الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                          [ ص: 201 ] باب صيد الحرم ونباته  وهو حرام على الحلال والمحرم ، فمن أتلف من صيده شيئا ، فعليه ما على المحرم في مثله وإن رمى الحلال من الحل صيدا في الحرم ، أو أرسل كلبه عليه ، أو قتل صيدا على غصن في الحرم أصله في الحل ، أو أمسك طائرا فيه ، فهلك فراخه في الحرم ، ضمن في أصح الروايتين . وإن قتل من الحرم صيدا في الحل بسهمه أو كلبه أو صيدا على غصن في الحل أصله في الحرم ، أو أمسك حمامة في الحرم ، فهلك فراخها في الحل ، لم يضمن في أصح الروايتين وإن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل ، فقتل صيدا في الحرم ، فعلى وجهين ، وإن فعل ذلك بسهمه ، ضمنه

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          باب صيد الحرم ونباته ( وهو حرام على الحلال والمحرم ) إجماعا ، وسنده ما روى ابن عباس مرفوعا أنه قال يوم فتح مكة : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شوكها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تلتقط لقطتها إلا من عرفها فقال العباس : إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال : إلا الإذخر . متفق عليه . ويحرم على دال لا يتعلق به ضمان ، وعلم منه أن مكة كانت حراما قبل إبراهيم ، وعليه أكثر العلماء ، وقيل : إنما حرمت بسؤال إبراهيم وفي " الصحيحين " : من غير وجه أن إبراهيم حرمها أي : أظهر تحريمها ، وبينه .

                                                                                                                          ( فمن أتلف من صيده شيئا ، فعليه ما على المحرم في مثله ) ، نص عليه ؛ لأنه كصيد الإحرام ، ولاستوائهما في التحريم فوجب أن يستويا في الجزاء ، فعلى هذا إن كان الصيد مثليا ، ضمنه بمثله ، وإلا بقيمته ، ودل على أن كل ما يضمن من الإحرام يضمن في الحرم إلا القمل فإنه مباح في الحرم بغير خلاف نعلمه ؛ لأنه حرم في حق المحرم لأجل الرفه ، وهو مباح في الحرم كالطيب ونحوه ، ولا يجوز تملكه ، نقله الأثرم ذكره القاضي ، ولا يلزم المحرم جزاءان ، نص عليه ، وقيل : بلى .

                                                                                                                          فرع : إذا دل محل حلالا على صيد في الحرم ، فقتله ، ضمناه بجزاء واحد ، نقله الأثرم .

                                                                                                                          [ ص: 202 ] ( وإن رمى الحلال من الحل صيدا في الحرم ، أو أرسل كلبه عليه أو قتل صيدا على غصن في الحرم أصله في الحل ، أو أمسك طائرا فيه فهلك فراخه في الحرم ضمن في أصح الروايتين ) وهو قول الأكثر لعموم قوله " لا ينفر صيدها " ، وقد أجمعوا على تحريم صيد الحرم ، وهذا من صيده ، ولأنه أتلفه صيدا حرميا فضمنه كما لو كان في الحرم ، ولأن صيده معصوم محله بحرمة الحرم ، فلا يختص من في الحرم ، وحينئذ يضمن الفراخ دون أمها ; لأنها من صيد الحل .

                                                                                                                          والثانية : لا ضمان في ذلك ؛ لأن الأصل براءة الذمة إذ القاتل حلال من الحل ، ( وإن قتل من الحرم صيدا في الحل بسهمه أو كلبه أو صيدا على غصن في الحل أصله في الحرم أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل لم يضمن في أصح الروايتين ) للعموم ، ولأن الأصل الإباحة ، وليس من صيد الحرم فليس بمعصوم .

                                                                                                                          والثانية : يضمنه اختارها أبو بكر ، والقاضي وغيرهما اعتبارا بالقاتل ، ولأنه قريب من الحرم ، والغصن تابع للأصل ، فوجب الجزاء احتياطا ، وقدم في " المستوعب " : يجب ضمان الفرخ ؛ لأنه سبب تلفه ، وإن فرخ في مكان يحتاج إلى نقله عنه بالخلاف .

                                                                                                                          تنبيه : إذا وقف صيد بعض قوائمه في الحل ، وبعضها في الحرم ، حرم تغليبا ، وعنه : لا ؛ لأن الأصل الإباحة ، ولم يثبت أنه من صيد الحرم ، وإن كان رأسه فقط فيه ، فخرجه القاضي على روايتين

                                                                                                                          [ ص: 203 ] ( وإن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل ، فقتل صيدا في الحرم فعلى وجهين ) .

                                                                                                                          أحدهما : وهو المنصوص عن أحمد : أنه لا يضمن ; لأنه لم يرسله على صيد في الحرم بل دخل باختياره أشبه ما لو استرسل بنفسه .

                                                                                                                          والثاني : وهو قول أبي بكر : عليه الجزاء ؛ لأنه قتل صيدا حرميا بإرسال طير عليه ، أشبه ما لو قتله بسهم ، وحكى صالح عن أحمد : إن كان الصيد قريبا من الحرم ، ضمنه لتفريطه ، اختاره ابن أبي موسى ، وابن عقيل ، وجزم به في " الوجيز " . فعلى هذا لا يضمن صيدا غيره ؛ لأنه لم يرسله عليه كاسترساله ، وعنه : بلى لتفريطه ( وإن فعل ذلك بسهمه ضمنه ) ؛ لأنه قتل صيدا حرميا أشبه ما لو رمى صيدا ، إذ العمد والخطأ واحد في وجوب الضمان ، وهذا لا يخرج عن واحد منهما ، وبه فارق الكلب ؛ لأن له اختيارا وقصدا ، وفي " الفروع " : إن قتل السهم صيدا غير الذي قصده فكالكلب ، وقيل : يضمنه الرامي .




                                                                                                                          الخدمات العلمية