر على العادة ) [ ص: 369 ] ولا يؤمر بعدو ولا ركض ( فلو علمه وهو يصلي ) ولو نفلا ( أو ) وهو ( يأكل ) ولو تفكها فيما يظهر أو وهو في نحو حمام أو خلاء أو قبل ذلك وقد دخل وقته   ( فله ) الشروع فيه عقب ذلك وإلا بطل رده كما أفهمه قولهم لو علمه وقد دخل وقت هذه الأمور واشتغل بها وبعد شروعه فيه له ( تأخيره ) أي الرد ( حتى يفرغ ) من ذلك على وجهه الكامل لعذر كالشفعة ولأجل ذلك أجري هنا ما قالوه ثم وعكسه ولا يضر سلامه على البائع بخلاف محادثته ولا لبس ما يتجمل به ولا التأخير لنحو مطر شديد على الأوجه ويظهر أنه يكفي ما يبل الثوب ( أو ) علمه ( ليلا  ف ) له التأخير ( حتى يصبح ) لعذره بكلفة السير فيه ومن ثم لو أمكنه السير فيه من غير كلفة لزمه ( فإن كان البائع بالبلد رده ) المشتري ( عليه بنفسه أو وكيله ) ما لم يحصل بالتوكيل تأخير مضر ولولي المشتري ووارثه الرد أيضا كما هو ظاهر ( أو ) رده ( على ) موكله أو وارثه أو وليه أو ( وكيله ) بنفسه أو وكيله كما أفاده سياقه فساوت عبارته عبارة أصله خلافا لمن فرق وذلك لأنه قائم مقامه ( ولو تركه ) أي المشتري أو وكيله من ذكر من البائع ووكيله الحاضرين ( ورفع الأمر إلى الحاكم  فهو آكد ) في الرد لأنه ربما أحوجه إلى الرفع إليه [ ص: 370 ] ومحل التخيير بين البائع ووكيله والحاكم ما لم يمر على أحدهم قبل وإلا تعين نعم لو مر على أحد الأولين قبل ولم يكن ثم من يشهده جاز له التأخير إلى الحاكم لأن أحدهما قد يجحده ولا يدعي عنده لأن غريمه بالبلد بل يفسخ بحضرته ثم يطلب غريمه ويفعل ذلك ولو عند من لا يرى القضاء بالعلم لأنه يصير شاهدا له على أن محله لا يخلو غالبا عن شهود ( وإن كان ) البائع ( غائبا ) عن البلد ولا وكيل له بها   ( رفع ) الأمر ( إلى الحاكم )

                                                                                                                              [ ص: 371 ] ولا يؤخره لحضوره فيقول اشتريته من فلان الغائب بثمن كذا ثم ظهر به عيب كذا ويقيم البينة على ذلك كله ويحلفه أن الأمر جرى كذلك ؛ لأنه قضاء على غائب ثم يفسخ ويحكم له بذلك فيبقى الثمن دينا عليه إن قبضه ويأخذ المبيع ويضعه عند عدل ويعطيه الثمن من غير المبيع إن كان وإلا باعه فيه وليس للمشتري حبس المبيع بعد الفسخ إلى قبضه الثمن  بخلافه فيما يأتي لأن القاضي ليس بخصم فيؤتمن بخلاف البائع واستثنى السبكي كابن الرفعة هذا من القضاء على الغائب فجوزاه مع قرب المسافة كما اقتضاه إطلاقهم هنا وخالفهما الأذرعي فقال وتبعه الزركشي يرفع حينئذ للفسخ عنده لا للقضاء وفصل الأمر ( والأصح أنه ) إذا عجز عن الإنهاء لمرض مثلا أو أنهى وأمكنه في الطريق الإشهاد   ( يلزمه الإشهاد ) ويكفي واحد ليحلف معه على الأوجه ( على الفسخ ) ولا يكفي على طلبه وإن اقتضاه كلام الرافعي واعتمده جماعة لقدرته على الفسخ بحضرة الشهود فتأخيره حينئذ يشعر بالرضا به وإنما لم يلزم الشفيع الإشهاد على الطلب إذا سار إلى أحدهما لأنه لا يستفيد به الأخذ وإنما القصد منه إظهار الطلب والسير يغني عنه وهنا لقصد رفع ملك الراد وهو يستقل به بالفسخ بحضرة الشهود فإذا تركه أشعر برضاه ببقائه في ملكه ويلزمه الإشهاد عليه أيضا حال توكيله أو عذره لنحو مرض أو غيبة عن بلد المردود عليه وخوف من عدو .

                                                                                                                              وقد عجز عن التوكيل في الثلاث [ ص: 372 ] وعن المضي إلى المردود عليه والرفع إلى الحاكم أيضا في الغيبة وإنما يلزمه الإشهاد في تلك الصور ( إن أمكنه ) وحينئذ يسقط عنه الفور لعوده لملك البائع بالفسخ فلا يحتاج إلى أن يستمر ( حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم ) إلا لفصل الأمر وحينئذ لا يبطل رده بتأخيره ولا باستخدامه لكنه يصير به متعديا وإنما حملت المتن على ما قررته تبعا لجمع محققين ؛ لأنه صحح أنه يشهد على الفسخ لا طلبه وبعد الفسخ لا وجه لوجوب فور ولا إنهاء وزعم أن الاكتفاء بالإشهاد إنما هو عند تعذر الخصم والحاكم ممنوع وحينئذ فمعنى إيجاب الإشهاد في حالتي العذر وعدمه أنه عند العذر يسقط الإنهاء ويجب تحري الإشهاد إن أمكنه وعند عدمه هو مخير بينه وبين الإنهاء [ ص: 373 ] وحينئذ يسقط الإشهاد أي تحريه فلا ينافي وجوبه لو صادفه شاهد ، هذا ما يظهر في هذا المقام والجواب بغير ذلك فيه نظر ظاهر للمتأمل ( فإن عجز عن الإشهاد لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح ) لأنه يبعد لزومه من غير سامع فيؤخره إلى أن يأتي به عند المردود عليه أو الحاكم لعدم فائدته قبل ذلك بل فيه ضرر عليه فإن المبيع ينتقل به لملك البائع فيتضرر ببقائه عنده

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : فإن قبض شيئا عما في الذمة إلخ ) قاله في شرح العباب ويتجه أن محل ضعف القول بملك المبيع أي في الذمة بالقبض ما إذا جهل عيبه أما إذا علم عند القبض فيتجه أنه يملكه بمجرد قبضه كما لو قبضه جاهلا ثم رضي به ( قوله : كما بحثه ابن الرفعة ) وقدمنا نقله عن الإمام في الكلام على قوله ولو هلك المبيع إلخ ( قوله : فله التأخير لإخراج الزكاة ) نعم إن تمكن من إخراجها ولم يفعل بطل حقه م ر ( قول المصنف فليبادر على العادة إلخ ) يتجه اعتبار عادته في الصلاة تطويلا وغيره وفي قدر التنفل وإن خالف عادة غيره ؛ لأن المدار على ما يشعر بالإعراض أو لا وتغيير عادته بالزيادة عليها تطويلا أو قدرا بعد العلم بالعيب - [ ص: 369 ] يشعر بذلك وإن لم يزد على عادة غيره م ر ( قوله : واشتغل بها ) أي فلا بأس حتى يفرغ منها .

                                                                                                                              ( قوله : ما لم يحصل بالتوكيل تأخير مضر ) قال في شرح العباب وإلا بطل حقه ، وإذا استوت مسافته إلى المالك وإن لم يكن هو البائع كأن اشترى من ولي فكمل المولى فيرد عليه لا على وليه على الأوجه ثم رأيت الأذرعي قال والرد عليه ظاهر لأنه المالك ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : بنفسه أو وكيله ) يمكن أن يجعل من باب الحذف من الثلاثي لدلالة الأول وأن يستغنى عن ذلك بأن قوله أو على وكيله عطف على قوله عليه ، المتعلق بقوله رده المقيد بقوله بنفسه أو وكيله والتقدير رده بنفسه أو وكيله عليه أو على وكيله فالمتن يفيد أن الرد على الوكيل بالنفس أو الوكيل من غير حذف ( قوله : ووكيله ) هلا عبر بنحو وكيله ( قول المصنف ورفع الأمر إلى الحاكم ) أي الذي بالبلد فلو ترك البائع أو وكيله [ ص: 370 ] بالبلد وذهب للحاكم بغيرها سقط حقه ( قوله : ومحل التخيير إلخ ) المعتمد أنه إذا لقي البائع أو وكيله أولا جاز له تركهما والعدول إلى الحاكم .

                                                                                                                              ( قوله : ثم من يشهده ) المتجه جواز التأخير وإن وجدهما أو لا لأنه ربما أحوجه إلى المرافعة فالإتيان إلى الحاكم أولا أقرب إلى فصل الأمر لكن حيث أمكن الإشهاد على الفسخ وجب وإن لم يكن وجد أحدهما وحينئذ يسقط وجوب الفور في إتيان أحدهما أو الحاكم ( قوله : جاز له التأخير إلى الحاكم ) أي الذي بالبلد وقوله : لأن أحدهما قد يجحده قياس هذا التعليل أنه لو لقي البائع أو وكيله أولا جاز له تركهما والعدول إلى الشهود وأنه لو لم يلق أحدهما وأمكنه الذهاب إليه وإلى الشهود جاز له الذهاب إليه وإلى الشهود وجاز له الذهاب إلى الشهود وإن كان محلهم أبعد من محل أحدهما وهذا غير ما يأتي عن شرح العباب فتفطن له ( قوله : لأنه يصير شاهدا له على أن محله لا يخلو غالبا عن شهود ) فقد قال في الأنوار ولو اطلع في مجلس الحكم فخرج البائع ولم يفسخ بطل حقه ولو اطلع بحضرة البائع فتركه ورفع إلى القاضي لم يبطل كما في الشفعة قال في الإسعاد وإنما يخير بين الخصم والحاكم إن كانا حاضرين بالبلد فإن كان أحدهما غائبا تعين الحاضر كما في شرح م ر وقوله : بطل حقه ظاهره وإن خلا مجلس الحكم عن الشهود وأمكنه الخروج منه والإشهاد خارجه على الفسخ م ر ( قول المصنف وإن كان غائبا رفع إلى الحاكم ) بقي ما لو كان غائبا ولا وكيل له بالبلد ولا حاكم بها ولا شهود فهل يلزمه السفر إليه أو إلى الحاكم إذا أمكنه ذلك بلا مشقة لا تحتمل وقد يفهم [ ص: 371 ] من المقام اللزوم فليراجع .

                                                                                                                              ( قوله : لحضوره ) ينبغي ولا للذهاب إليه ( قوله : ثم يفسخ ) هذا إن لم يفسخ قبل وإلا أخبر به كما هو ظاهر ( قوله : لا للقضاء ) أما القضاء وفصل الأمر فيتوقف على شروط القضاء على الغائب ( قول المصنف على الفسخ ) قال في شرح العباب بقوله رددت المبيع أو فسخته مثلا ومن ثم قال الأذرعي وغيره لا بد للناطق من لفظ يدل على الرد ومما يصرح به قول ابن الصلاح عن الفراوي صورة رد المعيب أن يقول ردته بالعيب على فلان فلو قدم الإخبار على الرد بطل رده أي إن لم يعذر بجهله ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : حال توكيله ) كذا في المنهج ولم يذكره في الروض ولا في شرحه ولا في غيرهما ويوجه بأن توكيله لا يزيد على شروعه في الرد بنفسه بل لا يساويه مع أنه إذا قدر على الإشهاد حينئذ وجب فإن قلت لزوم الإشهاد يبطل فائدة التوكيل قلت لو سلم إبطالها في هذه الحالة فلا محذور ( قوله : أو عذره لنحو مرض ) انظره مع قوله السابق لمرض مثلا ( قوله : وقد عجز عن التوكيل ) قد يستشكل التقييد بالعجز بما تقرر من لزوم الإشهاد حال التوكيل ولا إشكال لأن [ ص: 372 ] الإشهاد حال التوكيل قد تقدم وقوله : وعن المضي إلخ المفهوم من هذا المقام أنه إذا عجز عن الإشهاد والحاكم وأمكنه المضي إلى البائع الغائب لزمه ( قول المصنف إن أمكنه ) قال في شرح العباب بأن رأى العدل في طريقه ولم يخش على نفسه مبيح تيمم لو وقف وأشهده فيما يظهر ، ويظهر أيضا أنه لو كان للشهود موضع معلوم وهم فيه ولم يمر عليهم لكن مسافة محلهم دون مسافة المردود عليه لم يكلف التعريج إليهم لأنه لا يعد بتركه مقصرا حينئذ بخلاف ما إذا لقي الشاهد أو مر عليه في طريقه وليس له الاشتغال بطلب الشهود عن الإنهاء إلى من مر ا هـ - [ ص: 373 ] قوله : وحينئذ يسقط الإشهاد ) وكذا شرح م ر وقد ينظر فيه




                                                                                                                              الخدمات العلمية