الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ يُقَالُ: لَمَزْتُ الرَّجُلَ أَلْمِزُهُ وَأَلْمَزُهُ . إِذَا عِبْتَهُ، وَكَذَلِكَ هَمَزْتُهُ، وَالْهُمَزَةُ وَاللُّمَزَةُ الَّذِي يَغْتَابُ النَّاسَ وَيَغُضُّهُمْ، أَيْ: يَعِيبُكَ فِي أَمْرِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقِهَا، وَيَطْعَنُ عَلَيْكَ فِيهَا، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُعْطِيهَا مُحَمَّدٌ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ. أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ قَسْمًا، إِذْ جَاءَهُ ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: " وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ " فَنَزَلَتْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ الْآيَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ، فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَرْضَوْنَ بِمَا أُعْطُوا وَيَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَإِنْ أُعْطُوا كَثِيرًا فَرِحُوا، وَإِنْ أُعْطُوا قَلِيلًا سَخِطُوا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا الْآيَةَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَيْ: قَنَعُوا بِمَا قَسَمَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ فِي الزِّيَادَةِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَعْوَدَ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا جَوَابُ لَوْ، وَهُوَ مَحْذُوفٌ فِي اللَّفْظِ. ثُمَّ بَيَّنَ لِمَنِ الصَّدَقَاتُ فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ يَعْنِي صَدَقَاتِ الْأَمْوَالِ، لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ زَيْدٍ: الْفَقِيرُ الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي يَسْأَلُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ مَا يَأْكُلُ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْفُقَرَاءُ: الزِّمْنَى الضِّعَافُ الَّذِينَ لَا حِرْفَةَ لَهُمْ، وَأَهْلُ الْحِرَفِ الضَّعِيفَةِ الَّذِينَ لَا تَقَعُ حِرْفَتُهُمْ مِنْ حَاجَتِهِمْ مَوْقِعًا، وَالْمَسَاكِينُ: السُّؤَّالُ مِمَّنْ لَهُمْ حِرْفَةٌ، فَالْفَقِيرُ أَشَدُّهُمَا حَالًا. وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، قَالَ: الْفَقِيرُ الزَّمِنُ الْمُحْتَاجُ، وَالْمِسْكِينُ الصَّحِيحُ الْمُحْتَاجُ، وَالْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ: هُوَ مَنْ لَا يَفِي دَخْلُهُ بِخَرْجِهِ. قَوْلُهُ: وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا يَعْنِي: السُّعَاةَ، وَهَؤُلَاءِ يُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقَاتِ بِقَدْرِ أُجُورِ أَمْثَالِهِمْ، وَقَوْلُهُ: وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ اسْتَأْلَفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَرُدُّوا عَنْهُ قَوْمَهُمْ، وَيُعِينُوهُ عَلَى عَدُوِّهِ، مِنْهُمْ: عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، كَانَ يُعْطِيهِمْ سَهْمًا مِنَ الزَّكَاةِ، وَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، قَوْلُهُ: وَفِي الرِّقَابِ يَعْنِي: وَفِي فَكِّ الرِّقَابِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: الْمُكَاتَبِينَ. وَسَهْمُ الرِّقَابِ مَوْضُوعٌ فِي الْمُكَاتَبِينَ لِيُعْتَقُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: وَالْغَارِمِينَ وَهُمُ الَّذِينَ لَزِمَهُمُ الدُّيُونُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَا إِسْرَافٍ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ يَعْنِي: الْغُزَاةَ وَالْمُرَابِطِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الْغَازِي مِنَ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا إِذَا طَلَبَ، وَقَوْلُهُ: وَابْنِ السَّبِيلِ يَعْنِي الْمُسَافِرَ الْمُنْقَطِعَ يَأْخُذُ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ، قَوْلُهُ: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ هَذَا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي أَمْوَالِهِمْ لِهَؤُلَاءِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِخَلْقِهِ، حَكِيمٌ فِيمَا حَكَمَ فِيهِمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية