المقنع لابن قدامة
وإذا وكل اثنين ، لم يجز لأحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه ولا يجوز للوكيل في البيع أن يبيع لنفسه ، وعنه : يجوز إذا زاد على مبلغ ثمنه في النداء ، أو وكل من يبيع وكان هو أحد المشترين وهل يجوز أن يبيعه لولده ، أو والده ، أو مكاتبه على وجهين ، ولا يجوز أن يبيع نساء ، ولا يغير نقد البلد ويحتمل أن يجوز كالمضارب ، وإن باع بدون ثمن المثل ، أو بأنقص مما قدره له ، صح ويضمن النقص ويحتمل أن لا يصح ، وإن باع بأكثر من ثمن المثل ، صح سواء أكانت الزيادة من جنس الثمن الذي أمره به ، أو لم تكن ، وإن قال : بعه بدرهم فباعه بدينار ، صح في أحد الوجهين وإن قال : بعه بألف نساء فباعه بألف حالة ، صح إن كان لا يستضر بحفظ الثمن في الحال ، وإن وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل ، أو بأكثر مما قدره له ، أو وكله في بيع شيء فباع نصفه ، لم يصح وإن اشتراه بما قدره له مؤجلا ، أو قال : اشتر لي شاة بدينار فاشترى له شاتين تساوي إحداهما دينارا ، أو اشترى له شاة تساوي دينارا بأقل منه صح ، وإلا فلا وليس له شراء معيب ، فإن وجد بما اشترى عيبا فله الرد فإن قال البائع : موكلك قد رضي بالعيب فالقول قول الوكيل مع يمينه إنه لا يعلم ذلك ، فإن رده فصدق الموكل البائع في الرضا بالعيب فهل يصح الرد ؛ على وجهين ، وإن وكله في شراء معين فاشتراه ووجده معيبا فهل له رده قبل إعلام الموكل على وجهين ، فإن قال : اشتر لي بعين هذا الثمن فاشترى له في ذمته لم يلزم الموكل ، فإن قال : اشتر لي في ذمتك ، وأنقد الثمن فاشترى بعينه ، صح ولزم الموكل ، وإن أمره ببيعه في سوق بثمن فباعه به في آخر صح ، وإن قال : بعه لزيد فباعه من غيره ، لم يصح وإن وكله في بيع شيء ملك تسليمه ، ولم يملك قبض ثمنه ، صح إلا بقرينة ، فإن تعذر قبضه لم يلزم الوكيل شيء .
( وإن وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل ، أو بأكثر مما قدره له ) لم يصح ، لأنه مأذون فيه ، وهذا إذا كان مما يتغابن الناس بمثله ، ذكره في " الشرح " ، وهذا يشكل بما سبق ، والمذهب فيه ، كما قدمه في " المحرر " ، وجزم به في " الوجيز " أنه يصح ويضمن الزيادة هو ومضارب ( أو وكله في بيع شيء فباع نصفه ، لم يصح ) ، لأنه بيع غير مأذون فيه ، ولما فيه من [ ص: 372 ] الضرر ، أشبه ما لو وكله في شراء شيء فاشترى بعضه ومحله ما إذا باعه بدون ثمن المثل ، فلو باعه بثمن جميعه ، صح ، ذكره في " المغني " ، و " الشرح " ، و " الوجيز " ، وعلى الأول : ما لم يبع الباقي ، أو يكن عبيدا ، أو صبرة ونحوها ، فيصح مفرقا ما لم يأمره ببيعه صفقة واحدة .
( وإن اشتراه بما قدره له مؤجلا ) ، صح في الأصح ، لأنه زاده خيرا ، وقيل : إن لم يتضرر ، وقيل : لا يصح للمخالفة ( أو قال : اشتر لي شاة بدينار فاشترى له شاتين تساوي إحداهما دينارا ، أو اشترى له شاة تساوي دينارا بأقل منه ، صح ) لما روى أحمد عن سفيان عن شبيب هو ابن غرقدة سمع الحي يخبرون عن عروة بن الجعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معه بدينار يشتري له به أضحية ، وقال مرة : أو شاة فاشترى له اثنتين فباع واحدة بدينار وأتاه بالأخرى فدعا له بالبركة فكان لو اشترى التراب لربح فيه ، وفي رواية قال : هذا ديناركم ، وهذه شاتكم قال : كيف صنعت ؛ فذكره ورواه البخاري في ضمن حديث متصل لعروة حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان ، ولأنه حصل له المأذون فيه وزيادة ، وفي الأخيرة حصل المقصود وزيادة ، لأنه مأذون فيه عرفا ، فإن من رضي بشراء شيء بدينار يرضى بأقل منه ، وكذا إذا اشترى شاتين كل منهما تساوي دينارا ، وفيه رواية في " المبهج " كفضولي ، وإن أبقى ما يساويه ففي بيع الآخر بغير إذن الموكل وجهان أحدهما : لا يجوز لأنه غير مأذون فيه ، أشبه بيع الشاتين ، والثاني : وهو ظاهر كلام أحمد : الجواز ، لظاهر الخبر ( وإلا فلا ) يصح إذا كانت كل منهما تساوي أقل من دينار ، لأنه لم يحصل له المقصود ، فلم يقع [ ص: 373 ] البيع له ، لكونه غير مأذون فيه لفظا ، ولا عرفا ، وكذا الشاة الموكل في شرائها بدينار تساوي أقل منه لما ذكرنا ، وفي " عيون المسائل " إن ساوى كل منهما نصف دينار ، صح للموكل لا للوكيل ، وإن كان كل واحدة لا تساوي نصف دينار فروايتان إحداهما : يصح ويقف على إجازة الموكل لخبر عروة .
تنبيه : إذا وكله في شراء معين بمائة فاشتراه بدونها جاز ما لم ينهه عن الشراء بأقل منها لمخالفة قوله ونصه ، وإن قال : اشتره بها ، ولا تشتره بخمسين جاز له شراؤه بما فوق الخمسين ، فإن اشتراه بما دون الخمسين جاز في وجه ومن وكل في شراء شيء معين بثمن معلوم فله شراؤه لنفسه بمثل ذلك الثمن ، وغيره .
( وليس له شراء معيب ) أي : لا يجوز له ، لأن الإطلاق يقتضي السلامة ، ولذلك جاز له الرد به ومحله ما لم يعينه له موكله ، فإن فعل عالما بعيبه لزمه إن لم يرضه موكله ، ولم يرده ، وكذا لا يرده الموكل وحكاه في الحاشية قولا ، وفيه نظر ، فإن اشتراه بعين المال لم يصح على المذهب ( فإن وجد بما اشترى عيبا ) أي : جهل عيبه ( فله الرد ) ، لأنه قائم مقام الموكل وله أيضا الرد ، لأنه ملكه ، فإن حضر قبل رد الوكيل ورضي بالعيب لم يكن للوكيل رده ، لأن الحق له بخلاف المضارب ، لأن له حقا ، فلا يسقط برضا غيره ، فإن طلب البائع الإمهال حتى يحضر الموكل لم يلزمه ذلك ، لأنه لم يأمن فوات الرد ، فإن أخره بناء على قول ، فلم يرض به الموكل فله الرد ، وإن قلنا : هو على الفور ، لأنه أخره بإذن البائع ، وإن أنكر البائع أن الشراء وقع [ ص: 374 ] له لزم الوكيل ، وقيل : الموكل وله أرشه ، وذكر الأزجي : إن جهل عيبه ، وقد اشترى بعين المال فهل يقع عن الموكل ؛ فيه خلاف ( فإن قال البائع : موكلك قد رضي بالعيب فالقول قول الوكيل مع يمينه ) ، لأنه منكر ، والقول قوله معها ، لأن الأصل عدم الرضا ، فلا يقبل إلا ببينة ، فإن لم يقمها لم يستحلف الوكيل إلا أن يدعي علمه فيحلف على نفي العلم ، ذكره في " الشرح " ( إنه لا يعلم ذلك ) أي : لا يعلم رضا موكله ، لأنه يجوز أن يعلم رضاه ، وهو مسقط للردة ، وإنما كانت على النفي ، لأنها على فعل الغير ، فإذا حلف أخذ حقه في الحال ، وقيل : يقف على حلف موكله إن طلبه الخصم ، وكذا قول كل غريم لوكيل غائب في قبض حقه أبرأني موكلك ، أو قبضه ويحكم ببينة إن حكم على غائب ( فإن رده فصدق الموكل البائع في الرضا بالعيب فهل يصح الرد ؛ على وجهين ) كذا في " الشرح " ، و " الفروع " أشهرهما : لا يصح الرد ، وهو باق للموكل ، لأن رضا الموكل بالعيب عزل للوكيل عن الرد ومنع له ، بدليل أن الوكيل لو علمه لم يكن له الرد ، فعلى هذا للموكل استرجاعه وللبائع رده عليه ، والثاني : يصح بناء على أن الوكيل لا ينعزل قبل العلم بعزله فيكون الرد صادف ولاية ، فعلى هذا يجدد الموكل العقد ( وإن وكله في شراء معين فاشتراه ووجده معيبا فهل له رده قبل إعلام الموكل على وجهين ) كذا في " الفروع " أحدهما : له ذلك ، لأن الأمر يقتضي السلامة ، أشبه ما لو وكله في شراء موصوف ، والثاني : وهو الأشهر : لا ، لأن الموكل قطع نظره بالتعيين فربما رضيه بجميع صفاته ، وعلى الأول حكمه حكم غير المعين ، وإن علم عيبه قبل شرائه فهل له شراؤه ؛ فيه وجهان مبنيان على رده إذا علم عيبه بعد شرائه ، والمقدم له شراؤه ( فإن قال : اشتر لي [ ص: 375 ] بعين هذا الثمن فاشترى له في ذمته لم يلزم الموكل ) ، لأن الثمن إذا تعين انفسخ العقد بتلفه ، أو كونه مغصوبا ، ولم يلزمه ثمن في ذمته ، وهذا غرض صحيح للموكل ، فلم تجز مخالفته ، وظاهره ، ولو نقد المعين ويقع الشراء للوكيل وهل يقف على إجازة الموكل فيه الروايتان ( فإن قال : اشتر لي في ذمتك ، وأنقد الثمن فاشترى بعينه ، صح ولزم الموكل ) ، ذكره أصحابنا ، لأنه أذن له في عقد يلزمه به الثمن مع بقاء الدراهم وتلفها ، فكان إذنا في عقد لا يلزمه الثمن إلا مع بقائها ، وقيل : إن رضي به ، وإلا بطل ، وقيل : لا يصح ، لأنه قد يكون له غرض في الشراء في الذمة لشبهة فيها ، أو يختار وقوع عقد لا ينفسخ بتلفها ، ولا تبطل بتحريمها ، فلم يجز مخالفة غرضه لصحته ، وإن أطلق جاز ، وليس له العقد مع فقير ، وقاطع طريق إلا أن يأمره . نقله الأثرم ( وإن أمره ببيعه في سوق بثمن فباعه به في آخر ، صح ) ، لأن القصد البيع بما قدره له ، وقد حصل كالإجارة وغيرها ، هذا إذا كان هو وغيره سواء ، فإن كان له غرض صحيح تعين ، كما لو كان السوق معروفا بجودة النقد ، أو كثرة الثمن ، أو حله ، أو صلاح أهله ( وإن قال : بعه لزيد فباعه من غيره ، لم يصح ) بغير خلاف نعلمه ، لأنه قد يقصد نفعه ، فلا تجوز مخالفته ، وفي " المغني " ، و " الشرح " إلا أن يعلم بقرينة ، أو صريح أنه لا غرض له في عين المشتري .
قاعدة : حقوق العقد وهي تسليم الثمن ، وقبض المبيع ، والرد بالعيب وضمان الدرك يتعلق بالموكل ، لأنه لا يعتق قريب وكيل عليه ، وقال أبو حنيفة : يدخل في ملك الوكيل ، ثم ينتقل عنه إلى الموكل ، ورد بأنه قبل عقدا لغيره [ ص: 376 ] فوجب أن ينتقل الملك إليه كالأب ، والوصي وكما لو تزوج له ، ويتفرع عليهما لو وكل مسلم ذميا في شراء خمر فاشتراه له لم يصح على الأول ، لا الثاني ، وإذا باع الوكيل بثمن معين ثبت الملك للموكل في الثمن ، وإن كان في الذمة فللموكل والوكيل المطالبة به ، وعنده ليس للموكل المطالبة به ، وفي " المغني " ، و " الشرح " إن اشترى وكيل في شراء في الذمة فكضامن ، وقال الشيخ تقي الدين : فيمن وكل في بيع ، أو استئجار ، فإن لم يتم موكله في العقد فضامن ، وإلا فروايتان وظاهر المذهب يضمنه ، ولو وكل رجلا يستسلف له ألفا في كر حنطة ، ففعل ملك الموكل ثمنها ، والوكيل ضامن .
( وإن وكله في بيع شيء ملك تسليمه ) ، لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضي التسليم لكونه من تمامه ( ولم يملك قبض ثمنه ) كذا أطلقه الأكثر ، لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن ، والمذهب عند الشيخين أنه يقيد ( إلا بقرينة ) ، فعلى هذا إن كانت الحال تدل على القبض مثل توكيله في بيع شيء في سوق غائب عن الموكل ، أو بموضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له كان إذنا في قبضه ، فإن تركه ضمنه ، لأنه يعد مفرطا ، وإن لم تدل القرينة على ذلك لم يكن له قبضه ، وقيل : يملكه مطلقا ، لأنه من موجب البيع فملكه كتسليم المبيع ، فلا يسلمه قبله ، فإن فعل ضمنه ، وعلى الأول ( فإن تعذر قبضه لم يلزم الوكيل شيء ) كظهور مبيعه مستحقا ، أو معيبا كحاكم وأمينه ، ولأنه ليس بمفرط فيه لكونه لا يملكه .
تنبيه : وكله في شراء شيء ملك تسليم ثمنه ، لأنه من تتمته وحقوقه كتسليم [ ص: 377 ] المبيع ، فإن اشترى عبدا ، فنقد ثمنه ، فخرج مستحقا ، فهل يملك أن يخاصم البائع في الثمن ؛ على وجهين ، وإن اشترى شيئا وقبضه وأخر تسليم ثمنه لغير عذر فهلك في يده ضمنه ، نص عليه ، وليس لوكيل في بيع تقليبه على مشتر إلا بحضرته ، وإلا ضمن ، ذكره في " النوادر " ويتوجه العرف ، ولا بيعه ببلد آخر في الأصح فيضمن ويصح . ومع مؤنة نقل لا ، ذكره في " الانتصار " .


