وقال في المقدمات : وصيام الأشهر الحرم أفضل من غيرها، وهي أربعة: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة، انتهى.
وقال في التوضيح : قال ابن يونس : روي أنه عليه الصلاة والسلام صام الأشهر الحرم، انتهى. ولم أره في شيء من كتب الحديث، بل يعارضه ما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، عن عائشة، أنها قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان " ، وهذا لفظ الموطأ . والذي جاء في الأشهر الحرم ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صم من المحرم واترك، صم من المحرم واترك، صم من المحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها وأرسلها " ، وفي مسلم عنه عليه الصلاة والسلام : " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم " ، وأما شعبان فروى أبو داود والنسائي، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه شعبان ثم يصله برمضان " ، وعنها أيضا أنها قالت: " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياما منه في شعبان كان يصومه إلا قليلا " ، وفي رواية لمسلم بعد " إلا قليلا: بل كان يصومه كله " ، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان " ، انتهى كلام التوضيح، وما ذكره عن ابن يونس ذكره صاحب النوادر. وقوله: إنه يعارضها ما ذكره الجماعة المذكورون ظاهر، لكن يعارض ما رواه الجماعة أيضا حديث مسلم وحديث أم سلمة السابقان، انتهى.
( تنبيهات ) :
الأول: لم يذكروا شيئا يدل على فضل صوم رجب بخصوصه إلا قوله : " صم من المحرم واترك " ، وقد ذكر جماعة أحاديث في فضل صومه وفي النهي عن صومه، وقد تكلم العلماء في ذلك وأطالوا، وقد جمع في ذلك شيخ شيوخنا الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر جزءا سماه " تبيين العجب بما ورد في فضل رجب " فرأيت أن [ ص: 408 ] أذكر ملخصه هنا:
وقد افتتحه رحمه الله بذكر أسمائه، فذكر له ستة عشر اسما: وهو رجب؛ لأنه كان يرجب في الجاهلية أي يعظم أو لترك القتال فيه ، يقال: أقطع الرواجب. والأصم؛ لأنه لا تسمع فيه قعقعة السلاح، والأصب بموحدة؛ لأنهم كانوا يقولون : إن الرحمة تصب فيه، ورجم بالجيم؛ لأن الشياطين ترجم فيه، والشهر الحرام؛ لأن حرمته قديمة، والمقيم؛ لأن حرمته ثابتة، والمعلى؛ لأنه رفيع عندهم، والفرد وهو اسم شرعي، ومنصل الأسنة، ومنصل الآل أي الحراب، ومنزع الأسنة، وشهر العتيرة؛ لأنهم كانوا يذبحونها فيه، والمبدي، والمعشعش، وشهر الله.
قال ابن دحية : ذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، قال: وذلك كذب، قال الحربي : كان الإسراء ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول.
ثم قال: فصل لم يرد في فضله، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة: وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام الهروي الحافظ: رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذا رويناه عن غيره، ولكن اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل - وإن كان فيها ضعيف - ما لم تكن موضوعة، انتهى.
وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل كون ذلك الحديث ضعيفا، وأن لا يشتهر ذلك؛ لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف، فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة، وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم : " من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " فكيف بمن عمل به؟! ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل، إذ لكل شرع.
ثم نرجع فنقول: إن أمثل ما ورد فيه ما رواه النسائي من حديث أسامة : " قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان " ، ففيه إشعار بأن في رجب مشابهة برمضان، وأن الناس يشتغلون فيه عن العبادة بما يشتغلون به في رمضان، ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان، ولذلك كان يصومه، وفي تخصيصه ذلك بالصوم إشعار بفضل صيام رجب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم، ومن ذلك ما رواه أبو داود أنه عليه الصلاة والسلام قال لبعض أصحابه: " صم من المحرم واترك، صم من المحرم واترك، صم من المحرم واترك ، فقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها " ، ففي هذا الخبر - وإن كان في إسناده من لا يعرف - ما يدل على استحباب صيام بعض رجب؛ لأنه أحد الأشهر الحرم.
وأما حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من صام من كل شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له عبادة سبعمائة سنة " ، فرويناه في فوائد تمام الرازي، وفي سنده ضعفاء ومجاهيل .
وأما الأحاديث الواردة في فضل رجب أو في فضل صيامه أو صيام شيء منه صريحة، فهي على قسمين: ضعيفة، وموضوعة.
فمن الضعيف:
ما رواه النقاش في كتاب فضل الصيام له، والبيهقي في فضائل الأوقات له وغيرهما، عن أنس بن مالك رضي الله عنه موقوفا، قال: " إن في الجنة نهرا يقال له رجب، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر " .
قال الحافظ ابن حجر : وجدت له شاهدا إلا أنه باطل، وقرأت بخط الحافظ السلفي بسنده، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: " إن في الجنة نهرا يقال له رجب ماؤه الرحيق، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، أعده الله لصوام رجب " ، وهو من وضع السقطي .
( قلت ) : وظاهر كلام البيهقي في الشعب أن الحديث مرفوع، فيحرر ذلك.
ومن ذلك ما رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي من حديث أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب، وشعبان، وبلغنا رمضان " .
قال: وقد وجدت لهذا الخبر إسنادا ظاهره الصحة، فكأنه موضوع، فأردت التنبيه عليه لئلا يغتر به.
ومن ذلك [ ص: 409 ] ما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم بعد رمضان إلا رجبا وشعبان " ، وهو حديث منكر .
ثم قال: وورد في فضل رجب من الأحاديث الباطلة أحاديث لا بأس بالتنبيه عليها، منها حديث: " رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي " رواه النقاش المفسر، ورواه ابن ناصر في أماليه، عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم: رجب لا يقارنه من الأشهر أحد ، ولذلك يقال له شهر الله الأصم، وثلاثة أشهر متواليات، يعني ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، ألا وإن رجبا شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، فمن صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر، وأسكنه الفردوس الأعلى، ومن صام من رجب يومين فله من الأجر ضعفان ، وإن كان كل ضعف مثل جنان الدنيا، ومن صام من رجب ثلاثة أيام جعل الله بينه وبين النار خندقا ، طول مسيرة ذلك سنة ، ومن صام من رجب أربعة أيام عوفي من البلاءات ؛ من الجنون والجذام والبرص ، ومن فتنة المسيح الدجال ، ومن عذاب القبر " .
وهو حديث طويل ذكره من طرق ، وفي بعضها زيادة على بعض، ففي بعض طرقه: " خيرة الله من الشهور شهر رجب " .
ومن الأحاديث الباطلة ما ذكره أبو البركات هبة الله بن المبارك السقطي، عن أنس مرفوعا: " فضل رجب على الشهور كفضل القرآن على سائر الأذكار، وفضل شعبان على سائر الشهور كفضل محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، وفضل رمضان على سائر الشهور كفضل الله على عباده " .
ومنها حديث: " رجب شهر الله ويدعى الأصم، وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم " الحديث. قال: وهو - إن كان معناه صحيحا - فإنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومنها حديث: " رجب شهر الله الأصم، من صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر " وهو متن لا أصل له، بل اختلقه أبو البركات السقطي .
ومنها حديث: " من صام ثلاثة أيام من رجب كتب الله له صيام شهر، ومن صام سبعة أيام أغلق عنه سبعة أبواب النار، ومن صام ثمانية أيام فتح الله له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام نصف رجب كتب الله له رضوانه، ومن كتب الله له رضوانه لم يعذبه، ومن صام رجبا كله حاسبه حسابا يسيرا " .
ومنها حديث: " من فرج عن مؤمن كربة في رجب أعطاه الله في الفردوس قصرا مد بصره، أكرموا رجبا يكرمكم الله بألف كرامة " وهو متن لا أصل له، بل اختلقه السقطي .
ومنها حديث: " رجب من أشهر الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يوما وجود صيامه بتقوى الله، نطق الباب ونطق اليوم، فقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفر له " رواه النقاش في فضائل الصيام له .
ومنها حديث: " من صام يوما من رجب كان كصيام سنة ، ومن صام سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام عشرة أيام لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه، ومن صام خمسة عشر يوما نادى مناد من السماء: قد غفر لك ما سلف، فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله، وفي شهر رجب حمل نوح في السفينة فصام وأمر من معه أن يصوموا " . رويناه في فضائل الأوقات للبيهقي، ثم ذكره من طريق أخرى، وزاد فيه بعد قوله : " فصام وأمر من معه أن يصوموا شكر الله بهم، فاستقرت على الجودي في يوم عاشوراء، وفي رجب تاب الله على آدم، وعلى أهل مدينة يونس، وفيه فلق البحر لموسى، وفيه ولد إبراهيم وعيسى " .
ومنها حديث في فضل الصلاة بعد المغرب في أول ليلة من رجب، عن أنس مرفوعا قال: " من صلى المغرب في أول ليلة من رجب ثم صلى بعدها عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و قل هو الله أحد [ ص: 410 ] مرة ويسلم فيهن عشر تسليمات، أتدرون ما ثوابه؟ فإن الروح الأمين جبريل علمني ذلك، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حفظه الله في نفسه وأهله وماله وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على الصراط كالبرق بغير حساب ولا عقاب " وهذا حديث موضوع .
ومنها أيضا حديث عن ابن عباس مرفوعا: " من صام يوما من رجب وصلى فيه أربع ركعات يقرأ في أول ركعة مائة مرة آية الكرسي، وفي الركعة الثانية قل هو الله أحد مائة مرة، لم يمت حتى يرى مقعده في الجنة أو يرى له " وهذا حديث موضوع.
ثم ذكر عن ابن عباس موقوفا أنه قال: من صلى ليلة سبع وعشرين من رجب اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة منها بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغ من صلاته قرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وهو جالس، ثم قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- أربع مرات، ثم أصبح صائما، حط الله عنه ذنوب ستين سنة ، وهي الليلة التي بعث فيها محمد صلى الله عليه وسلم .
ومنها حديث صلاة الرغائب، وفيه عن أنس مرفوعا: " رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، قيل: يا رسول الله، ما معنى قولك رجب شهر الله؟ قال: لأنه مخصوص بالمغفرة، وفيه تحقن الدماء، وفيه تاب الله على أنبيائه، وفيه أنقذ أولياءه من يد أعدائه، من صامه استوجب على الله مغفرة بجميع ما سلف من ذنوبه، وعمره فيما بقي من عمره، وأمانا من العطش يوم الفزع الأكبر. فقام شيخ ضعيف فقال: إني يا رسول الله لأعجز عن صيامه كله، فقال صلى الله عليه وسلم : صم أول يوم منه فإن الحسنة بعشر أمثالها ، وأوسط يوم منه ، وآخر يوم منه فإنك تعطى ثواب من صامه كله " ثم ذكر صلاة الرغائب . الحديث بطوله.
ثم قال الحافظ: وهذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومنها حديث علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن شهر رجب شهر عظيم، من صام يوما منه كتب الله له صوم ألف سنة ، ومن صام منه يومين كتب الله له صوم ألفي سنة ، ومن صام منه ثلاثة أيام كتب الله له صوم ثلاثة آلاف سنة ، ومن صام منه سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية فيدخل من أيها شاء، ومن صام منه خمسة عشر يوما بدلت سيئاته حسنات ونادى مناد من السماء قد غفر لك فاستأنف العمل ، ومن زاد زاده الله " .
قال الحافظ : وهو حديث موضوع لا شك فيه، ثم ذكر أحاديث أخر كلها باطلة.
وقد ذكر البيهقي في الشعب بعض هذه الأحاديث، وكذلك الجزولي في شرح الرسالة، وذكر الدميري في شرح سنن ابن ماجه عن الحليمي أنه لم يوجد لصوم رجب ذكر في الأصول المعروفة سوى ما روي " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم رجب فقال: أين أنتم من شعبان " ، وهذا يحتمل أن معناه أن رجبا قد ظهر فضله، فإنه من الحرم ، وكان معظما في الجاهلية، فلا تسألوا عنه واسألوا عن شعبان، وحينئذ يجوز أن يكون صومه مستحبا، ويحتمل أن يكون معناه أنه منفصل عن رمضان، فهو كالأشهر التي قبله، وإنما المتصل برمضان والتنبيه به عن بعض الوجوه شعبان، فإن فيه ليلة النصف كما في رمضان ليلة القدر، فاسألوني عنه لا عن رجب.
قال الحليمي : وهذا أشبه؛ لأن ذا القعدة من الحرم، ولم يرد في صيامه شيء.
الثاني: أخرج ابن ماجه في سننه، عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب " .
قال الدميري في شرحها: انفرد به المصنف وهو ضعيف، وذكره الحافظ ابن حجر عن سنن ابن ماجه بلفظ: " نهى عن صوم رجب كله " وقال: رواه الطبراني في الكبير، والبيهقي في فضائل الأوقات، وقال: إن فيه داود بن عطاء . لينه ابن معين ، ورواه البيهقي في فضائل الأوقات من هذا الوجه، وقال : داود بن عطاء ليس بالقوي ، وإنما الرواية فيه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فحرف [ ص: 411 ] الراوي الفعل إلى النهي، ثم إن صح فهو محمول على التنزيه، والمعنى فيه ما ذكره الشافعي في القديم، قال: أكره أن يتخذ الرجل صوم شهر يكمله من بين الشهور كما يكمل رمضان، قال: وكذلك أكره أن يتخذ الرجل يوما من بين الأيام، وإنما كرهت ذلك؛ لئلا يتأسى جاهل فيظن أن ذلك واجب.
قال الحافظ ابن حجر : والحديث أشار إليه البيهقي من رواية ابن عباس أخرجه من طريق عنان بن حكيم، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أن " رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم " .
رويناه في كتاب أخبار مكة للفاكهي بإسناد لا بأس به عن ابن عباس أنه قال: لا تتخذوا رجبا عيدا ترونه حتما مثل رمضان إذا أفطرتم منه صمتم وقضيتموه .
وقال عبد الرزاق في مصنفه : كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدا، وإسناده صحيح. ومثل هذا ما رويناه في مسند سعيد بن منصور أن عمر كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن الطعام حتى يضعوها فيه، ويقول: إنما هو موسم، كان أهل الجاهلية يعظمونه . قال الحافظ ابن حجر : فهذا النهي منصرف لمن يصومه معظما لأمر الجاهلية، أما من صامه لقصد الصوم في الجملة، من غير أن يجعله حتما، أو يخص منه أياما معينة يواظب على صومها، أو ليالي معينة يواظب على قيامها، بحيث يظن أنها سنة ، فهذا من فعله مع السلامة مما استثني فلا بأس به، فإن خص ذلك أو جعله حتما فهذا محظور.
وهو في المنع بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام " . رواه مسلم، وإن صامه معتقدا أن صيامه أو صيام شيء منه أفضل من صيام غيره ففي هذا نظر.
ويقوي جانب المنع ما في الصحيح " عن ابن عباس : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم يوم يفضله على غيره إلا يوم عاشوراء وهذا الشهر - يعني شهر رمضان - " . وعن أزهر بن سعيد، عن أمه، أنها كانت دخلت على عائشة فذكرت لها أنها تصوم رجبا، فقالت عائشة : صومي شعبان فإن فيه الفضل، فقد " ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أناس يصومون رجبا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأين هم من صيام شعبان " ! رواه عبد الرزاق عن زيد بن أسلم، وقال بعده : " قال زيد : وكان أكثر صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رمضان شعبان " ويحتمل أن تحريه صلى الله عليه وسلم صيام يوم عاشوراء بعينه كان لغير هذا المعنى، لأنه صدر أن صومه كان مفترضا قبل رمضان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئا من الطاعات واظب عليه، وأما حديث " عائشة : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل شهرا قط إلا رمضان، وما رأيت أكثر منه صياما في شعبان " ، فظاهره فضيلة الصوم في شعبان على غيره.
لكن ذكر بعض أهل العلم أن السبب في ذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم ربما حصل له الشغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فيقضيها في شعبان، فلذلك كان يصوم في شعبان أكثر مما يصوم في غيره؛ لأن لصيام شعبان فضيلة على صيام غيره.
ومما يقوي هذا التأويل ما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل النصف من شعبان فلا تصوموا وفي رواية: فلا يصومن أحد " وفي رواية: " إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام " وقد ذكر بعض أهل العلم أن معنى هذا النهي للمبالغة في الاحتياط لئلا يحتاط لرمضان ما ليس لغيره، ويكون هذا بمعنى نهيه عن أن يتقدم أحد رمضان بيوم أو يومين.
قال أبو بكر الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع : يكره صوم رجب، وهي على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إذا خصه المسلمون بالصوم في كل عام حسب العوام أنه فرض كشهر رمضان، وإما سنة ثابتة كالسنن الثابتة، وإما لأن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على ثواب باقي الشهور، ولو كان من هذا شيء لبينه صلى الله عليه [ ص: 412 ] وسلم. قال ابن دحية : الصيام عمل بر لا لفضل صوم رجب، فقد كان عمر ينهى عن صيامه، والله أعلم، انتهى كلام الحافظ ابن حجر .
وقال الدميري : سئل الحافظ أبو عمر بن الصلاح عن صوم رجب كله، هل على صائمه إثم أم له أجر؟ وفي حديث يرويه ابن دحية أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن جهنم تسعر من الحول إلى الحول لصوام رجب " هل يصح ذلك؟ فأجاب: لا إثم عليه في ذلك ، ولم يؤثمه بذلك أحد من علماء الأمة فيما نعلمه، بل قال حفاظ الحديث: لم يثبت في صوم رجب حديث أي فضل خاص، وهذا لا يوجب زهدا في صومه بما ورد من النصوص في فضل الصوم مطلقا، والحديث الوارد في سنن أبي داود في صوم الأشهر الحرم كاف في الترغيب.
وأما حديث: تسعر جهنم لصوامه فغير صحيح، ولا تحل روايته، وسئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام فيما نقل بعض المحدثين عن منع صوم رجب وتعظيم حرمته، وهل يصح نذر صوم يوم جمعة أم لا؟ فأجاب: نذر صوم رجب لازم؛ لأنه يتقرب إلى الله بمثله، والذي نهى عن صومه جاهل بمأخذ أحكام الشريعة .
وكيف يكون منهيا عنه مع أن العلماء الذين دونوا الشريعة لم يذكر أحد منهم اندراجه فيما يكره صومه؟ بل يكون صومه قربة إلى الله تعالى لما جاء في الأحاديث الصحيحة من الترغيب في الصوم مثل قوله صلى الله عليه وسلم : " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم " ، وقوله: " لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن أفضل الصيام صيام أخي داود " وقد كان يصوم يوما ويفطر يوما ، من غير تقييد بما عدا رجبا من الشهور.
ومن عظم رجبا بغير الجهة التي كان أهل الجاهلية يعظمونه لها فليس بمقتد بالجاهلية، وليس كل ما فعلته الجاهلية منهيا عن ملابسته، إلا إذا نهت الشريعة عنه، ودلت القواعد على تركه، ولا يترك الحق لكون أهل الباطل فعلوه، والذي نهى عنه من أهل الحديث جاهل معروف بالجهل، لا يحل لمسلم أن يقلده في دينه؛ إذ لا يجوز التقليد إلا لمن اشتهر بالمعرفة بأحكام الله تعالى وبمأخذها، والذي يضاف إليه ذلك بعيد عن معرفة دين الله تعالى ، فلا يقلد، ومن قلده فقد غرر بدينه، انتهى.
وقال الدميري في منظومته :
تتميم الأصب صومه ندب لكل قادر وبالنذر يجب وأحمد كرهه إذا انفرد
والمانع المطلق قوله يرد والنهي عنه قد روى ابن ماجه
وضعفه النسائي في الديباجه والشيخ عز الدين قال من نهى
عن صومه في كل حالة سها وشدد النكير في الرد عليه
وقال لا يرجع في الفتوى إليه إذ الذين نقلوا الشريعه
ما كرهوا صيامه جميعه وفي عموم طلب الصوم اندرج
وزال عن صائمه به الحرج وابن الصلاح قال من روى رجب
فيه عذاب صائميه قد وجب غير صحيح لا تحل نسبته
إلى رسول الله ضل مثبته ففي عموم الفضل للصوم نصوص
تدل لاستحبابه على الخصوص
( قلت ) : قال السهيلي في أوائل الروض الأنف : لما تكلم على النساة الذين نسؤوا الأشهر الحرم . قول ابن هشام : أول الأشهر الحرم المحرم، هذا قول، وقد قيل: إن أولها ذو القعدة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ به [ ص: 413 ] حين ذكر الأشهر الحرم، ومن قال: المحرم أولها احتج بأنه أول السنة ، وفقه هذا الخلاف: أن من نذر صيام الأشهر الحرم، فيقال له على القول الأول: ابدأ بالمحرم، ثم برجب، ثم بذي القعدة وذي الحجة، وعلى القول الآخر يقال له: ابدأ بذي القعدة حتى يكون آخر صيامك في رجب من العام الثاني، انتهى.
( قلت ) : هذا لازم إن نذر أن يصومها مرتبة، وإلا فالظاهر أنه على جهة الأولى، والله أعلم.
الرابع: ذكر ابن عرفة في الأشهر المرغب في صيامها شوالا، ولم أره في كلام غيره من أهل المذهب، لكن وقفت في جمع الجوامع للجلال السيوطي على حديث ذكره فيه، ونصه: " من صام رمضان وشوالا والأربعاء والخميس دخل الجنة " . وقال عقبة : أخرجه البغوي والبيهقي في الشعب عن عكرمة عن خالد عن عريف من عرفاء قريش عن أبيه، انتهى .
وذكر هذا الحديث أيضا ابن العماد في كشف الأسرار والله أعلم.


