الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                [ ص: 647 ] المجمل

                المجمل   : لغة : ما جعل جملة واحدة ، لا ينفرد بعض آحادها عن بعض ، واصطلاحا : اللفظ المتردد بين محتملين فصاعدا على السواء . وقيل : ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى .

                قلت : معين وإلا بطل بالمشترك ; فإنه يفهم منه معنى غير معين . وهو إما في المفرد ، كالعين ، والقرء ، والجون ، والشفق في الأسماء ، وعسعس ، وبان في الأفعال ، وتردد " الواو " بين العطف والابتداء في نحو : ( والراسخون ) [ آل عمران : 7 ] ، و " من " بين ابتداء الغاية والتبعيض في آية التيمم في الحروف ، أو في المركب كتردد الذي بيده عقدة النكاح بين الولي والزوج ، وقد يقع من جهة التصريف كالمختار والمغتال للفاعل والمفعول ، وحكمه التوقف على البيان الخارجي .

                التالي السابق


                [ ص: 655 ] - قوله : " وحكمه التوقف على البيان الخارجي " ، أي : وحكم المجمل أن يتوقف فيه على الدليل المبين للمراد به ، خارجا عن لفظه ، كما أن حكم النص والظاهر المبادرة إلى العمل بما ظهر منهما ، ولأن الله تعالى لم يكلفنا العمل بما لا دليل عليه ، والمجمل لا دليل على المراد به ; فلا نكلف بالعمل به . فهذا دليل على أنه لا يلزمنا العمل بالمجمل .

                والدليل على أنه لا يجوز لنا ذلك أيضا : هو أن في العمل به تعرضا بالخطأ في حكم الشرع ، والتعرض بالخطأ في حكم الشرع لا يجوز ، وإنما قلنا : إن فيه تعرضا بالخطأ ; لأن اللفظ إذا تردد بين معنيين ; فإما أن يرادا جميعا ، أو لا يراد واحد منهما ، أو يراد أحدهما دون الآخر ; فهذه أربعة أقسام ، يسقط منها الثاني ، وهو أن لا يراد واحد منهما ; لأن ذلك ليس من شأن الحكماء ، أن يتكلموا كلاما لا يقصدون به معنى ، يبقى ثلاثة أقسام ، لا دليل على إرادة واحدة منها .

                فإذا أقدمنا على العمل قبل البيان ، احتمل أن نوافق مراد الشرع ; فنصيب حكمه ، واحتمل أن نخالفه ; فنخطئ حكمه ; فتحقق بذلك أن العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع .

                وأما أن ذلك لا يجوز ; فلأن حكم الشرع يجب تعظيمه ، والتعرض بالخطأ فيه ينافي تعظيمه ; فيكون ذلك ضربا من الإهمال له ، وقلة المبالاة والاحتفال به ، وذلك لا يجوز .

                [ ص: 656 ] ومثال ذلك ، لو قال : إذا غاب الشفق ; فصلوا العشاء الآخرة ، احتمل أن يريد بالشفق الحمرة والبياض جميعا ، وأن يريد الحمرة فقط ، وأن يريد البياض فقط .

                فبتقدير أن يريدهما جميعا ; فلو صلينا قبل مغيب البياض ، أخطأنا ، فلما جاء البيان بقوله عليه الصلاة والسلام : " الشفق الحمرة ، فإذا غاب الشفق ; فقد وجب عشاء الآخرة " . علمنا المراد .

                وأبو حنيفة لما لم يبلغه هذا الحديث ، أو بلغه ولم يثبت عنده ، قال : الأصل بقاء وقت المغرب ; فمن ادعى خروجه بمجرد غيبوبة الحمرة ; فعليه الدليل ، والأصل بقاء ما كان على ما كان ، ولأن المصلي بعد غيبوبة البياض ممتثل إجماعا ، وقبله مختلف في امتثاله ، والأصل عدم براءة الذمة من امتثال الأمر ; فيستصحب فيه الحال .

                [ ص: 657 ] وكذلك قوله عز وجل : ( يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) [ البقرة : 238 ] ، احتمل أن المراد الحيض والأطهار ، وأن العدة تنقضي بأيهما كان ، واحتمل أن المراد الحيض فقط ، أو الأطهار فقط ; فلو أمرناها قبل البيان ببعض هذه الاحتمالات ، ولم يوافق مراد الشرع فيه ، كنا مخطئين ، فلما جاء البيان بقوله عز وجل : ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ) [ الطلاق : 4 ] ، دل على أن المراد بالقرء الحيض ; لأنه في هذه الآية الكريمة جعل الشهور في الآيسة بدلا عن الحيض بقوله عز وجل : ( واللائي يئسن من المحيض ) ، ولم يقل : يئسن من الأطهار . وأكد ذلك " قوله عليه الصلاة والسلام للحائض : اتركي الصلاة أيام أقرائك " [ ص: 658 ] والصلاة إنما تترك في أيام الحيض لا الطهر ، والاستدلال بالآية أقوى من الحديث .



                الخدمات العلمية