الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ وَبَقِيَ هُنَا تَقْسِيمٌ مُلَائِمٌ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ أَنَّ مَنَافِعَ الرِّقَابِ ، وَهَى الَّتِي قُلْنَا إِنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا عَلَى الْجُمْلَةِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ . أَحَدُهَا : مَا كَانَ فِي أَصْلِهِ بِالْقُوَّةِ لَمْ يَبْرُزْ إِلَى الْفِعْلِ لَا حُكْمًا وَلَا وُجُودًا كَثَمَرَةِ الشَّجَرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ ، وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ قَبْلَ الْحَمْلِ ، وَخِدْمَةِ الْعَبْدِ ، وَوَطْءٍ قَبْلَ حُصُولِ التَّهْيِئَةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَلَا خِلَافَ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنَّ الْمَنَافِعَ هُنَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ فِي الْحُكْمِ ; إِذْ لَمْ تَبْرُزْ إِلَى الْوُجُودِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَسْتَقِلَّ ، فَلَا قَصْدَ إِلَيْهَا هُنَا أَلْبَتَّةَ وَحُكْمُهَا التَّبَعِيَّةُ كَمَا لَوِ انْفَرَدَتْ فِيهِ الرَّقَبَةُ بِالِاعْتِبَارِ . وَالثَّانِي : مَا ظَهَرَ فِيهِ حُكْمُ الِاسْتِقْلَالِ وَجُودًا وَحُكْمًا ، أَوْ حُكْمًا عَادِيًّا ، أَوْ شَرْعِيًّا كَالثَّمَرَةِ بَعْدَ الْيُبْسِ ، وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ بَعْدَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ أُمِّهِ ، وَمَالِ الْعَبْدِ بَعْدَ الِانْتِزَاعِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ حُكْمَ التَّبَعِيَّةِ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ ، وَحُكْمُهُ مَعَ الْأَصْلِ حُكْمُ غَيْرِ الْمُتَلَازِمَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا قَصْدًا لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْقَصْدِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا . وَالثَّالِثُ : مَا فِيهِ الشَّائِبَتَانِ فَمُبَايَنَةُ الْأَصْلِ فِيهِ ظَاهِرَةٌ ، لَكِنْ عَلَى غَيْرِ الِاسْتِقْلَالِ ، فَلَا هُوَ مُنْتَظِمٌ فِي سِلْكِ الْأَوَّلِ وَلَا فِي الثَّانِي ، وَهُوَ ضَرْبَانِ : الْأَوَّلُ : مَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ مَحْسُوسًا كَالثَّمَرَةِ الظَّاهِرَةِ قَبْلَ مُزَايَلَةِ الْأَصْلِ وَالْعَبْدِ ذِي الْمَالِ الْحَاضِرِ تَحْتَ مِلْكِهِ ، وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ قَبْلَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أُمِّهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَالْآخَرُ مَا كَانَ فِي حُكْمِ الْمَحْسُوسِ كَمَنَافِعِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا حَصَلَتْ فِيهِ التَّهْيِئَةُ لِلتَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَالْوَطْءِ وَالْخِدْمَةِ وَالِاسْتِصْنَاعِ وَالِازْدِرَاعِ وَالسُّكْنَى ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الضَّرْبَيْنِ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَ صَاحِبِهِ مِنْ وَجْهٍ وَانْفَرَدَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدٌ . فَالطَّرَفَانِ يَتَجَاذَبَانِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَلَكِنْ لَمَّا ثَبَتَتِ التَّبَعِيَّةُ عَلَى الْجُمْلَةِ ارْتَفَعَ تَوَارُدُ الطَّلَبَيْنِ عَنْهُ وَصَارَ الْمُعْتَبَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِجِهَةِ الْمَتْبُوعِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَمَّا بَرَزَ التَّابِعُ وَصَارَ مِمَّا يَقْصِدُ تَعَلُّقَ الْغَرَضِ فِي الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ ، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ . وَلَا يُنَازَعُ فِي هَذَا أَيْضًا ; إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الشَّجَرَةُ الْمُثْمِرَةُ فِي قِيمَتِهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُثْمِرَةً ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ دُونَ مَالٍ لَا تَكُونُ قِيمَتُهُ كَقِيمَتِهِ مَعَ الْمَالِ وَلَا الْعَبْدُ الْكَاتِبُ كَالْعَبْدِ غَيْرِ الْكَاتِبِ فَصَارَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ بِسَبَبِ تَجَاذُبِ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ . وَأَيْضًا فَلَيْسَ تَجَاذُبُ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ ، بَلْ يَقْوَى الْمَيْلُ إِلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فِي حَالٍ وَلَا يَقْوَى فِي حَالٍ أُخْرَى ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الثَّمَرَةَ حِينَ أَبْرَزُوهَا وَقَبْلَ الْإِبَارِ لَيْسَتْ فِي الْقَصْدِ وَلَا فِي الْحُكْمِ كَمَا بَعْدَ الْإِبَارِ ، وَقَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَلَا هِيَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ كَمَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَقَبْلَ الْيُبْسِ فَإِنَّهَا قَبْلَ الْإِبَارِ لِلْمُشْتَرِي . فَإِذَا أُبِّرَتْ ، فَهِيَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ فَتَكُونَ لَهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ . فَإِذَا بَدَا صَلَاحُهَا ، فَقَدْ قَرُبَتْ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ ، وَبَعُدَتْ مِنَ التَّبَعِيَّةِ فَجَازَ بَيْعُهَا بِانْفِرَادِهَا وَلَكِنَّ مَنِ اعْتَبَرَ الِاسْتِقْلَالَ قَالَ : هِيَ مَبِيعَةٌ عَلَى حُكْمِ الْجَذِّ كَمَا لَوْ يَبِسَتْ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ ، فَلَا جَائِحَةَ فِيهَا ، وَمَنِ اعْتَبَرَ عَدَمَ الِاسْتِقْلَالِ ، وَأَبْقَى حُكْمَ التَّبَعِيَّةِ قَالَ : حُكْمُهَا عَلَى التَّبَعِيَّةِ لِمَا بَقِيَ مِنْ مَقَاصِدِ الْأَصْلِ فِيهَا ، وَوَضْعَ فِيهَا الْجَوَائِحَ اعْتِبَارًا بِأَنَّهَا لَمَّا افْتَقَرَتْ إِلَى الْأَصْلِ كَانَتْ كَالْمَضْمُونَةِ إِلَيْهِ التَّابِعَةِ لَهُ فَكَأَنَّهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْأَصْلِ ، وَحِينَ تَعَيَّنَ وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى الْمُعْتَادِ صَارَتْ كَالْمُسْتَقِلَّةِ فَكَانَتِ الْجَائِحَةُ الْيَسِيرَةُ مُغْتَفِرَةٌ فِيهَا ; لِأَنَّ الْيَسِيرَ فِي الْكَثِيرِ كَالتَّبَعِ . وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفُوا فِي السَّقْيِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ هَلْ هُوَ عَلَى الْبَائِعِ أَمْ عَلَى الْمُبْتَاعِ ؟ فَإِذَا انْتَهَى الطِّيبُ فِي الثَّمَرَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَا تَضْطَرُّ إِلَى الْأَصْلِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ عَلَى جِهَةِ التَّكْمِلَةِ مِنْ بَقَاءِ النَّضَارَةِ وَحِفْظِ الْمَائِيَّةِ اخْتُلِفَ هَلْ بَقِيَ فِيهَا حُكْمُ الْجَائِحَةِ أَمْ لَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا اسْتَقَلَّتْ بِنَفْسِهَا ، وَخَرَجَتْ عَنْ تَبَعِيَّةِ الْأَصْلِ مُطْلَقًا أَمْ لَا . فَإِذَا انْقَطَعَتِ الْمَائِيَّةُ وَالنَّضَارَةُ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى حُكْمِ الِاسْتِقْلَالِ فَانْقَطَعَتِ التَّبَعِيَّةُ ، وَعَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ يَجْرِي الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية