الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                [ ص: 580 ] الاستثناء

                الاستثناء : إخراج بعض الجملة بـ " إلا " أو ما قام مقامها ، وهو " غير " ، و " سوى " ، و " عدا " ، و " ليس " ، و " لا يكون " و " حاشا " ، و " خلا " ، وقيل : قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول ، وهذا قول من يزعم أن التعريف بالإخراج تناقض ، وليس بشيء .

                والاستثناء يجب اتصاله ، ويتطرق إلى النص بخلاف التخصيص بغيره فيهما . ويفارق النسخ في الاتصال ، وفي رفع حكم بعض النص ، وفي منع دخول المستثنى على تعريفه الثاني .

                التالي السابق


                [ ص: 584 ] قوله : " والاستثناء يجب اتصاله ، ويتطرق إلى النص ، بخلاف التخصيص ، بغيره فيهما " .

                هذا بيان الفرق بين الاستثناء والتخصيص بغير الاستثناء ، وذلك من وجهين :

                أحدهما : أن الاستثناء يجب اتصاله بالمستثنى منه ، وستأتي المسألة عن قريب إن شاء الله تعالى ، بخلاف التخصيص بغير الاستثناء ; فإنه يجوز أن يتراخى ، مثل أن يقول : اقتلوا المشركين ، ثم يقول بعد مدة : اقبلوا الجزية من أهل الكتاب ، ولا تقتلوهم ، بخلاف قوله : اقتلوا المشركين ، ثم يقول بعد مدة : إلا أهل الكتاب .

                والفرق بينهما عدم استقلال صيغة الاستثناء بنفسها لأنها تابعة للمستثنى منه ، بخلاف قوله : لا تقتلوا أهل الكتاب ; فإنه مستقل بنفسه . وهذا يقتضي أن التخصيص بالغاية والصفة والشرط يجب اتصاله لعدم استقلال هذه المخصصات بأنفسها . وإن قولنا : " بخلاف التخصيص بغيره " ، ليس على إطلاقه ، بل يجب أن يقال : بخلاف التخصيص بالمنفصل .

                الوجه الثاني : في الفرق بين الاستثناء والتخصيص : أن الاستثناء يتطرق إلى النص ، كقوله : أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ، وله علي عشرة إلا [ ص: 585 ] ثلاثة ، " ولله تسعة وتسعون اسما ، مائة إلا واحدا " ، بخلاف التخصيص بغير الاستثناء ; فإنه لا يصح في النص ، وإنما يصح في العام ، ودلالته ظنية كما سبق ، فإذا قال : أكرم الرجال ، ثم قال : لا تكرم زيدا ، كان ذلك تخصيصا ; لأن دخول زيد في الرجال بالنظر إلى إرادة المتكلم مظنون لا مقطوع ، ولو نص على أسماء الرجال ; فقال : أكرم عمرا وبكرا وبشرا وخالدا وجعفرا وزيدا ، حتى أتى على أسمائهم ، ثم قال : لا تكرم زيدا ، لم يكن ذلك تخصيصا بل نسخا ، وذلك لأن التخصيص يبين أن مدلول اللفظ الخاص ليس مرادا من اللفظ العام الذي هو محتمل لإرادته وعدمها وذلك صحيح مفيد . أما إذا نص على إرادة مدلول لفظ كزيد أو غيره من الرجال ، لم يصح بعد ذلك أن يبين أنه غير مراد له لإفضائه إلى التناقض ، بل يكون نسخا ; لأن التناقض من لوازمه .



                قوله : " ويفارق النسخ في الاتصال ، وفي رفع حكم بعض النص ، وفي منع دخول المستثنى على تعريفه الثاني " .

                هذا بيان الفرق بين الاستثناء والنسخ ، وذلك من وجوه :

                أحدها : أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ، والنسخ لا يشترط اتصاله ، بل يشترط تراخيه كما مر . وسبب الفرق أن الاستثناء لا يستقل بنفسه ، بخلاف الناسخ مع المنسوخ ; فإنه يستقل بنفسه ، وينافي المنسوخ ; فاتصاله به يكون تهافتا .

                [ ص: 586 ] الوجه الثاني : أن الاستثناء إنما يرفع حكم بعض النص ، ولا يصح أن يكون مستغرقا ، والنسخ يجوز أن يرد على جميع حكم النص فيرفعه ; فيصح أن يوجب أربع ركعات ، ثم ينسخها بأن يقول : لا تصلوها ، ولا يصح أن يقول : صلوا أربعا إلا أربعا أو إلا ثلاثا كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

                وهاهنا تحقيقان :

                أحدهما : قولنا : الاستثناء يرفع حكم بعض النص تجوز باعتبار دخول المستثنى في المستثنى منه لفظا ، وإلا فالاستثناء في التحقيق بيان لأنه أحد المخصصات .

                الثاني : قولي : والنسخ يجوز أن يرفع حكم جميع النص ، أجود من قول الشيخ أبي محمد : إن النسخ يرفع جميع حكم النص ; لأن النسخ قد يرفع جميع حكم النص ، وقد يرفع بعضه ، كما نسخ خمس رضعات من عشر ، وكما إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز ، وهو بعض حكم النص .




                الخدمات العلمية