الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                [ ص: 589 ] ويشترط للاستثناء الاتصال المعتاد كسائر التوابع ، خلافا لابن عباس ، وأجازه عطاء والحسن ما دام في المجلس ; ، وأومأ إليه أحمد في الاستثناء في اليمين . وأن لا يكون من غير جنس المستثنى منه خلافا لبعض الشافعية ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وبعض المتكلمين .

                لنا : الاستثناء إما إخراج ما تناوله ، أو ما يصح أن يتناوله المستثنى منه ، وأحد الجنسين لا يصح أن يتناول الآخر .

                قالوا : وقع في القرآن واللغة كثيرا .

                قلنا : يتعين حمله على المجاز والاتساع ; لأن ما ذكرناه قاطع ، وجواز استثناء أحد النقدين من الآخر عند بعضهم استحسان وأن لا يكون مستغرقا إجماعا . وفي الأكثر والنصف خلاف . واقتصر قوم على الأقل ، وهو الصحيح من مذهبنا .

                التالي السابق


                - فروع تتعلق بشروط الاستثناء المذكورة :

                - أحدها : أنا قد ذكرنا أنه يشترط للاستثناء الاتصال المعتاد فلا يضر الفصل بينه وبين المستثنى منه بسكتة بنفس ، أو عارض سؤال أو شرق أو نحوه ; لأن تلك الأمور ضرورية ، ويشترط له أيضا أن ينوي الاستثناء قبل تكميل المستثنى منه ، وهو الأصح من مذهب الشافعي .

                وصورته أنه إذا قال : أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ; ينوي استثناء الواحدة قبل [ ص: 604 ] فراغه من قوله : أنت طالق ثلاثا ، أو : له علي عشرة إلا درهما ; ينوي استثناء الدرهم قبل قوله : عشرة ، لأنه إن لم يشترط ذلك ، كان جازما بوقوع المستثنى وقوعا مستقرا ; فيكون الاستثناء بعد ذلك رجوعا محضا عما أوقعه ، بخلاف ما إذا نواه قبل تكميل المستثنى منه ; فإنه يكون منعا لدخوله ، ورفعا له قبل استقراره ، كما سبق التنبيه عليه .

                الفرع الثاني : قد بينا ما يصح من الاستثناء ، وما يبطل وثبت في اللغة والشرع صحة الاستثناء من الاستثناء كقوله تعالى : ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ، إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ) [ الحجر : 58 : 60 ] ، وكقول القائل : له علي عشرة إلا خمسة إلا ثلاثة إلا درهمين إلا درهما .

                فإذا تخلل الاستثناءات استثناء باطل ; فهل يلغى ذلك الاستثناء الباطل وما بعده ; أو يلغى وحده ويرجع ما بعده إلى ما قبله ; أو ينظر إلى ما تئول إليه جملة الاستثناءات ؟ فيه ثلاثة أوجه :

                ولنضرب أمثلة بأنواع الاستثناء الباطل ، وهي المستغرق باتفاق ، والأكثر والنصف على الخلاف .

                مثال المستغرق : قال : له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة إلا واحدا .

                فعلى الوجه الأول : يلزمه عشرة ، ويلغو قوله : إلا عشرة ; لأنه استثناء مستغرق باطل ، ويلغو قوله : إلا أربعة إلا واحدا ; لأنه فرع على استثناء باطل .

                وعلى الوجه الثاني : يلغو المستغرق وحده تخصيصا للبطلان به [ ص: 605 ] لاختصاصه بسببه ; وهو الاستغراق ، ويصير نظم الكلام : له علي عشرة إلا أربعة إلا واحدا ; فيلزمه سبعة ، سيأتي بيان الطريق في استخراج ذلك إن شاء الله تعالى .

                وعلى الوجه الثالث : ينظر ما يئول إليه جملة الاستثناءات الباطل منها والصحيح ; فيلزمه في الصورة المذكورة ثلاثة والله سبحانه وتعالى أعلم .

                مثال استثناء الأكثر : قال له علي عشرة إلا أربعا إلا واحدا ، فإن أبطلنا استثناء الأكثر :

                فعلى الأول : يلزمه عشرة ، ويلغو استثناء التسعة وما بعده .

                وعلى الثاني : يلغو استثناء التسعة وحده ; فيلزمه سبعة .

                وعلى الثالث : يلزمه أربعة .

                وإن صححنا استثناء الأكثر ، لزمه أربعة كالوجه الثالث على القول ببطلانه .

                مثال استثناء النصف : قال : له علي عشرة إلا خمسة إلا اثنين إلا واحدا ، فإن أبطلنا استثناء النصف لزمه على الأول عشرة وعلى الثاني تسعة ، وعلى الثالث ستة ، وإن صححناه ، لزمه ستة أيضا ، كالوجه الثالث على القول ببطلانه .

                وقد تتركب الاستثناءات بأن تشتمل على المستغرق والأكثر والنصف ، كقوله : له علي عشرة إلا عشرة إلا ثمانية إلا أربعة ، فإن ألغينا الثلاثة ، لزمه [ ص: 606 ] هاهنا عشرة ، وكذلك إن ألغينا المستغرق وما تفرع عليه على الوجه الأول ، وإن ألغينا المستغرق وحده ، لزمه ستة ، وإن نظرنا إلى ما يئول إليه جملة الاستثناءات ، لزمه أربعة ، وإن ألغينا المستغرق والأكثر فقط ، وصححنا النصف ; فعلى الوجه الأول يلزمه عشرة ، وعلى الثاني ستة ، وعلى الثالث أربعة ، وإن ألغينا المستغرق والنصف ، وصححنا الأكثر ، وهو بعيد في القياس ، لكنا فرضناه تصويرا ; فعلى الأول يلزمه عشرة ، وعلى الثاني اثنان ، وعلى الثالث أربعة كما سبق . والطريق العام في استخراج الباقي عند تكرر الاستثناءات مبني على أن الاستثناء من الإثبات نفي ، ومن النفي إثبات .

                فنقول : في الصورة الأولى من صور هذا الفرع ، وهي : له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة إلا واحدا ، أثبت عشرة ثم نفاها ، ثم أثبت من العشرة المنفية أربعة ، ثم نفى من هذه الأربعة المثبتة واحدا ; فبقي ثلاثة ، لكن عند كثرة الاستثناءات يصعب سلوك هذا الطريق ، ويشق ضبطه ; فلك فيه طريقان سهلان جدا :

                أحدهما : أن تأخذ شفع الأعداد ووترها ، وتعرف مقدار كل واحد منهما ، وتلقي أقلها من أكثرها ; فما بقي ; فهو الجواب .

                وضبط هذا بالشفع والوتر إنما يصح إذا لم يكن في الاستثناءات استثناء مستغرق ، فإن كان فيها استثناء مستغرق كالصورة المذكورة ; فضبطه أن تأخذ [ ص: 607 ] الأعداد المثبتة ; فتعرف جملتها ، ثم المنفية كذلك ، ثم تلقي أقلها من أكثرها ; فالباقي هو الجواب .

                ويعرف العدد المثبت من المنفي بأن تبتدئ بالأول ، ثم تأخذ العدد الثاني منه ، لا الذي بعده يليه ، ثم الثاني من ذلك العدد ، كذلك ، حتى تأتي على جميع الاستثناءات .

                مثاله : في قولنا : له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة إلا واحدا ، أن تأخذ العشرة والأربعة ; فهما شفعان مثبتان ، وذلك أربعة عشر ، وتأخذ العشرة الثانية والواحد ، وهما منفيان ، وذلك أحد عشر ; فتلقيها من الأربعة عشر ، يبقى ثلاثة كما سبق .

                ولو اعتبرته هاهنا بالشفع والوتر ، لم يصح إذ ليس معك وتر إلا الواحد ، والشفع أربعة وعشرون ، تلقي منها الواحد ، يبقى ثلاثة وعشرون ، وليس ذلك بالحق ، وإنما جاء ذلك من الاستثناء المستغرق لأنه شفع بعد شفع ، وكذا لو كان وترا بعد وتر ، نحو : تسعة إلا تسعة إلا أربعة إلا واحدا ; فبطريق النفي والإثبات ، تأخذ التسعة الأولى والأربعة ، وذلك ثلاثة عشر ، والتسعة الثانية والواحد ، وذلك عشرة ، تلقيها من ثلاثة عشر يبقى ثلاثة ، وبطريق الزوج والفرد تحتاج أن تلقي الأربعة من تسعة عشر ، يبقى خمسة عشر ، وليس بالصواب .

                فبالجملة طريق النفي والإثبات أعم ، وهي الأصل ، وطريق الزوج والفرد تصح لخصوص المادة غالبا ، بشرط أن لا يكون هناك استثناء مستغرق ; لأنه يكون استثناء مساويا لما قبله في الزوجية والفردية ; فيختل العمل .

                [ ص: 608 ] والطريق الثاني : أن تلقي آخر الاستثناءات مما قبله ، ثم الباقي منه مما قبله كذلك إلى أن تصل إلى المستثنى منه أولا ; فما بقي ; فهو الجواب .

                ولنضرب لذلك أمثلة ، ونستخرجها بالطريقين تحصيلا لضرب من الدربة : فمنها : لو قال : له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدا ; فبطريق النفي والإثبات ، أو الزوج والفرد ، تأخذ العشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنين ، وهي الأعداد الشفع المثبتة ، وجملتها ثلاثون ، وتأخذ التسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد ، وهي الأعداد الوتر المنفية ، وجملتها خمسة وعشرون ، تلقيها من الثلاثين ، يبقى خمسة وهو الجواب .

                وبطريق الترقي من آخر الاستثناءات إلى أولها ; تلقي الواحد من الاثنين ، يبقى واحد ، تلقيه من الثلاثة قبله يبقى اثنان ، تلقيهما من الأربعة قبلهما ، يبقى اثنان ، تلقيهما من الخمسة ، يبقى ثلاثة ، تلقيها من الستة ، تبقى ثلاثة ، تلقيها من السبعة ، يبقى أربعة ، تلقيها من الثمانية ، يبقى أربعة ، تلقيها من التسعة ، يبقى خمسة ، تلقيها من العشرة ، يبقى خمسة ، كالجواب بالطريق الأول .

                [ ص: 609 ] ومنها : لو قال : له علي عشرة إلا سبعة إلا أربعة إلا واحدا ; فبطريق الإثبات والنفي ، خذ العشرة والأربعة تكن أربعة عشر ، وخذ السبعة والواحد تكن ثمانية ، أسقطها من أربعة عشر ، يبق ستة .

                وبالطريق الآخر : أسقط الواحد من الأربعة قبله ، يبق ثلاثة ، أسقطها من السبعة قبلها ، يبق أربعة ، أسقطها من العشرة ، يبق ستة ، كالجواب الأول .

                ومنها : لو قال : له علي عشرة إلا ثمانية إلا خمسة إلا ثلاثة إلا واحدا ; فبطريق الإثبات والنفي خذ العشرة والخمسة والواحد تكن ستة عشر ، وخذ الثمانية والثلاثة تكن أحد عشر ، أسقطها من ستة عشر ، يبق خمسة .

                وبالطريق الآخر : أسقط الواحد من الثلاثة قبله ، يبق اثنان ، أسقطهما من الخمسة ، يبق ثلاثة أسقطها من الثمانية ، يبق خمسة ، أسقطها من العشرة ، يبق خمسة ، كالجواب الأول .

                ومنها : لو قال : له علي عشرة إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحدا ; فبطريق الإثبات والنفي ، اجمع العشرة والستة والأربعة والواحد يكن إحدى وعشرين ، واجمع السبعة والخمسة والاثنين يكن أربعة عشر ، أسقطها من أحد وعشرين ، يبق سبعة .

                وبالطريق الآخر : ألق واحدا من اثنين ، يبق واحدا ، ألقه من الأربعة قبله ، يبق ثلاثة ، ألقها من الخمسة قبلها ، يبق اثنان ، ألقهما من الستة ، يبق [ ص: 610 ] أربعة ، ألقها من السبعة ، يبق ثلاثة ، ألقها من العشرة ، يبق سبعة كالجواب الأول ، وعلى هذا قياس الباب .

                الفرع الثالث : إذا قال : أنت طالق واحدة إلا واحدة ، أو اثنتين إلا اثنتين ، أو ثلاثا إلا ثلاثا ; فهو استثناء مستغرق باطل . وإن قال : طلقتين إلا طلقة ، خرج على استثناء النصف ، وإن قال : ثلاثا إلا اثنتين ، خرج على استثناء الأكثر ، وإن قال : طلقة إلا نصف طلقة ، أو ثلاثا إلا طلقة ونصفا ، احتمل أن يخرج على استثناء النصف ، واحتمل أن يقع في الأولى واحدة ، وفي الثانية اثنتان ; لأن الطلاق لا يتبعض في إيقاعه ولا في رفعه .

                وإن قال : أنت طالق خمسا إلا ثلاثة ; فهل تطلق ثلاثا أو اثنتين ؟ على وجهين ، أصلهما أنه إذا أوقع من الطلاق أكثر مما يملك واستثنى منه ; فهل يرجع الاستثناء إلى ما يملكه ; فيكون هاهنا مستغرقا باطلا ; فتقع الثلاث ، أو إلى ما أوقعه وهو هاهنا خمس استثنى منها ثلاثا يبقى اثنتان ؟ وعلى هذا ، لو قال : أربع إلا واحدة ، هل يقع ثلاث أو اثنتان ، ولو قال : أربع إلا ثلاثا ، هل يقع واحدة أو ثلاث ؟ والأشبه رجوع الاستثناء إلى ما يملكه فقط ; لأن ما زاد عليه لا يملك إيقاعه ، وصحة الاستثناء متفرع على صحة الإيقاع ، والنزاع هاهنا مبني على ملاحظة الحكم تارة واللفظ أخرى ، والله أعلم بالصواب .




                الخدمات العلمية