الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( وأقله  ثوب ) يستر العورة المختلفة بالذكورة والأنوثة دون الرق والحرية بناء على الأصح الذي صرح به الرافعي أن الرق يزول بالموت وإن بقيت آثاره من تغسيله لأمته ، وقول الزركشي لو زال ملكه لم يغسلها يرده أنه يغسل زوجته مع زوال عصمتها عنه ، ثم الاكتفاء بساتر العورة هو ما صححه المصنف في جميع كتبه إلا الإيضاح ونقله عن الأكثرين كالحي ولأنه حق لله تعالى وقال آخرون : يجب ستر جميع البدن إلا رأس المحرم ووجه المحرمة لحق الله تعالى كما يأتي عن المجموع ويصرح به قول المهذب إن ساتر العورة فقط لا يسمى كفنا أي والواجب التكفين فوجب الكل للخروج عن هذا الواجب الذي هو لحق الله تعالى وأطال جمع متأخرون [ ص: 116 ] في الانتصار له وعلى الأول يؤخذ من قول المجموع عن الماوردي وغيره لو قال الغرماء يكفن بساترها والورثة بسابغ كفن في السابغ اتفاقا أن الزائد على ساترها من السابغ حق مؤكد للميت لم يسقطه فقدم به على الغرماء كالورثة فيأثمون بمنعه وإن لم يكن واجبا في التكفين وهذا مستثنى لما تقرر من تأكد أمره لقوة الخلاف في وجوبه وإلا فقد جزم الماوردي بأن للغرماء منع ما يصرف في المستحب

                                                                                                                              وعلى ما تقرر من تأكده وتقدمه به يحمل قول بعض من اعتمد الأول إنه واجب لحق الميت أي لا للخروج من عهدة التكفين الواجب على كل من علم به وإلا لم يبق خلاف في أن الواجب ساترها أو السابغ فعلم أنه بالساتر يسقط حرج التكفين الواجب عن الأمة ويبقى حرج منه حق الميت على الورثة أو الغرماء ، ومن كونه حقه يحمل تصريح آخرين بأنه يسقط بإيصائه بإسقاطه كما يأتي وقول الشافعي رضي الله عنه إذا غطي من الميت عورته فقط  سقط الفرض لكنه أخل بحقه صريح فيما قررته أنه واجب للميت كما أفاده قوله لكنه أخل بحقه لا للخروج من عهدة التكفين كما أفاده قوله سقط الفرض وفي المجموع عن المتولي القطع بالاكتفاء بستر العورة ثم القطع بأن الزائد لا يسقط بإسقاطه لأنه واجب لحق الله وفيه تناقض إلا أن يكون قوله لحق الله ليس من كلام المتولي فإنه لا تناقض فيه وبما تقرر علم أن قول شيخنا في شرح الروض لعل مراد القائلين بوجوب الزائد أنه لحق الميت بالنسبة للغرماء أخذا من الاتفاق المذكور لا لحق الله تعالى وإلا فهو تناقض يرد بأن الحق أنه تناقض وأن ذلك الحمل لا يصح لأن الخلاف [ ص: 117 ] في وجوب ساترها أو الكل إنما هو بالنظر لحق الله كما تقرر في توجيههما .

                                                                                                                              ويأتي عن المجموع التصريح به في أن الوصية بإسقاط الزائد لا تنفذ لأنه واجب لحق الله تعالى ولا ينافي ذلك الاتفاق المذكور لأن الوجوب فيه لحق الآدمي فهو مبني على أن الواجب ساترها لحق الله والزائد لحق الآدمي ويعلم منه بالأولى تقدمه بالزائد عليهم على وجوب الزائد لحق الله فصح الاتفاق ولا بد من ستر البشرة هنا كالصلاة ( ولا تنفذ ) بتشديد الفاء والبناء للمفعول ويجوز عكسه ( وصيته بإسقاطه ) أي ساتر العورة لما تقرر أنه حق لله تعالى بخلافها بما زاد عليه خلافا لما في المجموع عن جمع فإنه إنما يأتي على الضعيف أن الواجب ستر جميع البدن لحق الله تعالى فقوله لحق الله صريح في البناء على هذا الضعيف لما تقرر عنه في التفريع على الأول الذي صححه أن الزائد حقه يتقدم به على الورثة كما صرح به نقله الاتفاق السابق وما مر عن الشافعي فإن قلت ظاهر كلام بعضهم أن وصيته لا تنفذ بإسقاطه وإن قلنا : إنه حقه لأن إسقاطه له مكروه والوصية به لا تنفذ قلت كون وصيته بإسقاطه مكروهة ممنوع كيف وفيه من المسامحة بحقه للورثة أو الغرماء ما لا يخفى وبه يندفع ما يقال هو مزر به فكيف جاز له إسقاطه على أن فيه من التخلي عن الدنيا وزينتها ما هو لائق بالحال ( والأفضل للرجل   ) [ ص: 118 ] أي الذكر ( ثلاثة ) يعم كل منها البدن غير رأس محرم ووجه محرمة اتباعا لما فعل به صلى الله عليه وسلم ( ويجوز ) بلا كراهة لكنه خلاف المستحب ( رابع وخامس ) برضا الورثة المطلقين التصرف وكذا أكثر لكن مع الكراهة كما أطلقوه قال في المجموع ولا يبعد تحريمه لأنه إضاعة مال إلا أنه لم يقل به أحد ا هـ وقالالأذرعي جزم ابن يونس بالتحريم وهو قضية أو صريح كلام كثيرين فهو الأصح ( و ) الأفضل ( لها ) أي المرأة ومثلها الخنثى   ( خمسة ) لطلب زيادة الستر فيها وتكره الزيادة عليها هذا كله حيث لا دين ، وكفن من ماله وإلا وجب الاقتصار على ثوب ساتر لكل البدن إن طلبه غريم مستغرق أو كفن ممن تلزمه نفقته ولم يتبرع بالزائد أو من بيت المال أو وقف الأكفان [ ص: 119 ] أو من مال الموسرين لفقد ما ذكر ولو اختلف الورثة في الثلاثة ودونها أو أكثر أو اتفقوا على ثوب واحد أو كان فيهم محجور عليه فالثلاثة ولهم الزيادة عليها إلا إن كان فيهم محجور عليه أو الورثة والغرماء المستغرقون في ساتر العورة والبدن فساتر البدن لما مر أنه حقه يتقدم به عليهم لتأكد أمره بقوة الخلاف في وجوبه وإن أسقطه وبهذا فارق إجابتهم في منع سائر المستحبات وإذا قلنا بإجبار الغرماء والورثة على السابغ كما تقرر فليس مثله بقية الثلاثة بالنسبة للغرماء بل للورثة فإذا اتفقوا على ثوب أجبرهم الحاكم على الثلاثة لنظير ما تقرر وأنها حقه بالنسبة لهم فقدم عليهم ما لم يسقطها لا لكونها واجبة من حيث التكفين وفارق الغرماء الورثة هنا بأن حقه في الثلاث أضعف منه في السابغ فلم يمنع الغرماء تقديما لبراءة ذمته ، ومنع الورثة لأنه لا معارض لحقه وقول المجموع : القول بوجوب الثلاث شاذ محمله القول بوجوبها من حيث واجب التكفين وليس كلامنا فيه وإنما هو في وجوبها من حيث إنها حقه ولم يسقطه ولا معارض له ومن ثم قال السبكي والأذرعي يجبرهم الحاكم على الثلاث وإن كان فيهم محجور .

                                                                                                                              قال الأذرعي أو غائب وقول الأذرعي الإجبار إنما يتأتى على الوجه الشاذ أن الثلاث واجبة علم رده مما تقرر في تقرير ذلك الوجه ومن ثم لما استشكل ذلك على السبكي أجابه بما ذكرته أنها واجبة لحق الميت لأنها لجماله كما يترك للمفلس دست ثوب [ ص: 120 ] يليق به قال فالشاذ إنما هو إيجابها لحق الله تعالى فلا تسقط وإن أوصى بإسقاطها ا هـ .

                                                                                                                              ( فرع ) : قال وارث : أكفنه من مالي وقال آخر من التركة ، أجيب ؛ دفعا لمنة الأول عنه وبحث الأذرعي أن الحاكم يعتبر الأصلح فيجيب المتبرع لاستغراق دين أو خبث التركة أو قلتها مع كثرة أطفاله وهو وجيه مدركا لا نقلا . أو قال وارث : أكفنه من المسبلة ، وآخر : من مالي  أجيب الأول على ما بحثه الزركشي والوجه ما نقله الأذرعي عن السرخسي أنه يجاب الثاني دفعا للعار عنه ومثله قول واحد : من مالي ، وآخر : من بيت المال أو قال وارث : أدفنه في ملكه ، وآخر : في مسبلة  أجيب الثاني لأنه لا عار هنا بوجه .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : دون الرق والحرية إلخ ) أي فيجب ما ستر من الأنثى ولو رقيقة ما عدا الوجه والكفين ووجوب سترهما في الحياة ليس لكونهما عورة بل لخوف الفتنة غالبا شرح م ر ( قوله : مع زوال عصمتها عنه إلخ ) أي ولهذا جاز له نكاح أختها وأربع سواها ( قوله : وهذا مستثنى إلخ ) كذا [ ص: 116 ] في شرح الروض وهو يقتضي عدم وجوبه وهو ممنوع فإن قيل : هو غير واجب من حيث التكفين وإن كان واجبا من حيث حق الميت قلنا لو سلم عدم وجوبه من حيث التكفين فوجوبه من حيث حق الميت لا حاجة له بل المعنى معه للاستثناء من منع ما يصرف في المستحب .

                                                                                                                              ( قوله : وبما تقرر علم أن قول شيخنا في شرح الروض إلخ ) أقول هذا الذي حكاه عن شرح الروض لم يعبر به في شرح الروض بل عبارته على وجه آخر لا يلزمه ما أورده وذلك لأنه قال في الروض ما نصه : وأقله ثوب يعم البدن والواجب ستر العورة ا هـ فقال في شرح قوله " وأقله ثوب يعم البدن " ما نصه ولعل مراده هنا أنه وجب لحق الميت بالنسبة للغرماء أخذا من الاتفاق الآتي في كلام الماوردي وغيره لا لحق الله تعالى وإلا فهو مناقض لقوله والواجب ستر العورة ا هـ بحروفه وهذا لا يتوجه عليه الرد الذي ذكره لأن الشيخ لم يقصد بالحمل الذي ذكره رفع الخلاف الذي بين [ ص: 117 ] الأصحاب في أن الواجب ما يعم البدن أو ساتر العورة فقط حتى يقال إن ذلك الحمل لا يصح لأن الخلاف إلخ بل قصد دفع التناقض في عبارة الروض كما يصرح به قوله : لعل مراده وقوله : وإلا فهو مناقض لقوله إلخ ولا إشكال في اندفاع التناقض عن عبارة الروض بذلك الحمل ولا ينافي ذلك أن الخلاف الواقع بين الأصحاب بالنظر لحق الله تعالى لجواز أن يكون صاحب الروض اعتمد وجوب ما يعم لكنه جعل وجوبه مشوبا بحق الله تعالى وحق الميت ، ومحض وجوب ساتر العورة لحق الله ولا يمنعه من هذا الجعل كونه خلاف مراد تأويل ذلك القول لو سلم ذلك لجواز أن يوافقه في الحكم ويخالفه في صفته وسببه فليتأمل ( قوله : خلافا لما في المجموع عن جمع ) المعتمد ما في المجموع لأن الزائد على ستر العورة حق الله والميت فلم يملك إسقاطه بالوصية نظرا لشائبة حق الله ا هـ م ر ( قوله : والوصية به لا تنفذ ) قد يرد عليه أن الوصية بالزيادة على الثلث مكروهة أو محرمة مع أنها نافذة بشرط إجازة الورثة ويجاب بالفرق بين الوصية المكروهة والوصية بالمكروه كما فيما نحن فيه فليتأمل ويجاب أيضا بالفرق بأن المكروه هنا وقع الإيصاء به قصدا وثم وقع الإيصاء به تبعا لغير مكروه بل لمسنون وهو الإيصاء بالثلث أو أقل ، لا يقال قضيته أنه لو أوصى ثم بالزيادة قصدا لم تنفذ لأنا نقول هذا لا يتصور لعدم تمييز الزيادة بدليل أنه لو أوصى بقدر الثلث لواحد مثلا ثم بشيء آخر لآخر مثلا ورد الورثة الزيادة اشتركا في الثلث بالنسبة فليتأمل ( قوله : قلت : كون وصيته بإسقاطه مكروهة ممنوع ) قد يرد أن السائل لم يدع مجرد أن هذه الوصية مكروهة بل أنها وصية بمكروه ( قوله : كيف وفيه من المسامحة بحقه للورثة إلخ ) يجاب بأنه ليس [ ص: 118 ] حقا له وحده بل فيه حق لله م ر ( قوله : لكنه خلاف المستحب ) عبارة الروض وإن زيد الرجل على الثلاثة لفائف قميصا وعمامة جاز قال في شرحه وليست زيادتهما مكروهة لكنها خلاف الأولى كما في المجموع ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : المطلقين التصرف ) أفهم امتناع الرابع والخامس إذا كانوا أو بعضهم محجورا عليهم ويوافقه قوله الآتي ولهم الزيادة عليها إلا إن كان فيهم محجور عليه والحاصل امتناع الزيادة على الثلاثة حيث كان فيهم محجور عليه وإلا جازت لهم بلا حصر م ر ( قوله : لكن مع الكراهة ) أي للأكثر .

                                                                                                                              ( قوله : وتكره الزيادة عليها ) عبارة الروض وتكره الزيادة على الخمسة قال في شرحه للمرأة وغيرها قال في المجموع ولو قيل بتحريمها [ ص: 119 ] إلخ ( فرع ) . هل الخمسة للمرأة كالثلاثة للرجل فلا شيء منها يسقط وإن كان فيهم محجور عليه ( قوله : فليس مثله بقية الثلاثة بالنسبة للغرماء إلخ ) اعلم أن كلامهم صريح في وجوب الثلاثة لحق الميت وأنه لا يسقط الثاني والثالث إلا بإيصاء أو منع الغريم وذكر الشارح في شرح قول الإرشاد " ولا الوارث " أي ليس له المنع من ثلاث لفائف ما نصه : وظاهر قولهم لفائف أنهم لو أرادوا ثلاثة ليست لفائف لم يجابوا وهو محتمل لما فيه من مخالفة السنة المتأكدة في مثل ذلك وأن يلزمهم فعل سائر المستحبات ثم رأيت الشارح يعني الجوجري بحث أن ذكرها ليس بقيد بل خرج مخرج الغالب وأنه لو أراد بعضهم جعل الثلاثة على غير هيئة اللفائف ومنع بعضهم منها لم يجب الممتنع ولو اتفقوا على المنع منها وأرادوا ثلاثة لا على هيئتها لم يمنعوا ا هـ ما في شرح الإرشاد وظاهر كلامهم أن الثلاث واجبة لحق الميت لا مستحبة وأما وجوب كونها لفائف فمحل نظر وسيأتي فيه كلام عن الإسعاد فإن قلت وجوب الثلاثة ينافي قول المصنف كغيره والأفضل للرجل ثلاث قلت ممنوع لجواز إرادة أنها أفضل في الجملة ويكفي تحقق الأفضلية في بعض الصور كما لو كفن من غير التركة فالأفضل للمكفن تكفينه في الثلاث وهذا لا ينافي وجوبها من التركة بشرطه ، وجواز إرادة الاقتصار عليها أفضل كما يشعر به قوله : ويجوز رابع وخامس وهذا لا ينافي وجوبها في نفسها .

                                                                                                                              ( فرع ) . منع الغريم من الثاني والثالث ثم بعد الدفن أبرأ مثلا ثم نبش الميت وسرق كفنه فهل يجب الثاني والثالث أو لا نظرا لأن منعه منع التعلق بالتركة فلا يعود إليها ؟ فيه نظر واحتمال .

                                                                                                                              ( فرع آخر ) هل يجب تكفين الذمي في ثلاث حيث لا منع من الغريم ولا وصية سواء كان له وارث أو لا كما هو ظاهر إطلاقهم ؟ فيه نظر ( قوله : بل للورثة ) أي بالنسبة للورثة ( قوله : فلم يمنع الغرماء ) الضمير في " يمنع " يرجع لحقه [ ص: 120 ] قوله : أجيب دفعا إلخ ) ومن ثم لا يكفن فيما تبرع به أجنبي عليه إلا إن قبل جميع الورثة شرح م ر ( قوله : ومثله قول واحد : من مالي ، وآخر : من بيت المال ) عبارة شرح العباب قال الأذرعي والظاهر أن الداعي إلى تكفينه من عنده يجاب دون الداعي إليه من بيت المال لما أشار إليه ا هـ وهو ظاهر ا هـ .




                                                                                                                              الخدمات العلمية