الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
مختصر الروضة النَّهْيُ النَّهْيُ : اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ ، وَقَدِ اتَّضَحَ فِي الْأَوَامِرِ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ ، إِذْ لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْهُ وَازِنٌ مِنَ الْأَمْرِ عَلَى الْعَكْسِ ، وَهُوَ عَنِ السَّبَبِ الْمُفِيدِ حُكْمًا يَقْتَضِي فَسَادَهُ مُطْلَقًا إِلَّا لِدَلِيلٍ ، وَقِيلَ : النَّهْيُ عَنْهُ لِعَيْنِهِ ، لَا لِغَيْرِهِ ، لِجَوَازِ الْجِهَتَيْنِ ، وَقِيلَ : فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا ، لِجَوَازِ : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنْ فَعَلْتَ ، تَرَتَّبَ الْحُكْمُ ، نَحْوَ : لَا تَطَأْ جَارِيَةَ وَلَدِكَ ، فَإِنْ فَعَلْتَ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَكَ ، وَلَا تُطَلِّقْ فِي الْحَيْضِ فَإِنْ فَعَلْتَ وَقَعَ ، وَلَا تَغْسِلِ الثَّوْبَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ وَيَطْهُرُ إِنْ فَعَلْتَ ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعِبَادَةَ قُرْبَةٌ ، وَارْتِكَابُ النَّهْيِ مَعْصِيَةٌ ; فَيَتَنَاقَضَانِ بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ . الثَّانِي : أَنَّ فَسَادَ الْمُعَامَلَاتِ بِالنَّهْيِ يَضُرُّ بِالنَّاسِ لِقَطْعِ مَعَايِشِهِمْ أَوْ تَقْلِيلِهَا ; فَصَحَّتْ رِعَايَةً لِمَصْلَحَتِهِمْ ، وَعَلَيْهِمْ إِثْمُ ارْتِكَابِ النَّهْيِ ، بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ ; فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ; فَتَعْطِيلُهَا لَا يَضُرُّ بِهِ ، بَلْ مَنْ أَوْقَعَهَا بِسَبَبٍ صَحِيحٍ ، أَطَاعَ ، وَمَنْ لَا ، عَصَى ، وَأَمْرُ الْجَمِيعِ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي آخَرِينَ : أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ ، لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَصَوُّرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، فَإِنْ أَرَادَ الصِّحَّةَ الْعَقْلِيَّةَ ، أَيْ : الْإِمْكَانَ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْوُجُودِ ; فَنَعَمْ ، وَإِنْ أَرَادَ الشَّرْعِيَّةَ ; فَتَنَاقُضٌ : إِذْ مَعْنَاهُ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ ، يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا وَهُوَ مُحَالٌ . وَقِيلَ : لَا يَقْتَضِي فَسَادًا ، وَلَا صِحَّةً ، إِذِ النَّهْيُ خِطَابٌ تَكْلِيفِيٌّ ، وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ إِخْبَارِيٌّ وَضْعِيٌّ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا رَابِطٌ عَقْلِيٌّ ، وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْإِثْمِ بِهِ . وَلَنَا : عَلَى فَسَادِهِ مُطْلَقًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ، أَيْ : مَرْدُودُ الذَّاتِ ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى اسْتِفَادَةِ فَسَادِ الْأَحْكَامِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَسْبَابِهَا ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ دَلِيلُ تَعَلُّقِ الْمَفْسَدَةِ بِهِ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ ، إِذْ هُوَ حَكِيمٌ لَا يَنْهَى عَنْ مَصْلَحَةٍ وَإِعْدَامُ الْمُفْسَدَةِ مُنَاسِبٌ ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي اجْتِنَابَهُ ، وَتَصْحِيحَ حُكْمِهِ يَقْتَضِي قُرْبَانَهُ ; فَيَتَنَاقَضَانِ ، وَالشَّارِعُ بَرِيءٌ مِنَ التَّنَاقُضِ . وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لِذَاتِهِ ، أَوْ وَصْفٍ لَازِمٍ لَهُ مُبْطَلٌ ، وَلِخَارِجٍ عَنْهُ غَيْرُ مُبْطَلٍ ، وَفِيهِ لِوَصْفٍ غَيْرِ لَازِمٍ تَرَدُّدٌ ، وَالْأَوْلَى الصِّحَّةُ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " النَّهْيُ : اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ " ، لَمَّا فَرَغَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَمْرِ ; شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ النَّهْيِ . فَقَوْلُهُ : " النَّهْيُ : اقْتِضَاءٌ " ، أَيْ : طَلَبٌ ، وَهُوَ جِنْسٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ يَعُمُّ طَلَبَ الْفِعْلِ ، وَطَلَبَ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْلِ . فَبِقَوْلِهِ : " اقْتِضَاءُ كَفٍّ " ، خَرَجَ عَنْهُ الْأَمْرُ ; لِأَنَّهُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ . وَقَوْلُهُ : " عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ " ; فَائِدَتُهُ مَا سَبَقَ فِي الْأَمْرِ ، وَهُوَ الِاحْتِرَازُ مِنَ السُّؤَالِ ، نَحْوَ : لَا تُعَذِّبْنَا ، وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [ الْبَقَرَةِ : 286 ] ، وَمِنَ الِالْتِمَاسِ ، نَحْوَ قَوْلِ الْمُسَاوِي لِمُسَاوِيهِ : لَا تَضْرِبْ فُلَانًا ، لَا تُؤْذِهِ ، عَلَى جِهَةِ الشَّفَاعَةِ ; فَطَلَبُ الْفِعْلِ أَوِ الْكَفِّ عَنْهُ ، بِصِيغَةِ افْعَلْ أَوْ لَا تَفْعَلْ إِنْ كَانَا مِنْ أَدْنَى ; فَهُوَ دُعَاءٌ ، أَوْ مِنْ مُسَاوٍ ; فَهُوَ شَفَاعَةٌ وَالْتِمَاسٌ ، أَوْ مِنْ أَعْلَى عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ ; فَهُوَ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا . قَوْلُهُ : " وَقَدِ اتَّضَحَ فِي الْأَوَامِرِ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ " ، أَيْ : أَكْثَرُ أَحْكَامِ النَّهْيِ " إِذْ لِكُلِّ حُكْمٍ مِنْهُ " ، أَيْ : مِنَ النَّهْيِ ، " وَزَانٌ مِنَ الْأَمْرِ " ، أَيْ : حُكْمُ مُوَازَنَةٍ " عَلَى الْعَكْسِ " . مِثَالُهُ : فِي حَدِّهِمَا : أَنَّ الْأَمْرَ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ ، وَالنَّهْيَ اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ ، وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ ، مَعَ احْتِمَالِ النَّدْبِ . وَالنَّهْيُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ ، مَعَ احْتِمَالِ الْكَرَاهَةِ ، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ : افْعَلْ ، وَصِيغَةُ النَّهْيِ : لَا تَفْعَلْ ، وَالنَّهْيُ يَلْزَمُهُ التَّكْرَارُ ، وَالْفَوْرُ وَالْأَمْرُ يَلْزَمَانِهِ ، عَلَى خِلَافٍ فِيهِ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَكَمَا يَخْرُجُ الْمُكَلَّفُ عَنْ عُهْدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِفِعْلِهِ ، كَذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِتَرْكِهِ ; فَهَذَا مَعْنَى الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية