الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ إِذَا تَقَرَّرَ مَا تَقَدَّمَ ; فَالتَّخْصِيصُ إِمَّا بِالْمُنْفَصِلِ أَوْ بِالْمُتَّصِلِ . فَإِنْ كَانَ بِالْمُتَّصِلِ ; كَالِاسْتِثْنَاءِ ، وَالصِّفَةِ ، وَالْغَايَةِ ، وَبَدَلِ الْبَعْضِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ; فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِإِخْرَاجٍ لِشَيْءٍ ، بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ أَنْ لَا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ مِنْهُ غَيْرَ مَا قَصَدَ ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ : " زَيْدٌ الْأَحْمَرُ " عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ كَزَيْدٍ وَحْدَهُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهُ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ زَيْدًا الْأَحْمَرَ هُوَ الِاسْمُ الْمُعَرَّفُ بِهِ مَدْلُولُ زِيدٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ ، كَمَا كَانَ الْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ هُوَ الِاسْمُ لَا أَحَدُهُمَا ، وَهَكَذَا إِذَا قُلْتَ : " الرَّجُلُ الْخَيَّاطُ " فَعَرَفَهُ السَّامِعُ ; فَهُوَ مُرَادِفٌ " لِزَيْدٍ " فَإِذًا الْمَجْمُوعُ هُوَ الدَّالُّ ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ إِذَا قُلْتَ : عَشْرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً فَإِنَّهُ مُرَادِفٌ لِقَوْلِكَ : سَبْعَةٌ فَكَأَنَّهُ وَضْعٌ آخَرُ عَرَضَ حَالَةَ التَّرْكِيبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; فَلَا تَخْصِيصَ فِي مَحْصُولِ الْحُكْمِ لَا لَفْظًا وَلَا قَصْدًا ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ مُجَازٌ أَيْضًا لِحُصُولِ الْفَرْقِ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بَيْنَ قَوْلِكَ : مَا رَأَيْتُ أَسَدًا يَفْتَرِسُ الْأَبْطَالَ وَقَوْلِكَ : مَا رَأَيْتُ رَجُلًا شُجَاعًا وَأَنَّ الْأَوَّلَ مَجَازٌ ، وَالثَّانِيَ حَقِيقَةٌ ، وَالرُّجُوعُ فِي هَذَا إِلَيْهِمْ ، لَا إِلَى مَا يُصَوِّرُهُ الْعَقْلُ فِي مَنَاحِي الْكَلَامِ . وَأَمَّا التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ ; فَإِنَّهُ كَذَلِكَ أَيْضًا رَاجِعٌ إِلَى بَيَانِ الْمَقْصُودِ فِي عُمُومِ الصِّيَغِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي رَأْسِ الْمَسْأَلَةِ ، لَا أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَةِ التَّخْصِيصِ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْأُصُولِيُّونَ . فَإِنْ قِيلَ : وَهَكَذَا يَقُولُ الْأُصُولِيُّونَ : إِنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانُ الْمَقْصُودِ بِالصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ ; فَإِنَّهُ رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ دُخُولِ الْمَخْصُوصِ تَحْتَ عُمُومِ الصِّيغَةِ فِي فَهْمِ السَّامِعِ ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ الدُّخُولُ تَحْتَهَا ، وَإِلَّا كَانَ التَّخْصِيصُ نَسْخًا ، فَإِذًا لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِالْمُنْفَصِلِ وَالتَّخْصِيصِ بِالْمُتَّصِلِ عَلَى مَا فَسَّرْتَ ; فَكَيْفَ تُفَرِّقُ بَيْنَ مَا ذَكَرْتَ وَبَيْنَ مَا يَذْكُرُهُ الْأُصُولِيُّونَ ؟ . فَالْجَوَابُ : إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا رَاجِعٌ إِلَى بَيَانِ وَضْعِ الصِّيَغِ الْعُمُومِيَّةِ فِي أَصْلِ الِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ أَوِ الشَّرْعِيِّ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ يَرْجِعُ إِلَى بَيَانِ خُرُوجِ الصِّيغَةِ عَنْ وَضْعِهَا مِنَ الْعُمُومِ إِلَى الْخُصُوصِ ; فَنَحْنُ بَيَّنَّا أَنَّهُ بَيَانٌ لِوَضْعِ اللَّفْظِ ، وَهُمْ قَالُوا : إِنَّهُ بَيَانٌ لِخُرُوجِ اللَّفْظِ عَنْ وَضْعِهِ ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ ; فَالتَّفْسِيرُ الْوَاقِعُ هَنَا نَظِيرُ الْبَيَانِ الَّذِي سِيقَ عَقِبَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ لِيُبَيِّنَ الْمُرَادَ مِنْهُ ، وَالَّذِي لِلْأُصُولِيِّينَ نَظِيرُ الْبَيَانِ الَّذِي سِيقَ عُقَيْبَ الْحَقِيقَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجَازُ ; كَقَوْلِكَ : رَأَيْتُ أَسَدًا يَفْتَرِسُ الْأَبْطَالَ . فَإِنْ قِيلَ : أَفَيَكُونُ تَأْصِيلُ أَهْلِ الْأُصُولِ كُلُّهُ بَاطِلًا ، أَمْ لَا ؟ فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا ; لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ خَطَأً ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْخَطَأِ ، وَإِنْ كَانَ صَوَابًا وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ إِجْمَاعُهُمْ ; فَكُلُّ مَا يُعَارِضُهُ خَطَأٌ ، فَإِذًا كَلُّ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ خَطَأٌ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ أَوَّلًا غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى شَرْطِهِ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ ثَابِتٌ ;لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِبْطَالُ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا اعْتَبَرُوا صِيَغَ الْعُمُومِ بِحَسَبِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الْوَضْعِ الْإِفْرَادِيِّ ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا حَالَةَ الْوَضْعِ الِاسْتِعْمَالِيِّ ، حَتَّى إِذَا أَخَذُوا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأَحْكَامِ ; رَجَعُوا إِلَى اعْتِبَارِهِ : كُلٌّ عَلَى اعْتِبَارٍ رَآهُ ، أَوْ تَأْوِيلٍ ارْتَضَاهُ ; فَالَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنِ اعْتِبَارِهِمُ الصِّيَغَ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ; إِلَّا مَا يَفْهَمُ عَنْهُمْ مَنْ لَا يُحِيطُ عِلْمًا بِمَقَاصِدِهِمْ ، وَلَا يُجَوِّدُ مَحْصُولَ كَلَامِهِمْ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية