الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ إِنَّ الْمُبَاحَ إِنَّمَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُبَاحًا إِذَا اعْتُبِرَ فِيهِ حَظُّ الْمُكَلَّفِ فَقَطُّ ; فَإِنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْقَصْدِ كَانَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاحَ كَمَا تَقَدَّمَ هُوَ : مَا خُيِّرَ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ، بِحَيْثُ لَا يُقْصَدُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ إِقْدَامٌ وَلَا إِحْجَامٌ ، فَهُوَ إِذًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي الْفِعْلِ أَوْ فِي التَّرْكِ ، وَلَا حَاجِيٌّ ، وَلَا تَكْمِيلِيٌّ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ ، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى نَيْلِ حَظٍّ عَاجِلٍ خَاصَّةً ، وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ الَّذِي يُقَالُ : " لَا حَرَجَ فِيهِ " أَوْلَى أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى الْحَظِّ ، وَأَيْضًا ; فَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ رَاجِعَانِ إِلَى حِفْظِ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ أَوْ حَاجِيٌّ أَوْ تَكْمِيلِيٌّ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّارِعِ قَصْدُهُ إِلَيْهِ ، فَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُجَرَّدُ نَيْلِ حَظٍّ ، وَقَضَاءِ وَطَرٍ . فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى انْحِصَارِ الْأَمْرِ فِي الْمُبَاحِ فِي حَظِّ الْمُكَلَّفِ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ رَاجِعَانِ إِلَى حَقِّ اللَّهِ لَا إِلَى حَظِّ الْمُكَلَّفِ ؟ ، وَلَعَلَّ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ يَصِحُّ فِيهِ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْ جِهَةِ الْحَظِّ ، كَمَا صَحَّ فِي بَعْضِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ جِهَةِ الْحَظِّ . فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ أَنَّ الشَّرَائِعَ إِنَّمَا جِيءَ بِهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ ؛ فَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّخْيِيرُ جَمِيعًا رَاجِعَةٌ إِلَى حَظِّ الْمُكَلَّفِ وَمَصَالِحِهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْحُظُوظِ مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَغْرَاضِ ; غَيْرَ أَنَّ الْحَظَّ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : دَاخِلٌ تَحْتَ الطَّلَبِ ، فَلِلْعَبْدِ أَخْذُهُ مِنْ جِهَةِ الطَّلَبِ ، فَلَا يَكُونُ سَاعِيًا فِي حَظِّهِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَفُوتُهُ حَظُّهُ ، لَكِنَّهُ آخِذٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الطَّلَبِ لَا مِنْ حَيْثُ بَاعِثُ نَفْسِهِ ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ بَرِيئًا مِنَ الْحَظِّ ، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ الْحَظُّ ; إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الطَّلَبِ ، فَطَلَبَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ - صَارَ حَظُّهُ تَابِعًا لِلطَّلَبِ ، فَلَحِقَ بِمَا قَبْلَهُ فِي التَّجَرُّدِ عَنِ الْحَظِّ ، وَسُمِّيَ بِاسْمِهِ ، وَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَالثَّانِي : غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الطَّلَبِ ; فَلَا يَكُونُ آخِذًا لَهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ إِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ; لِأَنَّ الطَّلَبَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ بِالْفَرْضِ ، فَهُوَ قَدْ أَخَذَهُ إِذًا مِنْ جِهَةِ حَظِّهِ ، فَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمُبَاحِ : إِنَّهُ الْعَمَلُ الْمَأْذُونُ فِيهِ ، الْمَقْصُودُ بِهِ مُجَرَّدُ الْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ خَاصَّةً .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية