الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                [ ص: 580 ] الاستثناء

                الاستثناء : إخراج بعض الجملة بـ " إلا " أو ما قام مقامها ، وهو " غير " ، و " سوى " ، و " عدا " ، و " ليس " ، و " لا يكون " و " حاشا " ، و " خلا " ، وقيل : قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول ، وهذا قول من يزعم أن التعريف بالإخراج تناقض ، وليس بشيء .

                والاستثناء يجب اتصاله ، ويتطرق إلى النص بخلاف التخصيص بغيره فيهما . ويفارق النسخ في الاتصال ، وفي رفع حكم بعض النص ، وفي منع دخول المستثنى على تعريفه الثاني .

                التالي السابق


                قوله : " ويفارق النسخ في الاتصال ، وفي رفع حكم بعض النص ، وفي منع دخول المستثنى على تعريفه الثاني " .

                هذا بيان الفرق بين الاستثناء والنسخ ، وذلك من وجوه :

                أحدها : أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ، والنسخ لا يشترط اتصاله ، بل يشترط تراخيه كما مر . وسبب الفرق أن الاستثناء لا يستقل بنفسه ، بخلاف الناسخ مع المنسوخ ; فإنه يستقل بنفسه ، وينافي المنسوخ ; فاتصاله به يكون تهافتا .

                [ ص: 586 ] الوجه الثاني : أن الاستثناء إنما يرفع حكم بعض النص ، ولا يصح أن يكون مستغرقا ، والنسخ يجوز أن يرد على جميع حكم النص فيرفعه ; فيصح أن يوجب أربع ركعات ، ثم ينسخها بأن يقول : لا تصلوها ، ولا يصح أن يقول : صلوا أربعا إلا أربعا أو إلا ثلاثا كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

                وهاهنا تحقيقان :

                أحدهما : قولنا : الاستثناء يرفع حكم بعض النص تجوز باعتبار دخول المستثنى في المستثنى منه لفظا ، وإلا فالاستثناء في التحقيق بيان لأنه أحد المخصصات .

                الثاني : قولي : والنسخ يجوز أن يرفع حكم جميع النص ، أجود من قول الشيخ أبي محمد : إن النسخ يرفع جميع حكم النص ; لأن النسخ قد يرفع جميع حكم النص ، وقد يرفع بعضه ، كما نسخ خمس رضعات من عشر ، وكما إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز ، وهو بعض حكم النص .



                ويتعلق بهذا إشكال خطر لي على الفرق بين النسخ والتخصيص ولم يتحقق لي الجواب عنه ، وهو أن يقال : إذا جاز ورود النسخ والتخصيص على بعض حكم النص اشتبها ; فبماذا يفرق بينهما ؟ فإن قيل : بأن النسخ رفع ، والتخصيص بيان .

                قلنا : صورتهما هاهنا مشتبهة ; فلا يعرف أيهما الرفع من البيان .

                فإن قيل : يفرق بينهما بأن النسخ يكون بعد العمل بالنص ، والتخصيص [ ص: 587 ] قبله . فإذا قيل لنا : اقتلوا المشركين ، ثم قيل لنا : لا تقتلوا أهل الكتاب ، فإن كان ذلك قبل قتالنا للمشركين ، كان تخصيصا ، وإن كان بعده ، كان نسخا لبعض الحكم .

                قلنا : فالنسخ قد بينا جوازه قبل الامتثال ، وبتقدير ذلك يعود الإشكال ; فإنه إذا قال لنا : صوموا شهر المحرم ، ثم قال لنا قبل دخول المحرم : لا تصوموا منه غير عشرين يوما ، لم نعلم هذا تخصيصا ، أو نسخا للبعض .

                الوجه الثالث : أن الاستثناء مانع ، والنسخ رافع . وبيانه أن الاستثناء يمنع دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى منه على تعريفه الثاني ، وهو أن الاستثناء لفظ متصل يدل على أن مدلوله غير مراد بالقول الأول ، والنسخ يرفع ما دخل تحت لفظ المنسوخ . وقد بينا أن النزاع في تعريف الاستثناء بالإخراج وغيره لفظي أو قريب منه ، وحينئذ يكون الفرق المذكور بين الاستثناء والنسخ مطلقا على كلا التعريفين للاستثناء ; فلا يظهر لقوله على تعريفه الثاني كبير فائدة .

                تنبيه : يشتمل على ما هو كالتكملة لما ذكرنا ، وذلك أن بين التخصيص والنسخ جامعا وفارقا :

                أما الجامع ; فهو أن كل واحد منهما قد يوجب تخصيص الحكم ببعض مدلول اللفظ كما سبق .

                والفارق من وجوه :

                أحدها : أن التخصيص بين أن مدلول اللفظ الخاص لم يكن مرادا من [ ص: 588 ] لفظ العام الدال عليه ، بخلاف المنسوخ ، فإن مدلوله كان مرادا بالحكم ، ثم رفع بالنسخ .

                وثانيها : أن التخصيص لا يرد على الأمر بمأمور واحد ، نحو : أكرم زيدا ، إذ ليس بعام ، والنسخ يرد على ذلك .

                وثالثها : أن التخصيص لا يجوز حتى لا يبقى من العام شيء ، بل لا بد أن يبقى واحد أو جمع كما سبق ، والنسخ يجوز أن يرفع جميع مدلول النص .

                ورابعها : أن التخصيص قد يكون بغير خطاب الشرع ، كالإجماع ودليل العقل والحس كما سبق ، والنسخ لا يكون إلا بخطاب الشرع ، أو ما قام مقامه .

                وخامسها : أن دليل التخصيص قد يكون متقدم الوجود على ما يخصصه ، بخلاف دليل النسخ ; فإنه يشترط تأخيره .

                وسادسها : أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى ، ويجوز نسخها بها ، كما ثبت من تناسخ الشرائع .

                وسابعها : أن التخصيص أعم من النسخ ; لأن التخصيص بيان ، والنسخ رفع ، ورفع الحكم يستلزم البيان ، والبيان لا يستلزم رفع الحكم .

                وثامنها : أن التخصيص لا يكون إلا قبل العمل لأنه بيان ، وتأخير البيان عن وقت العمل لا يجوز ، والنسخ يجوز قبل العمل وبعده .




                الخدمات العلمية