الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
مختصر الروضة أَمَّا الْأُصُولِيُّ غَيْرُ الْفُرُوعِيِّ وَعَكْسُهُ ، وَالنَّحْوِيُّ فِي مَسْأَلَةٍ مَبْنَاهَا عَلَى النَّحْوِ فَقَطْ ، فَفِي اعْتِبَارِ قَوْلِهِمِ الْخِلَافُ فِي تَجْزِيءِ الِاجْتِهَادِ ، وَالْأَشْبَهُ اعْتِبَارُ قَوْلِ الْأُصُولِيِّ وَالنَّحْوِيِّ فَقَطْ لِتَمَكُّنِهِمَا مِنْ دَرْكِ الْحُكْمِ بِالدَّلِيلِ ، وَالْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ كَافِرٍ مُتَأَوِّلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَقِيلَ : الْمُتَأَوِّلُ كَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمُكَفِّرِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَفِي الْفَاسِقِ بِاعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ النَّفْيُ عِنْدَ الْقَاضِي ، إِذْ لَيْسَ عَدْلًا وَسَطًا ، وَالْإِثْبَاتُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ ، إِذْ هُوَ مِنَ الْأُمَّةِ . وَقِيلَ : يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ ، أَيْ : يَكُونُ الْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ بِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِلْمُجْمِعِينَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِي الْأَكْثَرِ ، إِذِ الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ ، فَلَوِ انْحَصَرَتْ فِي وَاحِدٍ ، فَقِيلَ : حُجَّةٌ لِدَلِيلِ السَّمْعِ . وَقِيلَ : لَا لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِجْمَاعِ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ كَافِرٍ مُتَأَوِّلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَقِيلَ : الْمُتَأَوِّلُ كَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمُكَفِّرِ دُونَ غَيْرِهِ " . وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَافِرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَانِدًا ، أَوْ مُتَأَوِّلًا ، فَإِنْ كَانَ مُعَانِدًا غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ رَغْبَةً عَنْهُ ، أَوْ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ فِي الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى عِصْمَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأُمَّةِ ، وَهَذَا خَارِجٌ عَنْهُمَا ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا خَرَجَ عَنِ الْمِلَّةِ ، اتُّهِمَ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يُؤْتَمَنْ ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا ، أَيْ : مُسْتَنِدًا إِلَى شُبْهَةٍ ، كَمُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْخَوَارِجِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ ، وَالرَّافِضَةِ ، وَالْجَهْمِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ مُطْلَقًا ، كَغَيْرِ الْمُتَأَوِّلِ بِجَامِعِ الْكُفْرِ وَالتَّكْفِيرِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ كَالْكَافِرِ عِنْدَ مَنْ كَفَّرَهُ ، فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ . أَمَّا مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ ، فَقَوْلُهُ مُعْتَبَرٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ . مِثَالُهُ : أَنَّ الْخَوَارِجَ اخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِمْ ، فَأَهْلُ الْحَدِيثِ يُكَفِّرُونَهُمْ ، فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ مُجْتَهَدِيِ الْخَوَارِجِ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ ، وَالْفُقَهَاءُ لَا يُكَفِّرُونَ الْخَوَارِجَ ، فَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ . وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ . وَقَالَ الْآمِدِيُّ : إِذَا كَانَ الْمُجْتَهِدُ مُبْتَدِعًا ، فَإِنْ كُفِّرَ بِبِدْعَتِهِ ، فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ مُوَافَقَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ ، لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ هُوَ بِكُفْرِ نَفْسِهِ ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَسَوَاءٌ أَصَرَّ عَلَى بِدْعَتِهِ ، أَوْ تَابَ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، إِلَّا عَلَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ لِلْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ لَمْ يُكَفَّرْ بِبِدْعَتِهِ ، فَحَكَى أَقْوَالًا ، ثَالِثُهَا : لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ ، بَلْ عَلَى غَيْرِهِ . قُلْتُ : يُشِيرُ بِهَذَا إِلَى مَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْفَاسِقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : " وَفِي الْفَاسِقِ بِاعْتِقَادٍ " يَعْنِي كَمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْفِرَقِ ، إِذَا لَمْ نُكَفِّرْهُمْ بِقَوْلٍ " أَوْ فِعْلٍ " كَشَارِبِ الْخَمْرِ ، وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ وَنَحْوِهِمْ أَقْوَالٌ : أَحَدُهَا : " النَّفْيُ " أَيْ : نَفْيُ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ " عِنْدَ الْقَاضِي " أَبِي يَعْلَى وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ " لَيْسَ عَدْلًا وَسَطًا " وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ الشَّرْعُ قَوْلَ الْعَدْلِ الْوَسَطِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [ الْبَقَرَةِ : 143 ] ، وَالْفِسْقُ يُنَافِي الْعَدَالَةَ . الْقَوْلُ الثَّانِي : " الْإِثْبَاتُ " أَيْ : إِثْبَاتُ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ " أَبِي الْخَطَّابِ " لِأَنَّهُ " مِنَ الْأُمَّةِ " فَيَتَنَاوَلُهُ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى عِصْمَتِهَا . وَيُجَابُ عَمَّا قَالَهُ الْقَاضِي : بِأَنَّ الْعَدَالَةَ تُعْتَبَرُ لِلرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ ، لَا لِلنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ ، وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ : هُوَ مُخْبِرٌ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ نَظَرُهُ وَاجْتِهَادُهُ ، وَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِفِسْقِهِ . الْقَوْلُ الثَّالِثُ : " يُعْتَبَرُ " قَوْلُهُ " فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ ، أَيْ : يَكُونُ الْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ بِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ " . مِثَالُهُ : لَوْ أَجْمَعَ مَعَ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ ، أَوْ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لَا يُحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ مُجَرَّدُ عَقْدِ الثَّانِي عَلَيْهَا ، أَوْ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الثَّعْلَبِ وَنَحْوِهِ ، كَانَ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً عَلَيْهِ ، حَتَّى لَوْ ظَهَرَ لَهُ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ بِالتَّحْرِيمِ ، وَلَوْ ظَهَرَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُجْمِعِينَ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ ، جَازَ لَهُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَكْمُلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ بِالتَّحْرِيمِ ، فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي الْكَافِرِ الْمُتَأَوِّلِ ، وَالْفَاسِقِ بِاعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ ، وَقَدْ يَتَّحِدَانِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ النَّظَرِ ، لِأَنَّ الْقَائِلَ بِبِدْعَةٍ إِنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ ، فَهُوَ كَافِرٌ مُتَأَوِّلٌ ، وَإِنْ لَمْ نُكَفِّرْهُ فَهُوَ فَاسِقٌ . فَائِدَةٌ : الْمُخْتَارُ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يُكَفَّرُ بِبِدْعَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، مَا اسْتَنَدَ فِيهَا إِلَى تَأْوِيلٍ يَلْتَبِسُ بِهِ الْأَمْرُ عَلَى مِثْلِهِ ، فَيُقْبَلُ قَوْلُ جَمِيعِ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ ، إِذَا عُرِفَ مِنْهُمُ الصِّدْقُ وَالْعَدَالَةُ فِي بِدْعَتِهِمْ ، كَمَا قُلْنَا : إِنَّ الْكَافِرَ الْعَدْلَ فِي دِينِهِ ; يَلِي مَالَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ ، لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَتِ الْعَدَالَةُ مَعَ الْكُفْرِ ، فَمَعَ الْبِدْعَةِ أَوْلَى . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ قَبِلُوا أَخْبَارَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْغَلِيظَةِ ، لِصِدْقِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ فِي بِدْعَتِهِمْ . قَوْلُهُ : " وَلَا يُعْتَبَرُ لِلْمُجْمِعِينَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ " أَيْ : لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ الْمُجْمِعُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ " فِي الْأَكْثَرِ " أَيْ : عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ " إِذِ الْعِصْمَةُ لِلْأُمَّةِ " أَيْ : لِأَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ دَلَّ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ ، فَسَوَاءٌ بَلَغَتْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ ، أَوْ لَمْ تَبْلُغْ ، كَانَ اتِّفَاقُهَا مَعْصُومًا " فَلَوْ " قُدِّرَ أَنَّ الْأُمَّةَ " انْحَصَرَتْ فِي وَاحِدٍ " بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا إِلَّا هُوَ ، كَمَا قَدْ وُعِدَ بِمِثْلِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، أَوْ كَانَ مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ بَيْنَ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ ، وَاحْتَاجَ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي حَادِثَةٍ مَا ، وَقُلْنَا بِأَنَّ اتِّفَاقَ مُجْتَهِدِي كُلِّ إِقْلِيمٍ إِجْمَاعٌ ، عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ قَبْلُ " فَقِيلَ " : يَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ " حُجَّةً لِدَلِيلِ السَّمْعِ " وَهُوَ عِصْمَةُ الْأُمَّةِ ، وَقَدِ انْحَصَرَتْ فِي هَذَا الْوَاحِدِ " وَقِيلَ " : لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاجْتِمَاعِ ، وَيُشْعِرُ بِمَعْنَاهُ ، وَالِاجْتِمَاعُ مُنْتَفٍ فِي الْوَاحِدِ ، إِذْ هُوَ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا . قُلْتُ : الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ مَدْرَكَ الْإِجْمَاعِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً ; هُوَ السَّمْعُ أَوِ الْعَقْلُ . فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ ، فَقَوْلُ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ ، لِدِلَالَةِ السَّمْعِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ ، وَقَدِ انْحَصَرَتْ فِيهِ . وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي ، لَمْ يَكُنْ حُجَّةً ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا كَانَ حُجَّةً لِدِلَالَةِ الْقَاطِعِ ، فَهُوَ حُجَّةٌ لِذَلِكَ الْقَاطِعِ ، لَا لِقَوْلِ الْأُمَّةِ وَعِصْمَتِهَا ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْقَاطِعِ ، وَلَا تُحِيلُ الْعَادَةُ الْخَطَأَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا التَّقْرِيرُ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً ; هُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " . حَكَاهُ عَنْهُ الْقَرَافِيُّ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ دَلِيلَ الْإِجْمَاعِ سَمْعِيٌّ ، وَالْعَقْلُ مُؤَكِّدٌ لَهُ ، وَهُوَ إِحَالَةُ الْعَادَةِ خَطَأَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ فِي حُكْمٍ لَا يَتَنَبَّهُ أَحَدٌ لِمَوْقِعِ الْخَطَأِ فِيهِ ، وَأَنَّ النُّصُوصَ شَهِدَتْ بِعِصْمَةِ الْأُمَّةِ ، فَلَا يَقُولُونَ إِلَّا حَقًّا ، سَوَاءٌ اسْتَنَدُوا فِي قَوْلِهِمْ إِلَى قَاطِعٍ ، أَوْ مَظْنُونٍ ، كَمَا أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا كَانَ مَعْصُومًا ، كَانَ مَا يَقُولُهُ حُجَّةً ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَنَدُهُ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا . حُجَّةُ مَنِ اشْتَرَطَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ لِلْمُجْمِعِينَ : هُوَ أَنَّا مُكَلَّفُونَ بِالْعِلْمِ وَالشَّرِيعَةِ ، وَالْقِطَعِ بِصِحَّةِ قَوَاعِدِهَا فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ ، كَبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَظُهُورِ الْمُعْجِزِ الْقَاطِعِ عَلَى يَدِهِ ، وَوُرُودِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَصْلُ الشَّرِيعَةِ عَلَى لِسَانِهِ ، وَمَتَى قَصُرَ عَدَدُ الْمُجْمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ ، اخْتَلَّ عِلْمُنَا بِتِلْكَ الْقَوَاعِدِ ، وَهُوَ بَاطِلٌ . وَأُجِيبُ : بِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْقَوَاعِدِ الْمَذْكُورَةِ قَدْ يَحْصُلُ بِأَخْبَارِ الْمُجْمِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْأُمَّةِ ، إِذِ التَّوَاتُرُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ ، أَوْ بِقَرَائِنَ تَنْضَمُّ إِلَى إِجْمَاعِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ ، فَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرْتُمْ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ لِلْمُجْمِعِينَ ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى رَأْيِ مَنْ جَعَلَ طَرِيقَ إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ السَّمْعَ ، أَمَّا مَنْ جَعَلَ طَرِيقَ إِثْبَاتِهِ الْعَقْلَ ، فَلَا بُدَّ مِنْ عَدَدِ الصُّوَرِ فِيهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية