الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْبَابُ الْعِشْرُونَ فِي جَمِيعِ أَدِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَتَصَرُّفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ وَفِيهِ فَصْلَانِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي الْأَدِلَّةِ ، وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا ، وَأَدِلَّةُ وُقُوعِهَا . فَأَمَّا أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا : فَتِسْعَةَ عَشَرَ بِالِاسْتِقْرَاءِ . وَأَمَّا أَدِلَّةُ وُقُوعِهَا ، فَلَا يَحْصُرُهَا عَدَدٌ ، فَلْنَتَكَلَّمْ أَوَّلًا عَلَى أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا ، فَنَقُولُ : هِيَ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْقِيَاسُ ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ ، وَالْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ ، وَالِاسْتِصْحَابُ ، وَالْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ ، وَالْعَوَائِدُ ، وَالِاسْتِقْرَاءُ ، وَسَدُّ الذَّرَائِعِ ، وَالِاسْتِدْلَالُ ، وَالِاسْتِحْسَانُ ، وَالْأَخْذُ بِالْأَخَفِّ ، وَالْعِصْمَةُ ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَإِجْمَاعُ الْعَشَرَةِ ، وَإِجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ . فَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْأُولَى ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا . وَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ ، فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ ، فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَإِلَّا فَلَا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حُجَّةٌ دُونَ غَيْرِهِمَا . وَقِيلَ : قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ حُجَّةٌ إِذَا اتَّفَقُوا . الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ : وَالْمَصَالِحُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي تَقَدَّمَ . وَمَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ نَحْوَ الْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ لِئَلَّا يُعْصَرَ مِنْهُ الْخَمْرُ . وَمَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِاعْتِبَارٍ ، وَلَا بِإِلْغَاءٍ ، وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ ، وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حُجَّةٌ . وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ : إِنْ وَقَعَتْ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ ، أَوِ التَّتِمَّةِ ، فَلَا تُعْتَبَرُ ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ . وَمِثَالُهُ : تَتَرُّسُ الْكُفَّارِ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَوْ كَفَفْنَا عَنْهُمْ لَصَدَمُونَا ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْنَا وَقَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً ، وَلَوْ رَمَيْنَاهُمْ لَقَتَلْنَا التُّرْسَ مَعَهُمْ . قَالَ : فَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً قَطْعِيَّةً ضَرُورِيَّةً . فَالْكُلِّيَّةُ : احْتِرَازٌ عَمَّا إِذَا تَتَرَّسُوا فِي قَلْعَةٍ بِمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَحِلُّ رَمْيُ الْمُسْلِمِينَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ تِلْكَ الْقَلْعَةِ فَسَادٌ عَامٌّ . وَالْقَطْعِيَّةُ : احْتِرَازٌ عَمَّا إِذَا لَمْ يُقْطَعْ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْنَا إِذَا لَمْ نَقْصِدِ التُّرْسَ ، وَعَنِ الْمُضْطَرِّ يَأْكُلُ قِطْعَةً مِنْ فَخِذِهِ . وَالضَّرُورِيَّةُ : احْتِرَازٌ عَنِ الْمُنَاسِبِ الْكَائِنِ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ ، وَالتَّتِمَّةِ . لَنَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ ، فَمَهْمَا وَجَدْنَا مَصْلَحَةً غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ . الِاسْتِصْحَابُ : وَمَعْنَاهُ : أَنَّ اعْتِقَادَ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي الْمَاضِي أَوِ الْحَاضِرِ يُوجِبُ ظَنَّ ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ . وَهَذَا الظَّنُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْمُزَنِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ . لَنَا : أَنَّهُ قَضَاءٌ بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ ، فَيَصِحُّ كَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ ، وَاتِّبَاعِ الشَّهَادَاتِ . الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ : وَهِيَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْعَقْلِ فِي عَدَمِ الْأَحْكَامِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ، وَالْأَبْهَرِيِّ ، وَأَبِي الْفَرَجِ مِنَّا ، وَثُبُوتُ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي الْمَاضِي يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِهِ فِي الْحَالِ ، فَيَجِبُ الِاعْتِمَادُ عَلَى هَذَا الظَّنِّ بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْ رَافِعِهِ ، وَعَدَمِ وُجُودِهِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ . الْعَوَائِدُ : وَالْعَادَةُ : غَلَبَةُ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي عَلَى النَّاسِ ، وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْغَلَبَةُ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ كَالْحَاجَةِ لِلْغِذَاءِ ، وَالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ ، وَقَدْ تَكُونُ خَاصَّةً بِبَعْضِ الْبِلَادِ كَالنُّقُودِ ، وَالْعُيُوبِ ، وَقَدْ تَكُونُ خَاصَّةً بِبَعْضِ الْفِرَقِ كَالْأَذَانِ لِلْإِسْلَامِ ، وَالنَّاقُوسِ لِلنَّصَارَى ، فَهَذِهِ الْعَادَةُ يُقْضَى بِهَا عِنْدَنَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِصْحَابِ . الِاسْتِقْرَاءُ : وَهُوَ : تَتَبُّعُ الْحُكْمِ فِي جُزْئِيَّاتِهِ عَلَى حَالَةٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ كَاسْتِقْرَائِنَا الْفَرْضَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ بِأَنَّهُ لَا يُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ ، فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْوَتْرَ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمَا أُدِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَهَذَا الظَّنُّ حُجَّةٌ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ . سَدُّ الذَّرَائِعِ : الذَّرِيعَةُ : الْوَسِيلَةُ لِلشَّيْءِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ حَسْمُ مَادَّةِ وَسَائِلِ الْفَسَادِ دَفْعًا لَهُ ، فَمَتَى كَانَ الْفِعْلُ السَّالِمُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ وَسِيلَةً إِلَى الْمَفْسَدَةِ مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَيْهِ . تَنْبِيهٌ : يُنْقَلُ عَنْ مَذْهَبِنَا : أَنَّ مِنْ خَوَاصِّهِ اعْتِبَارَ الْعَوَائِدِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةَ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ . أَمَّا الْعُرْفُ ، فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ ، وَمَنِ اسْتَقْرَأَهَا وَجَدَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ فِيهَا . وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ : فَغَيْرُنَا يُصَرِّحُ بِإِنْكَارِهَا ، وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ التَّفْرِيعِ تَجِدُهُمْ يُعَلِّلُونَ بِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ ، وَلَا يُطَالِبُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ الْفَوَارِقِ وَالْجَوَامِعِ بِإِبْدَاءِ الشَّاهِدِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ بَلْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ . وَأَمَّا الذَّرَائِعُ : فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مُعْتَبَرٌ إِجْمَاعًا كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ ، وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَئِذٍ . وَثَانِيهَا : مُلْغًى إِجْمَاعًا كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ خَشْيَةَ الْخَمْرِ ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الْآدَرِ خَشْيَةَ الزِّنَا . وَثَالِثُهَا : مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَبُيُوعِ الْآجَالِ اعْتَبَرْنَا نَحْنُ الذَّرِيعَةَ فِيهَا ، وَخَالَفَنَا غَيْرُنَا . فَحَاصِلُ الْقَضِيَّةِ : أَنَّا قُلْنَا بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِنَا لَا أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِنَا . وَاعْلَمْ : أَنَّ الذَّرِيعَةَ كَمَا يَجِبُ سَدُّهَا يَجِبُ فَتْحُهَا ، وَيُكْرَهُ ، وَيُنْدَبُ ، وَيُبَاحُ ، فَإِنَّ الذَّرِيعَةَ هِيَ الْوَسِيلَةُ ، فَكَمَا أَنَّ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ ، فَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ كَالسَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ . وَمَوَارِدُ الْأَحْكَامِ عَلَى قِسْمَيْنِ : مَقَاصِدُ : وَهِيَ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِي أَنْفُسِهَا . وَوَسَائِلُ : وَهِيَ الطُّرُقُ الْمُفْضِيَةُ إِلَيْهَا ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا أَفْضَتْ إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ تَحْلِيلٍ غَيْرَ أَنَّهَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنَ الْمَقَاصِدِ فِي حُكْمِهَا . فَالْوَسِيلَةُ إِلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ ، وَإِلَى أَقْبَحِ الْمَقَاصِدِ أَقْبَحُ الْوَسَائِلِ ، وَإِلَى مَا هُوَ مُتَوَسِّطٍ مُتَوَسِّطَةٌ . وَيُنَبِّهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَسَائِلِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ) . فَأَثَابَهُمْ عَلَى الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ فِعْلِهِمْ لِأَنَّهُمَا حَصَلَا لَهُمْ بِسَبَبِ التَّوَسُّلِ إِلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ لِإِعْزَازِ الدِّينِ ، وَصَوْنِ الْمُسْلِمِينَ ، فَالِاسْتِعْدَادُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْوَسِيلَةِ . قَاعِدَةٌ : كُلَّمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْمَقْصِدِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْوَسِيلَةِ ، فَإِنَّهَا تَبَعٌ ، وَقَدْ خُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْحَجِّ فِي إِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى إِزَالَةِ الشَّعْرِ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ ، وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ . تَنْبِيهٌ : قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةُ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ إِذَا أَفْضَتْ إِلَى مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ كَالتَّوَسُّلِ إِلَى فِدَاءِ الْأَسْرَى بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَى الْعَدُوِّ الَّذِي حَرُمَ عَلَيْهِمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِكَوْنِهِمْ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَنَا ، وَكَدَفْعِ مَالٍ لِرَجُلٍ يَأْكُلُهُ حَرَامًا حَتَّى لَا يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ إِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِهِ ، وَكَدَفْعِ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِ حَتَّى لَا يَقْتَتِلَ هُوَ وَصَاحِبُ الْمَالِ ، وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ فِيهِ الْيَسَارَةَ . وَمِمَّا يُشَنَّعُ بِهِ عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ - مُخَالَفَتُهُ لِحَدِيثِ بَيْعِ الْخِيَارِ مَعَ رِوَايَتِهِ لَهُ ، وَهُوَ مَهْيَعٌ مُتَّسِعٌ ، وَمَسْلَكٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ، فَلَا يُوجَدُ عَالِمٌ إِلَّا وَقَدْ خَالَفَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدِلَّةً كَثِيرَةً ، وَلَكِنْ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ عَلَيْهَا عِنْدَ مُخَالِفِهَا . وَكَذَلِكَ تَرَكَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ عِنْدَهُ ، وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَلَيْسَ هَذَا بَابًا اخْتَرَعَهُ ، وَلَا بِدْعًا ابْتَدَعَهُ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يُرْوَى عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ ، فَهُوَ مَذْهَبِي ، أَوْ فَاضْرِبُوا بِمَذْهَبِي عُرْضَ الْحَائِطِ ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ ، فَهَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، وَلَيْسَ خَاصًّا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ ، فَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ، وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ خَاصًّا بِمَذْهَبِهِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية