الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ وَقَوْلُهُ: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُبْلِغُونَ حَدِيثَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، وَيَقُولُونَ: نَقُولُ مَا شِئْنَا ثُمَّ نَأْتِيهِ وَنَحْلِفُ مَا قُلْنَا فَيُصَدِّقُنَا؛ لِأَنَّهُ أُذُنٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ مَنْ يُؤْذِيهِ بِنَقْلِ حَدِيثِهِ وَعَيْبَتِهِ، وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ مَا يَقُولُهُ، قَالَ الْحَسَنُ: قَالُوا: مَا هَذَا الرَّجُلُ إِلَّا أُذُنٌ مَنْ شَاءَ صَرَفَهُ كَيْفَ شَاءَ، لَيْسَتْ لَهُ عَزِيمَةٌ، فَقَالَ اللَّهُ: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أَيْ: مُسْتَمِعُ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ، لَا مُسْتَمِعَ شَرٍّ وَفَسَادٍ، وَرَوَى الْبَرْجَمِيُّ : (أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ ) -بِالتَّنْوِينِ- عَلَى وَصْفِ الْأُذُنِ بِخَيْرٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَسْمَعَ مِنْكُمْ وَيُصَدِّقَكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ يُكَذِّبَكُمْ وَلَا يَقْبَلَ قَوْلَكُمْ، وَقَوْلُهُ: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْ: يَسْمَعُ مَا يَنَزِّلُهُ اللَّهُ، فَيُصَدِّقُهُ، وَيُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يُخْبِرُونَهُ، أَيْ: إِنَّمَا يُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ لَا الْمُنَافِقِينَ. قَوْلُهُ: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أَيْ: وَهُوَ رَحْمَةُ اللَّهِ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ إِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ: وَرَحْمَةٍ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى خَيْرٍ كَأَنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ وَرَحْمَةٍ، أَيْ: مُسْتَمِعُ رَحْمَةٍ، ثُمَّ أَوْعَدَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ أَيْ: يَحْلِفُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِيمَا يَبْلُغُكُمْ عَنْهُمْ مِنْ أَذَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ مَا قَالُوا ذَلِكَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: حَلَفُوا أَنَّهُمْ مَا قَالُوا مَا حُكِيَ عَنْهُمْ، لِيُرْضُوا الْمُؤْمِنِينَ بِيَمِينِهِمْ. وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ أَيْ: إِنْ كَانُوا عَلَى مَا قَالُوا مِنَ الْإِيمَانِ كَانَ تَرْكُ عَيْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ أَوْلَى لِيَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِقَبُولِ قَوْلِهِ وَتَرْكِ عَيْبِهِ، ثُمَّ أَوْعَدَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ يُخَالِفُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِتَكْذِيبِ نَبِيِّهِ، وَالْإِظْهَارِ بِاللِّسَانِ خِلَافَ مَا فِي الْقَلْبِ. وَالْمُحَادَّةُ كَالْمُجَانَبَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَالْمَعْنَى: أَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ مَنْ عَادَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ اسْتَحَقَّ الْعَذَابَ؟ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ ) الْآيَةَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَعِيبُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَقُولُونَ: عَسَى اللَّهُ أَلَّا يُفْشِيَ عَلَيْنَا سِرَّنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَمَعْنَى يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ الْإِخْبَارَ عَنْهُمْ بِمَا كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ هَتْكِهِمْ وَفَضِيحَتِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ أَيْ: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ بِمَا فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْحَسَدِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْعَدَاوَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَوْلُهُ: قُلِ اسْتَهْزِئُوا أَمْرُ وَعِيدٍ، إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مُظْهِرٌ مَا تَحْذَرُونَ ظُهُورَهُ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَنْ أَلْهَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرِفَتَهُمْ فَقَالَ: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ . قَوْلُهُ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ الْآيَةَ: قَالَ الْكَلْبِيُّ، وَمُقَاتِلٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَسِيرُونَ فَجَعَلَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ يَسْتَهْزِئَانِ بِالْقُرْآنِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالثَّالِثُ يَضْحَكُ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ أَيْ: فِي الْبَاطِلِ مِنَ الْكَلَامِ كَمَا يَخُوضُ الرَّكْبُ نَقْطَعُ بِهِ الطَّرِيقَ، وَنَلْعَبُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْزَقِيُّ، أَنَا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْحُلْوَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْخَيَّاطُ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ دَاوُدَ الْمِخْرَاقِيُّ، نَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَسِيرُ قُدَّامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْحِجَارَةُ تَنْكِيهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ قَوْلُهُ: لَا تَعْتَذِرُوا أَيْ: لَا تَأْتُونَ بِعُذْرٍ مِمَّا قُلْتُمْ، قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَدْ ظَهَرَ كُفْرُكُمْ بَعْدَ إِظْهَارِكُمُ الْإِيمَانَ. إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ يَعْنِي الَّذِي ضَحِكَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: الَّذِي عَفَا عَنْهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرَ الْأَشْجَعِيُّ، أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بَعْضَ مَا سَمِعَ، وَجَعَلَ يَسِيرُ مُجَانِبًا لَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى الْوَاحِدُ طَائِفَةً كَمَا يُسَمَّى الْوَاحِدُ بِاسْمِ الْجَمَاعَةِ، وَقَوْلُهُ: نُعَذِّبْ طَائِفَةً يَعْنِي: الْهَازِئِينَ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ بِالِاسْتِهْزَاءِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية