الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
[ ص: 606 ] فصل

[ توريث ذوي الأرحام   ]

وذوو الأرحام : كل قريب ليس بذي سهم ولا عصبة ، وهم كالعصبات من انفرد منهم أخذ جميع المال ، والأقرب يحجب الأبعد ، وهم أولاد البنات ، وأولاد بنات الابن ، والجد الفاسد ، والجدات الفاسدات ، وأولاد الأخوات كلهن ، وبنات الإخوة كلهم ، وأولاد الإخوة لأم ، والأخوال والخالات والأعمام لأم ، والعمات وبنات الأعمام كلهم وأولاد هؤلاء ومن يدلي بهم ، وأولاهم الصنف الأول ثم الصنف الثاني ( سم ) .

التالي السابق


فصل

في الولاء

وهو نوعان : ولاء عتاقة وولاء موالاة ، وقد ذكرنا صورتهما وأحكامهما في كتاب الولاء ، ونذكر في هذا الفصل ما يتعلق بالإرث ، فنبدأ بولاء العتاقة فنقول :

إذا مات المعتق ولا عصبة له من جهة النسب فالمولى المعتق عصبته ، لقوله - عليه الصلاة والسلام : " الولاء لمن أعتق " ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : " الولاء لحمة كلحمة النسب " ، ومات معتق لابنة حمزة - رضي الله عنهما - عنها وعن بنت ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المال بينهما نصفين . وأعتق رجل عبدا له عند رسول الله - عليه الصلاة والسلام - فقال - عليه الصلاة والسلام - : " إن شكرك فهو خير له وشر لك ، وإن كفرك فهو شر له وخير لك ، وإن مات ولم يدع وارثا كنت أنت عصبته " . ولا يرث الأسفل من الأعلى لأنه لا قرابة بينهما وإنما ألحق الولاء بالنسب في حق الأعلى حيث أنعم على عبده بالإعتاق وتسبب إلى حياته معنى ، فجوزي باستحقاق الإرث صلة له وكرامة ، وهذا المعنى معدوم من العبد فلا يقاس عليه ، فلو مات المعتق عن صاحب فرض والمعتق ، أخذ صاحب الفرض فرضه والباقي للمعتق لأنه عصبته لما روينا ، والولاء يورث به ولا يورث ، قال - عليه الصلاة والسلام - : " الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث " ، ويستحق بالعصوبة ، وإليه الإشارة بقوله - عليه الصلاة والسلام - : " كنت أنت عصبة " ، وليس للنساء من الولاء شيء بالإرث لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن " ، وهو لأقرب عصبة المعتق ، فلو مات عن ابن المعتق وأبيه فالولاء كله للابن .

[ ص: 613 ] وقال أبو يوسف : للأب السدس والباقي للابن ; لأن الأب يكون عصبة حتى يحرز جميع المال لو انفرد . ولهما أنه صاحب فرض مع الابن فصار كالزوج فلا يزاحم الابن العصبة ، ولو مات عن جد مولاه وأخيه فالكل للجد .

وقالا : بينهما نصفان وقد عرف .

وعن عدة من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا : الولاء للكبر أي للأقرب إلى الميت نسبا ، وهذا لا يعرف إلا سماعا فصار كالمروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وصورته : إذا مات المعتق عن ابنين ، ثم مات أحدهما عن ابن ، ثم مات المعتق فولاؤه لابن مولاه دون ابن ابنه لما روينا ولأنه أقرب نسبا وعصوبة ، ولو مات الابنان وترك أحدهما ابنا والآخر ابنين فالولاء على عدد رءوسهم لاستوائهم في العصوبة والقرب ، ولأن الجد لو مات قسمت تركته على حفدته كذلك ، فكذلك ما ورثوه بسببه .

وأما مولى الموالاة فإن الأعلى يرث الأسفل ويعقل عنه إذا جنى مقابلة للغنم بالغرم ، وهو مؤخر عن ذوي الأرحام لأن ذوي الأرحام يرثون بالقرابة وهي أقوى وآكد من الولاء لأنها لا تقبل النقض والولاء يقبله ، بخلاف الزوجين حيث يرث معهما لأنهما بعد الموت كالأجانب ، ولهذا لا يرد عليهما ، فإذا أخذا حقهما صار الباقي خاليا عن الوارث فيكون لمولى الموالاة . ولو اتفقا في عقد الموالاة على أن يرث كل واحد من الآخر صح ، وورث كل واحد منهما الآخر إذا لم يكن عصبة ولا ذو سهم ولا ذو رحم ، والفرق بين ولاء العتاقة وولاء الموالاة أن السبب في ولاء العتاقة العتق الذي هو إحياء معنى على ما بينا ، وأنه من الأعلى خاصة ، والسبب في ولاء الموالاة العقد والشرط ، فيثبت على الوصف الذي عقدا وشرطا . والأصل في الإرث بولاء الموالاة قوله تعالى : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) وكان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالعقد والحلف دون النسب والرحم حتى نزل قوله - تعالى - ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ) فنسخ تقديمه وصار مؤخرا عن ذوي الأرحام وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي [ ص: 614 ] وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وجماعة من التابعين - رضوان الله عليهم أجمعين - على أنا نقول بموجب الآية فلا نورثه مع وجود ذوي الأرحام ، وإنما نورثه عند عدمهم فلا تكون الآية ناسخة وهو مذهب أصحابنا ، ولأنه جعل ماله له بعقده ، ولا تعلق للوارث به فصار كالوصية بجميع المال ولا وارث له ، أو كان لكنه أجاز الوصية فإنه يجوز كذا هذا ، فصار مستحقا للمال فلا يوضع في بيت المال ; لأنه إنما يوضع في بيت المال عند عدم المستحق لا أنه مستحق " وسئل - عليه الصلاة والسلام - عن رجل أسلم على يد رجل ووالاه فقال : هو أحق الناس به محياه ومماته " يشير إلى العقل والإرث في هاتين الحالتين .




الخدمات العلمية