الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                          المقنع لابن قدامة بَابُ الرَّهْنِ وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ وَبَعْدَهُ ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ . المبدع شرح المقنع بَابُ الرَّهْنِ هُوَ فِي اللُّغَةِ : الثُّبُوتُ ، وَالدَّوَامُ يُقَالُ مَاءٌ رَاهِنٌ أَيْ : رَاكِدٌ وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ أَيْ : دَائِمَةٌ ، وَقِيلَ : هُوَ الْحَبْسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ الْمُدَّثِّرِ : 38 ] أَيْ : مَحْبُوسَةٌ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ : لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ ثَابِتٌ فِي مَكَانٍ لَا يُزَايِلُهُ قَالَ الشَّاعِرُ : وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا لِوَجْدِهِ بِهَا بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ فَيَحْبِسُهُ عِنْدَهُ ، وَلَا يُفَارِقُهُ ، وَغَلْقُ الرَّهْنِ : اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إِيَّاهُ لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ ( وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوَفَاءِ مِنَ الْمَدِينِ ، فَعَلَى هَذَا هُوَ فِي الشَّرْعِ : جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ يُسْتَوْفَى مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ، وَفِي الزَّرْكَشِيِّ تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ ، أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى قَوْلٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ إِنْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ الْبَقَرَةِ : 283 ] ، وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَيَجُوزُ فِي الْحَضَرِ كَالسَّفَرِ خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ وَرُدَّ بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَذِكْرُ السَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِكَوْنِ الْكَاتِبِ يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا ، وَهُوَ لَا يُشْتَرَطُ مَعَ ذِكْرِهِ فِيهَا ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعًا ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ ، فَلَمْ يَجِبْ كَالضَّمَانِ . تَنْبِيهٌ : يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَيَصِحُّ تَبَرُّعُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعٌ ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ : لِوَلِيٍّ رَهْنُهُ عِنْدَ أَمِينٍ لِمَصْلَحَةٍ كَحَلِّ دَيْنٍ عَلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ بِدُونِ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ وَجِنْسِهِ وَمِلْكِهِ ، وَلَوْ مَنَافِعُهُ بِإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ بِإِذْنِ مُؤَجَّرٍ وَمُعِيرٍ ( لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ ) أَيْ : بَعْدَ قَبْضِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَلَزِمَ مِنْ جِهَتِهِ كَالضَّمَانِ فِي حَقِّ الضَّامِنِ ( جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ) ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ لَهُ وَحْدَهُ فَكَانَ لَهُ فَسْخُهُ كَالْمَضْمُونِ لَهُ ( يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ ) بِأَنْ يَقُولَ : بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ إِلَى شَهْرٍ تُرْهِنُنِي بِهَا عَبْدَكَ فَيَقُولُ : اشْتَرَيْتُ مِنْكَ وَرَهَنْتُكَ عَبْدِي ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى جَوَازِهِ إِذَنْ ( وَبَعْدَهُ ) بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى أَخْذِ الْوَثِيقَةِ بِهِ كَالضَّمَانِ ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا عَنِ الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ فِي مَحَلِّهَا ، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْمُدَايَنَةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ ( وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ ثُبُوتِهِ كَالشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ أَيْضًا تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، فَلَا يَسْبِقُهُ كَالثَّمَنِ لَا يَتَقَدَّمُ الْمَبِيعَ ( إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ ) ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ . قَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ فَجَازَ قَبْلَهُ كَالضَّمَانِ ، أَوْ فَجَازَ عَلَى حَقٍّ يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَضَمَانِ الدَّرَكِ وَرُدَّ بِالْمَنْعِ ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الضَّمَانَ إِلْزَامُ مَالٍ تَبَرُّعًا فَجَازَ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ثَابِتٍ كَالنَّذْرِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ : رَهَنْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ تُقْرِضْنِيهَا فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ أَقْرَضَهُ إِيَّاهَا فَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى قَوْلِهِ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُهَا لِتَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ . تَنْبِيهٌ : يَصِحُّ بِكُلِّ دَيْنٍ وَاجِبٍ ، أَوْ مَآلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى عَلَى عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ ، وَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ، وَنَفْعِ إِجَارَةٍ فِي الذِّمَّةِ لَا عَلَى دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةٍ قَبْلَ الْحَوْلِ لَا مَا بَعْدَهُ ، وَقِيلَ : وَجُعِلَ قَبْلَ الْعَمَلِ وَجْهَانِ كَدَيْنِ كِتَابَةٍ ، وَلَا يَصِحُّ بِعُهْدَةِ مَبِيعٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ كَثَمَنٍ مُعَيَّنٍ وَأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي إِجَارَةٍ ، وَإِجَارَةِ مَنَافِعَ مُعَيَّنَةٍ كَدَارٍ وَنَحْوِهَا .

                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                          الخدمات العلمية