الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                          المقنع لابن قدامة

                                                                                                                          وإذا وكل اثنين ، لم يجز لأحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه ولا يجوز للوكيل في البيع أن يبيع لنفسه ، وعنه : يجوز إذا زاد على مبلغ ثمنه في النداء ، أو وكل من يبيع وكان هو أحد المشترين وهل يجوز أن يبيعه لولده ، أو والده ، أو مكاتبه على وجهين ، ولا يجوز أن يبيع نساء ، ولا يغير نقد البلد ويحتمل أن يجوز كالمضارب ، وإن باع بدون ثمن المثل ، أو بأنقص مما قدره له ، صح ويضمن النقص ويحتمل أن لا يصح ، وإن باع بأكثر من ثمن المثل ، صح سواء أكانت الزيادة من جنس الثمن الذي أمره به ، أو لم تكن ، وإن قال : بعه بدرهم فباعه بدينار ، صح في أحد الوجهين وإن قال : بعه بألف نساء فباعه بألف حالة ، صح إن كان لا يستضر بحفظ الثمن في الحال ، وإن وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل ، أو بأكثر مما قدره له ، أو وكله في بيع شيء فباع نصفه ، لم يصح وإن اشتراه بما قدره له مؤجلا ، أو قال : اشتر لي شاة بدينار فاشترى له شاتين تساوي إحداهما دينارا ، أو اشترى له شاة تساوي دينارا بأقل منه صح ، وإلا فلا وليس له شراء معيب ، فإن وجد بما اشترى عيبا فله الرد فإن قال البائع : موكلك قد رضي بالعيب فالقول قول الوكيل مع يمينه إنه لا يعلم ذلك ، فإن رده فصدق الموكل البائع في الرضا بالعيب فهل يصح الرد ؛ على وجهين ، وإن وكله في شراء معين فاشتراه ووجده معيبا فهل له رده قبل إعلام الموكل على وجهين ، فإن قال : اشتر لي بعين هذا الثمن فاشترى له في ذمته لم يلزم الموكل ، فإن قال : اشتر لي في ذمتك ، وأنقد الثمن فاشترى بعينه ، صح ولزم الموكل ، وإن أمره ببيعه في سوق بثمن فباعه به في آخر صح ، وإن قال : بعه لزيد فباعه من غيره ، لم يصح وإن وكله في بيع شيء ملك تسليمه ، ولم يملك قبض ثمنه ، صح إلا بقرينة ، فإن تعذر قبضه لم يلزم الوكيل شيء .

                                                                                                                          ( وإن وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل ، أو بأكثر مما قدره له ) لم يصح ، لأنه مأذون فيه ، وهذا إذا كان مما يتغابن الناس بمثله ، ذكره في " الشرح " ، وهذا يشكل بما سبق ، والمذهب فيه ، كما قدمه في " المحرر " ، وجزم به في " الوجيز " أنه يصح ويضمن الزيادة هو ومضارب ( أو وكله في بيع شيء فباع نصفه ، لم يصح ) ، لأنه بيع غير مأذون فيه ، ولما فيه من [ ص: 372 ] الضرر ، أشبه ما لو وكله في شراء شيء فاشترى بعضه ومحله ما إذا باعه بدون ثمن المثل ، فلو باعه بثمن جميعه ، صح ، ذكره في " المغني " ، و " الشرح " ، و " الوجيز " ، وعلى الأول : ما لم يبع الباقي ، أو يكن عبيدا ، أو صبرة ونحوها ، فيصح مفرقا ما لم يأمره ببيعه صفقة واحدة .

                                                                                                                          ( وإن اشتراه بما قدره له مؤجلا ) ، صح في الأصح ، لأنه زاده خيرا ، وقيل : إن لم يتضرر ، وقيل : لا يصح للمخالفة ( أو قال : اشتر لي شاة بدينار فاشترى له شاتين تساوي إحداهما دينارا ، أو اشترى له شاة تساوي دينارا بأقل منه ، صح ) لما روى أحمد عن سفيان عن شبيب هو ابن غرقدة سمع الحي يخبرون عن عروة بن الجعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معه بدينار يشتري له به أضحية ، وقال مرة : أو شاة فاشترى له اثنتين فباع واحدة بدينار وأتاه بالأخرى فدعا له بالبركة فكان لو اشترى التراب لربح فيه ، وفي رواية قال : هذا ديناركم ، وهذه شاتكم قال : كيف صنعت ؛ فذكره ورواه البخاري في ضمن حديث متصل لعروة حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان ، ولأنه حصل له المأذون فيه وزيادة ، وفي الأخيرة حصل المقصود وزيادة ، لأنه مأذون فيه عرفا ، فإن من رضي بشراء شيء بدينار يرضى بأقل منه ، وكذا إذا اشترى شاتين كل منهما تساوي دينارا ، وفيه رواية في " المبهج " كفضولي ، وإن أبقى ما يساويه ففي بيع الآخر بغير إذن الموكل وجهان أحدهما : لا يجوز لأنه غير مأذون فيه ، أشبه بيع الشاتين ، والثاني : وهو ظاهر كلام أحمد : الجواز ، لظاهر الخبر ( وإلا فلا ) يصح إذا كانت كل منهما تساوي أقل من دينار ، لأنه لم يحصل له المقصود ، فلم يقع [ ص: 373 ] البيع له ، لكونه غير مأذون فيه لفظا ، ولا عرفا ، وكذا الشاة الموكل في شرائها بدينار تساوي أقل منه لما ذكرنا ، وفي " عيون المسائل " إن ساوى كل منهما نصف دينار ، صح للموكل لا للوكيل ، وإن كان كل واحدة لا تساوي نصف دينار فروايتان إحداهما : يصح ويقف على إجازة الموكل لخبر عروة .

                                                                                                                          تنبيه : إذا وكله في شراء معين بمائة فاشتراه بدونها جاز ما لم ينهه عن الشراء بأقل منها لمخالفة قوله ونصه ، وإن قال : اشتره بها ، ولا تشتره بخمسين جاز له شراؤه بما فوق الخمسين ، فإن اشتراه بما دون الخمسين جاز في وجه ومن وكل في شراء شيء معين بثمن معلوم فله شراؤه لنفسه بمثل ذلك الثمن ، وغيره .

                                                                                                                          ( وليس له شراء معيب ) أي : لا يجوز له ، لأن الإطلاق يقتضي السلامة ، ولذلك جاز له الرد به ومحله ما لم يعينه له موكله ، فإن فعل عالما بعيبه لزمه إن لم يرضه موكله ، ولم يرده ، وكذا لا يرده الموكل وحكاه في الحاشية قولا ، وفيه نظر ، فإن اشتراه بعين المال لم يصح على المذهب ( فإن وجد بما اشترى عيبا ) أي : جهل عيبه ( فله الرد ) ، لأنه قائم مقام الموكل وله أيضا الرد ، لأنه ملكه ، فإن حضر قبل رد الوكيل ورضي بالعيب لم يكن للوكيل رده ، لأن الحق له بخلاف المضارب ، لأن له حقا ، فلا يسقط برضا غيره ، فإن طلب البائع الإمهال حتى يحضر الموكل لم يلزمه ذلك ، لأنه لم يأمن فوات الرد ، فإن أخره بناء على قول ، فلم يرض به الموكل فله الرد ، وإن قلنا : هو على الفور ، لأنه أخره بإذن البائع ، وإن أنكر البائع أن الشراء وقع [ ص: 374 ]
                                                                                                                          له لزم الوكيل ، وقيل : الموكل وله أرشه ، وذكر الأزجي : إن جهل عيبه ، وقد اشترى بعين المال فهل يقع عن الموكل ؛ فيه خلاف ( فإن قال البائع : موكلك قد رضي بالعيب فالقول قول الوكيل مع يمينه ) ، لأنه منكر ، والقول قوله معها ، لأن الأصل عدم الرضا ، فلا يقبل إلا ببينة ، فإن لم يقمها لم يستحلف الوكيل إلا أن يدعي علمه فيحلف على نفي العلم ، ذكره في " الشرح " ( إنه لا يعلم ذلك ) أي : لا يعلم رضا موكله ، لأنه يجوز أن يعلم رضاه ، وهو مسقط للردة ، وإنما كانت على النفي ، لأنها على فعل الغير ، فإذا حلف أخذ حقه في الحال ، وقيل : يقف على حلف موكله إن طلبه الخصم ، وكذا قول كل غريم لوكيل غائب في قبض حقه أبرأني موكلك ، أو قبضه ويحكم ببينة إن حكم على غائب ( فإن رده فصدق الموكل البائع في الرضا بالعيب فهل يصح الرد ؛ على وجهين ) كذا في " الشرح " ، و " الفروع " أشهرهما : لا يصح الرد ، وهو باق للموكل ، لأن رضا الموكل بالعيب عزل للوكيل عن الرد ومنع له ، بدليل أن الوكيل لو علمه لم يكن له الرد ، فعلى هذا للموكل استرجاعه وللبائع رده عليه ، والثاني : يصح بناء على أن الوكيل لا ينعزل قبل العلم بعزله فيكون الرد صادف ولاية ، فعلى هذا يجدد الموكل العقد ( وإن وكله في شراء معين فاشتراه ووجده معيبا فهل له رده قبل إعلام الموكل على وجهين ) كذا في " الفروع " أحدهما : له ذلك ، لأن الأمر يقتضي السلامة ، أشبه ما لو وكله في شراء موصوف ، والثاني : وهو الأشهر : لا ، لأن الموكل قطع نظره بالتعيين فربما رضيه بجميع صفاته ، وعلى الأول حكمه حكم غير المعين ، وإن علم عيبه قبل شرائه فهل له شراؤه ؛ فيه وجهان مبنيان على رده إذا علم عيبه بعد شرائه ، والمقدم له شراؤه ( فإن قال : اشتر لي [ ص: 375 ] بعين هذا الثمن فاشترى له في ذمته لم يلزم الموكل ) ، لأن الثمن إذا تعين انفسخ العقد بتلفه ، أو كونه مغصوبا ، ولم يلزمه ثمن في ذمته ، وهذا غرض صحيح للموكل ، فلم تجز مخالفته ، وظاهره ، ولو نقد المعين ويقع الشراء للوكيل وهل يقف على إجازة الموكل فيه الروايتان ( فإن قال : اشتر لي في ذمتك ، وأنقد الثمن فاشترى بعينه ، صح ولزم الموكل ) ، ذكره أصحابنا ، لأنه أذن له في عقد يلزمه به الثمن مع بقاء الدراهم وتلفها ، فكان إذنا في عقد لا يلزمه الثمن إلا مع بقائها ، وقيل : إن رضي به ، وإلا بطل ، وقيل : لا يصح ، لأنه قد يكون له غرض في الشراء في الذمة لشبهة فيها ، أو يختار وقوع عقد لا ينفسخ بتلفها ، ولا تبطل بتحريمها ، فلم يجز مخالفة غرضه لصحته ، وإن أطلق جاز ، وليس له العقد مع فقير ، وقاطع طريق إلا أن يأمره . نقله الأثرم ( وإن أمره ببيعه في سوق بثمن فباعه به في آخر ، صح ) ، لأن القصد البيع بما قدره له ، وقد حصل كالإجارة وغيرها ، هذا إذا كان هو وغيره سواء ، فإن كان له غرض صحيح تعين ، كما لو كان السوق معروفا بجودة النقد ، أو كثرة الثمن ، أو حله ، أو صلاح أهله ( وإن قال : بعه لزيد فباعه من غيره ، لم يصح ) بغير خلاف نعلمه ، لأنه قد يقصد نفعه ، فلا تجوز مخالفته ، وفي " المغني " ، و " الشرح " إلا أن يعلم بقرينة ، أو صريح أنه لا غرض له في عين المشتري .

                                                                                                                          قاعدة : حقوق العقد وهي تسليم الثمن ، وقبض المبيع ، والرد بالعيب وضمان الدرك يتعلق بالموكل ، لأنه لا يعتق قريب وكيل عليه ، وقال أبو حنيفة : يدخل في ملك الوكيل ، ثم ينتقل عنه إلى الموكل ، ورد بأنه قبل عقدا لغيره [ ص: 376 ] فوجب أن ينتقل الملك إليه كالأب ، والوصي وكما لو تزوج له ، ويتفرع عليهما لو وكل مسلم ذميا في شراء خمر فاشتراه له لم يصح على الأول ، لا الثاني ، وإذا باع الوكيل بثمن معين ثبت الملك للموكل في الثمن ، وإن كان في الذمة فللموكل والوكيل المطالبة به ، وعنده ليس للموكل المطالبة به ، وفي " المغني " ، و " الشرح " إن اشترى وكيل في شراء في الذمة فكضامن ، وقال الشيخ تقي الدين : فيمن وكل في بيع ، أو استئجار ، فإن لم يتم موكله في العقد فضامن ، وإلا فروايتان وظاهر المذهب يضمنه ، ولو وكل رجلا يستسلف له ألفا في كر حنطة ، ففعل ملك الموكل ثمنها ، والوكيل ضامن .

                                                                                                                          ( وإن وكله في بيع شيء ملك تسليمه ) ، لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضي التسليم لكونه من تمامه ( ولم يملك قبض ثمنه ) كذا أطلقه الأكثر ، لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن ، والمذهب عند الشيخين أنه يقيد ( إلا بقرينة ) ، فعلى هذا إن كانت الحال تدل على القبض مثل توكيله في بيع شيء في سوق غائب عن الموكل ، أو بموضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له كان إذنا في قبضه ، فإن تركه ضمنه ، لأنه يعد مفرطا ، وإن لم تدل القرينة على ذلك لم يكن له قبضه ، وقيل : يملكه مطلقا ، لأنه من موجب البيع فملكه كتسليم المبيع ، فلا يسلمه قبله ، فإن فعل ضمنه ، وعلى الأول ( فإن تعذر قبضه لم يلزم الوكيل شيء ) كظهور مبيعه مستحقا ، أو معيبا كحاكم وأمينه ، ولأنه ليس بمفرط فيه لكونه لا يملكه .

                                                                                                                          تنبيه : وكله في شراء شيء ملك تسليم ثمنه ، لأنه من تتمته وحقوقه كتسليم [ ص: 377 ]
                                                                                                                          المبيع ، فإن اشترى عبدا ، فنقد ثمنه ، فخرج مستحقا ، فهل يملك أن يخاصم البائع في الثمن ؛ على وجهين ، وإن اشترى شيئا وقبضه وأخر تسليم ثمنه لغير عذر فهلك في يده ضمنه ، نص عليه ، وليس لوكيل في بيع تقليبه على مشتر إلا بحضرته ، وإلا ضمن ، ذكره في " النوادر " ويتوجه العرف ، ولا بيعه ببلد آخر في الأصح فيضمن ويصح . ومع مؤنة نقل لا ، ذكره في " الانتصار " .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          الخدمات العلمية