الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة الْقِيَاسُ لُغَةً : التَّقْدِيرُ ، نَحْوُ : قِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ ; وَالْجِرَاحَةَ بِالْمِسْبَارِ ; أَقِيسُ وَأَقُوسُ قَيْسًا وَقَوْسًا وَقِيَاسًا فِيهِمَا . وشَرْعًا : حَمَلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ فِي حُكْمٍ بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا ، وَقِيلَ : إِثْبَاتُ مِثْلِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِمُقْتَضٍ مُشْتَرَكٍ . وَقِيلَ : تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ بِجَامِعٍ مُشْتَرَكٍ ، وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ ، وَقِيلَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ . وَقِيلَ : هُوَ الِاجْتِهَادُ ، وَهُوَ خَطَأٌ لَفْظًا وَحُكْمًا . تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ لِلْقِيَاسِ أَقْسَامًا بِاعْتِبَارَاتٍ : أَحَدُهَا : إِمَّا جَلِيٌّ : وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَنْصُوصَةً ، أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا ، أَوْ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ ، كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِ النَّصِيبِ . وَإِمَّا خَفِيٌّ : وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مُسْتَنْبَطَةً ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ . الثَّانِي : إِمَّا مُؤَثِّرٌ : وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِيهِ ثَابِتَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ ، أَوْ كَانَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ فِيهِ قَدْ أَثَّرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ فِي جِنْسِهِ ، أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ . وَإِمَّا مُلَائِمٌ : وَهُوَ مَا أَثَّرَ جِنْسُ الْعِلَّةِ فِيهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ . الثَّالِثُ : أَنَّ الْقِيَاسَ إِمَّا أَنْ يُصَرَّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ أَوْ بِمَا يُلَازِمُهَا ، أَوْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهَا فِيهِ ، فَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ ، وَالثَّانِي قِيَاسُ الدَّلَالَةِ ، وَالثَّالِثُ الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ ، وَهُوَ مَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ . الرَّابِعُ : أَنَّ طَرِيقَ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ ، إِمَّا الْمُنَاسَبَةُ ، أَوِ الشَّبَهُ ، أَوِ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ ، أَوِ الطَّرْدُ أَوِ الْعَكْسُ ، فَالْأَوَّلُ يُسَمَّى : قِيَاسَ الْإِخَالَةِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَتَخَيَّلُ لَهُ مُنَاسَبَةَ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ ، فَيُعَلِّقُهُ بِهِ ، وَالثَّانِي قِيَاسُ الشَّبَهِ ، وَالثَّالِثُ قِيَاسُ السَّبْرِ ، وَالرَّابِعُ قِيَاسُ الطَّرْدِ . قُلْتُ : ذَكَرَ الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ الْآمِدِيُّ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا لَمْ يَسْبِقْ بَيَانُهُ مِنْهَا مَشْرُوحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : " وَقِيلَ : هُوَ " ، يَعْنِي الْقِيَاسَ هُوَ : " الِاجْتِهَادُ ، وَهُوَ " يَعْنِي هَذَا التَّعْرِيفَ " خَطَأٌ لَفْظًا وَحُكْمًا " ، أَيْ : مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ . أَمَّا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ ، فَلِأَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالِاعْتِبَارِ ، وَالِاجْتِهَادُ لَا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ أَنْبَأَ عَنْهُ ، فَلَيْسَ هُوَ بِلَازِمٍ لَهُ ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ . وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ ، فَلِأَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِالنَّظَرِ فِي الْعُمُومَاتِ ، وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ طُرُقِ الْأَدِلَّةِ طَلَبًا لِلْحُكْمِ ، فَإِنَّهُ اجْتِهَادٌ ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ ؛ وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يُنْبِئُ عَنْ بَذْلِ الْجُهْدِ فِي النَّظَرِ ، وَالْقِيَاسِ قَدْ يَكُونُ جَلِيًّا ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ . قُلْتُ : فَرَجَعَ حَاصِلُ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الْقِيَاسِ بِالِاجْتِهَادِ تَعْرِيفٌ بِالْأَعَمِّ ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ ، إِذْ كَلُّ قِيَاسٍ اجْتِهَادٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ اجْتِهَادٍ قِيَاسًا ، فَكَانَ الْحَدُّ غَيْرَ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ مِنْهُ ، وَلَا مَانِعَ لِدُخُولِ مَا لَيْسَ بِقِيَاسٍ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ . وَمِنَ التَّعْرِيفَاتِ الْفَاسِدَةِ لِلْقِيَاسِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : هُوَ إِصَابَةُ الْحَقِّ ، وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ ، لَا يَكُونُ قِيَاسًا . وَقَدْ يُطْلَقُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْمَوْضُوعَتَيْنِ وَضْعًا خَاصًّا بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُمَا نَتِيجَةٌ . وَيَرْسُمُهُ الْمَنْطِقِيُّونَ بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ أَقْوَالٍ إِذَا سُلِّمَتْ ، لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ ، نَحْوُ : كُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ ، وَكُلُّ جِسْمٍ مُؤَلَّفٌ ، يَلْزَمُ عَنْهُ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ مُؤَلَّفٌ ، فَهَذِهِ نَتِيجَةٌ لَازِمَةٌ عَنْ مُقَدِّمَتَيْنِ ، وَلَوْ أَضَفْنَا إِلَيْهِمَا مُقَدِّمَةً أُخْرَى ، وَهِيَ قَوْلُنَا : كُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ ; لَزِمَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ مُحْدَثٌ ، فَهِيَ نَتِيجَةٌ لَازِمَةٌ عَنْ مُقَدِّمَاتٍ بِطْرِيقِ التَّرْكِيبِ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَإِطْلَاقُ الْقِيَاسِ عَلَى هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ اسْمٌ إِضَافِيٌّ يَسْتَدْعِي أَمْرَيْنِ يُضَافُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ وَيُقَدَّرُ بِهِ ، كَمَا ذُكِرَ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ تَقْدِيرُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ . قُلْتُ : تَسْمِيَةُ الْمَنْطِقِيِّينَ لِهَذَا قَيَاسًا هُوَ اصْطِلَاحٌ بَيْنِهِمْ ، وَالْأَمْرُ فِي الِاصْطِلَاحِيَّاتِ قَرِيبٌ ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَرِيًّا عَنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالِاعْتِبَارِ ، إِذْ هُوَ اعْتِبَارٌ لِلنَّتِيجَةِ بِالْمُقْدِّمَتَيْنِ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ ، وَتَقْدِيرٌ لَهَا بِنَظَائِرِهَا مِنَ النَّتَائِجِ فِي طَرِيقِ لُزُومِهَا عَنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ ، وَغَايَةُ مَا ثَمَّ أَنَّ مَعْنَى التَّقْدِيرِ فِي هَذَا أَخْفَى مِنْهُ فِي غَيْرِهِ ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قِيَاسًا لُغَةً أَوْ فِي مَعْنَاهُ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية