الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                        فَرْعٌ إِذَا بَقِيَ طَعَامٌ فِي خَلَلِ أَسْنَانِهِ ، فَابْتَلَعَهُ عَمْدًا ، أَفْطَرَ . وَإِنْ جَرَى بِهِ الرِّيقُ بِغَيْرِ قَصْدٍ ، فَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ : أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ . وَالرَّبِيعُ : أَنَّهُ يُفْطِرُ . وَقِيلَ : قَوْلَانِ . وَالْأَصَحُّ حَمْلُهَا عَلَى حَالَتَيْنِ ، فَحَيْثُ قَالَ : لَا يُفْطِرُ ، أَرَادَ بِهِ مَا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ . وَحَيْثُ قَالَ : يُفْطِرُ ، أَرَادَ بِهِ مَا إِذَا قَدَرَ فَلَمْ يَفْعَلْ وَابْتَلَعَهُ . وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ : إِنْ نَقَّى أَسْنَانَهُ بِالْخِلَالِ عَلَى الْعَادَةِ ، ( فَهُوَ ) كَغُبَارِ الطَّرِيقِ ، وَإِلَّا ، أَفْطَرَ لِتَقْصِيرِهِ ، كَالْمُبَالَغَةِ فِي الْمَضْمَضَةِ . وَلِقَائِلٍ أَنْ يُنَازِعَهُمَا فِي إِلْحَاقِهِ بِالْمُبَالَغَةِ الَّتِي وَرَدَ النَّصُّ بِكَرَاهَتِهَا ، وَلِأَنَّ مَاءَ الْمُبَالَغَةِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَوْفِ . فَرْعٌ الْمَنِيُّ إِذَا خَرَجَ بِالِاسْتِمْنَاءِ ، أَفْطَرَ ، وَإِنْ خَرَجَ بِمُجَرَّدِ فِكْرٍ وَنَظَرٍ بِشَهْوَةٍ ، لَمْ يُفْطِرْ ، وَإِنْ خَرَجَ بِمُبَاشَرَةٍ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ لَمْسٍ أَوْ قُبْلَةٍ ، أَفْطَرَ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ . وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ شَيْخِهِ : أَنَّهُ حَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا ضَمَّ امْرَأَةً إِلَى نَفْسِهِ وَبَيْنَهُمَا حَائِلٌ ، فَأَنْزَلَ . قَالَ : وَهُوَ عِنْدِي كَسَبْقِ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ ، فَإِنْ ضَاجَعَهَا مُتَجَرِّدًا ، فَكَالْمُبَالَغَةِ فِي الْمَضْمَضَةِ . فَرْعٌ تُكْرَهُ الْقُبْلَةُ لِمَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ وَلَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَالثَّانِي : كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ، وَلَا تُكْرَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهَا . فَرْعٌ لَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً مِنْ بَاطِنِهِ وَلَفَظَهَا ، لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْحَنَّاطِيُّ وَكَثِيرُونَ . وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهِ وَجْهَيْنِ . ثُمَّ إِنَّ الْغَزَالِيَّ جَعَلَ مَخْرَجَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْبَاطِنِ ، وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الظَّاهِرِ . وَوَجْهُهُ لَائِحٌ ، فَإِنَّ الْمُهْمَلَةَ تَخْرُجُ مِنَ الْحَلْقِ ، وَالْحَلْقُ بَاطِنٌ ، وَالْمُعْجَمَةُ تَخْرُجُ مِمَّا قَبْلَ الْغَلْصَمَةِ ، لَكِنْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَدْرٌ مِمَّا بَعْدَ مَخْرَجِ الْمُهْمِلَةِ مِنَ الظَّاهِرِ أَيْضًا . قُلْتُ : الْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُهْمَلَةَ أَيْضًا مِنَ الظَّاهِرِ ، وَعَجَبٌ كَوْنُهُ ضَبَطَهُ بِالْمُهْمَلَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ وَسَطِ الْحَلْقِ ، وَلَمْ يَضْبُطْهُ بِالْهَاءِ أَوِ الْهَمْزَةِ ، فَإِنَّهُمَا مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ . وَأَمَّا الْمُعْجَمَةُ ، فَمِنْ أَدْنَى الْحَلْقِ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَرْعٌ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِالْإِيجَارِ مُكْرَهًا عَلَى الْمَذْهَبِ ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ ، لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الْأَظْهَرِ . وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ أُكْرِهَتْ عَلَى الْوَطْءِ ، أَوْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ ، وَقُلْنَا : يُتَصَوَّرُ إِكْرَاهُهُ ، وَلَكِنْ لَا كَفَّارَةَ وَإِنْ حَكَمْنَا بِالْفِطْرِ لِلشَّبَهِ . وَإِنْ قُلْنَا : لَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ ، أَفْطَرَ ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ . وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، لَمْ يُفْطِرْ قَطْعًا ، وَإِنْ كَثُرَ ، فَوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْكَلَامِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا . قُلْتُ : الْأَصَحُّ هُنَا : أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنْ أَكَلَ جَاهِلًا بِكَوْنِهِ مُفْطِرًا ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ وَكَانَ يَجْهَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، لَمْ يُفْطِرْ ، وَإِلَّا أَفْطَرَ . وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا ، لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ قَوْلَانِ : كَجِمَاعِ الْمُحْرِمِ نَاسِيًا . وَلَوْ أَكَلَ ظَانًّا غُرُوبَ الشَّمْسِ ، فَبَانَتْ طَالِعَةً ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، فَبَانَ طَالِعًا ، أَفْطَرَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ . وَقِيلَ : لَا يُفْطِرُ فِيهِمَا ، قَالَهُ الْمُزَنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا . وَقِيلَ : يُفْطِرُ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ لِتَقْصِيرِهِ فِي الْأُولَى . فَرْعٌ الْأَحْوَطُ لِلصَّائِمِ ، أَنْ لَا يَأْكُلَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ غُرُوبَ الشَّمْسِ ، فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْغُرُوبُ بِاجْتِهَادٍ بِوِرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، جَازَ لَهُ الْأَكْلُ عَلَى الصَّحِيحِ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ : لَا يَجُوزُ ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ بِالصَّبْرِ . وَأَمَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، فَيَجُوزُ الْأَكْلُ بِالِاجْتِهَادِ دُونَ الظَّنِّ . فَلَوْ هَجَمَ فِي الطَّرَفَيْنِ ، فَأَكَلَ بِلَا ظَنٍّ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ ، وَإِنْ تَبَيَّنَ الصَّوَابُ . اسْتَمَرَّتْ صِحَّةُ الصَّوْمِ ، وَإِنْ لَمْ يَبِنِ الْخَطَأُ وَلَا الصَّوَابُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ النَّهَارِ ، وَجَبَ الْقَضَاءُ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ ، فَلَا قَضَاءَ ، اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِيهِمَا . وَلَوْ أَكَلَ فِي آخِرِ النَّهَارِ بِالِاجْتِهَادِ ، وَقُلْنَا : لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ ، كَانَ كَمَنْ أَكَلَ بِالِاجْتِهَادِ . قُلْتُ : وَالْأَكْلُ هُجُومًا بِلَا ظَنٍّ حَرَامٌ فِي آخِرِ النَّهَارِ قَطْعًا ، وَجَائِزٌ فِي أَوَّلِهِ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ : لَا يَجُوزُ ، وَمِثْلُهُ فِي " التَّتِمَّةِ " ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُبَاحًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ ، بَلِ الْأَوْلَى تَرْكُهُ . وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَخَلَائِقُ بِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الشَّاكِّ الْأَكْلُ وَغَيْرُهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا الْقَوْلِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ . . . ) . [ الْبَقَرَةِ : 187 ] وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " كُلْ مَا شَكَكْتَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ " . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَرْعٌ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فِيهِ طَعَامٌ ، فَلْيَلْفُظْهُ ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُ ، فَإِنِ ابْتَلَعَهُ ، أَفْطَرَ . فَلَوْ لَفَظَ فِي الْحَالِ ، فَسَبَقَ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ سَبْقِ الْمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ . قُلْتُ : الصَّحِيحُ : لَا يُفْطِرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَوْ طَلَعَ وَهُوَ مَجَامِعٌ ، فَنَزَعَ فِي الْحَالِ ، صَحَّ صَوْمُهُ ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي " الْمُخْتَصَرِ " وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ صُوَرٍ . أَحَدُهَا : أَنْ يَحُسَّ بِالْفَجْرِ وَهُوَ مَجَامِعٌ ، فَنَزَعَ بِحَيْثُ يُوَافِقُ آخِرُ نَزْعِهِ الطُّلُوعَ . وَالثَّانِيَةُ : يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَهُوَ مَجَامِعٌ ، وَيَعْلَمُ بِالطُّلُوعِ فِي أَوَّلِهِ ، فَيَنْزِعُ فِي الْحَالِ . وَالثَّالِثَةُ : أَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ بَعْدَ الطُّلُوعِ ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِهِ . أَمَّا هَذِهِ الثَّالِثَةُ ، فَلَيْسَتْ مُرَادَةً بِالنَّصِّ ، بَلْ يَبْطُلُ فِيهَا الصَّوْمُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَيَجِيءُ فِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَنْ أَكَلَ ظَانًّا أَنَّ الصُّبْحَ لَمْ يَطْلُعْ ، فَبَانَ خِلَافُهُ ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ : لَوْ مَكَثَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ مُكْثَهُ مَسْبُوقٌ بِبُطْلَانِ الصَّوْمِ . وَأَمَّا الصُّورَتَانِ الْأُولَيَانِ ، فَمُرَادَتَانِ بِالنَّصِّ ، فَلَا يُبْطِلَانِ الصَّوْمَ فِيهِمَا . وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا وَجْهٌ شَاذٌّ : أَنَّهُ يَبْطُلُ . وَأَمَّا إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَعَلِمَ بِمُجَرَّدِ الطُّلُوعِ ، فَمَكَثَ ، فَيَبْطُلُ صَوْمُهُ قَطْعًا ، وَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : فِيهِمَا قَوْلَانِ . وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ فَاسْتَدَامَ ، فَهُوَ كَالْمَاكِثِ بَعْدَ الطُّلُوعِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يُعْلَمُ الْفَجْرُ بِمُجَرَّدِ طُلُوعِهِ ، وَطُلُوعُهُ الْحَقِيقِيُّ يَتَقَدَّمُ عَلَى عِلْمِنَا بِهِ ؟ فَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِجَوَابَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ عِلْمِيَّةٌ عَلَى التَّقْدِيرِ ، وَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُهَا . وَالثَّانِي : أَنَّا تَعَبَّدْنَا بِمَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ ، وَلَا مَعْنَى لِلصُّبْحِ إِلَّا ظُهُورُ الضَّوْءِ لِلنَّاظِرِ ، وَمَا قَبْلَهُ لَا حُكْمَ لَهُ . فَإِذَا كَانَ الشَّخْصُ عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ وَمَنَازِلِ الْقَمَرِ ، فَتَرَصَّدَهُ بِحَيْثُ لَا حَائِلَ ، فَهُوَ أَوَّلُ الصُّبْحِ الْمُعْتَبَرِ . قُلْتُ : هَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ ، بَلْ إِنْكَارُ تَصَوُّرِهِ غَلَطٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية