الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

جزء صفحة
فَصْلٌ : كُلُّ حَقٍّ سُمِعَتِ الدَّعْوَى فِيهِ ، وَجَازَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، وَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَى مُنْكِرِهِ ، وَرُدَّتِ الْيَمِينُ بِالنُّكُولِ عَنْهُ عَلَى مُدَّعِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ مَالًا ، كَالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ ، أَوْ غَيْرَ مَالٍ ، مِنْ قِصَاصٍ ، أَوْ نِكَاحٍ ، أَوْ طَلَاقٍ ، أَوْ عِتْقٍ ، أَوْ نَسَبٍ . هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : رَحِمَهُ اللَّهُ كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ مَالًا ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ . وَذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ : النِّكَاحُ ، وَالطَّلَاقُ ، وَالرَّجْعَةُ ، وَالْفَيْئَةُ فِي الْإِيلَاءِ ، وَدَعْوَى الرِّقِّ ، وَالِاسْتِيلَادُ ، وَالنَّسَبُ ، وَالْوَلَاءُ ، وَالْقَذْفُ . وَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْمُنْكِرِ ، وَلَا تُرَدُّ فِيهِ أَيْضًا عَلَى الْمُدَّعِي ، فَلَوِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا ، فَأَنْكَرَتْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا . وَلَوِ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا طَلَاقًا ، فَأَنْكَرَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ . وَأَنَّ وُجُوبَ الْيَمِينِ لِيُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ ، وَلَا يُحْكَمُ بِالنُّكُولِ فِيمَا لَا تَصِحُّ إِبَاحَتُهُ ، فَسَقَطَتْ فِيهِ الْيَمِينُ ، وَاسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْبَذْلَ لَا يَصِحُّ فِيهَا ، وَالنُّكُولُ بَذْلٌ ، فَلَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِالنُّكُولِ ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهَا الْيَمِينُ قِيَاسًا عَلَى حُدُودِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ . وَدَلِيلُنَا : رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْلَفَ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَتَّةِ وَاحِدَةً ، وَلِأَنَّ كُلَّ دَعْوَى لَزِمَتِ الْإِجَابَةُ عَنْهَا وَجَبَتِ الْيَمِينُ فِيهَا كَالْقِصَاصِ ، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا يَمْتَنِعُ فِيهَا اسْتِحْقَاقُ الْيَمِينِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ حُقُوقِهِمْ . فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ الْبَتَّةَ كَحَدِّ الزِّنَى وَحَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ ، فَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى فِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ عَنْهُ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِسَتْرِهِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ " . وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَى ، ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُحَدَّ ، وَلِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ خَصْمٍ فِي حَقِّهِ أَوْ حَقِّ غَيْرِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى . فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالزِّنَى حَقٌّ لِآدَمِيٍّ كَالْقَاذِفِ بِالزِّنَى إِذَا طُولِبَ بِالْحَدِّ ، فَقَالَ : أَنَا صَادِقٌ فِي قَذْفِهِ بِالزِّنَى ، وَادَّعَاهُ عَلَى الْمَقْذُوفِ ؛ سُمِعَتْ حِينَئِذٍ هَذِهِ الدَّعْوَى ، لِيَكُونَ الْإِقْرَارُ بِهِ مُسْقِطًا لِحَدِّ الْقَذْفِ ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْمَقْذُوفُ أُحْلِفَ ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْقَاذِفِ ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ ، وَلَمْ يَجِبْ بِيَمِينِهِ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْمَقْذُوفِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ : مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، لِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْغُرْمَ ، وَهُوَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ . وَالْقَطْعُ ، وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ سَقَطَ الْغُرْمُ بِتَحْلِيلٍ أَوْ إِبْرَاءٍ ، لَمْ تَصِحَّ الدَّعْوَى فِيهِ حِينَئِذٍ وَسَقَطَ وُجُوبُ الْيَمِينِ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ الْغُرْمُ بَاقِيًا صَحَّتْ فِيهِ الدَّعْوَى ، وَوَجَبَتْ فِيهِ الْيَمِينُ فَإِنْ نَكَلَ السَّارِقُ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي ، فَإِذَا حَلَفَ اسْتَحَقَّ الْغُرْمَ ، وَلَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ ، لِأَنَّ الْغُرْمَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَالْقَطْعَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَجْرَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَ انْفِرَادِهِ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالِاجْتِمَاعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية