الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
[ ص: 598 ] والرد ضد العول ، بأن تزيد الفريضة على السهام ولا عصبة هناك تستحقه فيرد على ذوي السهام بقدر سهامهم إلا على الزوجين ويقع الرد على جنس واحد وعلى جنسين وعلى ثلاثة ، ثم المسألة لا يخلو إما إن كان فيها من لا يرد عليه أو لم يكن ، فإن لم يكن فإما إن كان جنسا واحدا أو أكثر ، فإن كان جنسا واحدا فاجعل المسألة من عدد رءوسهم ، وإن كان جنسين أو أكثر فمن سهامهم وأسقط الزائد .

[ ص: 601 ]

التالي السابق


[ ص: 601 ] فصل

في مقاسمة الجد الإخوة

قال أكثر الصحابة - رضي الله عنهم - منهم أبو بكر وابن عباس وأبي بن كعب وعائشة : الجد بمنزلة الأب عند عدمه يرث معه من يرث مع الأب ويسقط به من يسقط بالأب ، وهو قول أبي حنيفة ، فجعل الجد أبا الأب بمنزلة الأب إلا في مسألتين : زوج وأبوان ، أو زوجة وأبوان على ما تقدم ، وروى عنه الحسن بن زياد أنه بمنزلة الأب فيهما أيضا . وعن الصديق أيضا روايتان في هاتين المسألتين . وقال علي وابن مسعود وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - : الجد لا يسقط بني الأعيان والعلات ويرثون معه . واختلفوا في كيفية توريثهم معه ، وكتابنا هذا يضيق عن استيعاب أقوالهم وما يتفرع منها ، لكن نذكر مذهب زيد بن ثابت لحاجتنا إلى معرفة قول أبي يوسف ومحمد فإنهما أخذا بقوله .

وعن ابن عباس أنه لما سمع قول زيد قال : ألا يتقي الله زيد ! يجعل ابن الابن ابنا ، ولا يجعل أبا الأب أبا ؟ والمختار قول أبي بكر - رضي الله عنه - لأنه أبعد عن التردد والتوقف ولم تتعارض عنه الروايات وتعارضت عن غيره . قال علي - رضي الله عنه - : من أحب أن يتقحم جراثيم جهنم فليقض في الجد والإخوة .

وروى عبيدة السلماني عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في الجد بمائة قضية يخالف بعضها بعضا . وعنه أنه جمع الصحابة - رضي الله عنهم - في بيت وقال لهم : لا بد أن تتفقوا على شيء واحد في الجد ، فقام رجل فقال : أشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى للجد بالسدس ، فقال : مع من ؟ فقال : لا أدري ، فقال : لا دريت ، فقام آخر فقال كذلك ، ورد عليه كذلك ، فسقطت حية من السقف فتفرقوا قبل أن يجمعوا على شيء ، فقال عمر - رضي الله عنه - : أبى الله - تعالى - أن يرتفع هذا الخلاف . وعن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقول : ألقوا علينا مسائل الفرائض واتركوا الجد ، لا حياه الله ولا بياه . وعن ابن المسيب مثله .

واعلم أن الجد الصحيح الوارث لا يكون إلا واحدا لأنه لا يكون إلا من جهة الأب ، [ ص: 602 ] والأقرب يسقط الأبعد . قال زيد بن ثابت - رضي الله عنه - : إذا اجتمع الجد والإخوة كان الجد كأحدهم يقاسمهم ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث ، فإن نقصته فرض له الثلث والباقي بين الإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين .

مثاله : جد وأخ المال بينهما نصفان لأن المقاسمة خير له . جد وأخوان المال بينهما أثلاثا لأن المقاسمة والثلث سواء . جد وثلاثة إخوة يفرض له الثلث والباقي بين الإخوة لأن المقاسمة تنقصه من الثلث فإن كان معهم صاحب فرض يعطى فرضه ثم ينظر في الباقي .

للجد ثلاثة أحوال : المقاسمة أو ثلث ما بقي أو سدس جميع المال فيعطى ما هو خير له منها والباقي بين الإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين .

مثاله : زوج وجد وأخ للزوج النصف والباقي بين الجد والأخ لأن القسمة خير له ، وكذلك مع الزوجة . جدة وجد وأخوان وأخت ، للجدة السدس ، وللجد ثلث ما بقي لأنه خير له . جدة وبنت وجد وأخوان ، للجدة السدس ، وللبنت النصف ، وللجد السدس لأنه خير له . زوج وأم وجد وأخ ، للزوج النصف ، وللأم الثلث ، والباقي وهو السدس للجد ويسقط الأخ ، وبنو العلات مع الجد كبني الأعيان ، فإن اجتمعوا مع الجد ، قال زيد بن ثابت - رضي الله عنه - : يعدون معهم على الجد ليظهر نصيبه وتسمى فصل المعادة ، فإذا أخذ الجد نصيبه يرد بنو العلات ما وقع لهم إلى بني الأعيان ويخرجون بغير شيء إلا إذا كان من بني الأعيان أخت واحدة فتأخذ النصف بعد نصيب الجد ، فإن بقي شيء أخذه بنو العلات .

مثاله : جد وأخ لأب وأم وأخ لأب ، المال بينهم أثلاثا ، ثم يرد الأخ لأب على الأخ لأبوين نصيبه فيبقى للأخ من الأبوين الثلثان ، ولو كان معهم زوجة فلها الربع والباقي بينهم أثلاثا ، ويرد الأخ لأب ما وقع له إلى الأخ لأبوين ، ولو كان مكان الزوجة زوج فله النصف والباقي بينهم أثلاثا على الوجه الذي تقدم . جد وأخت لأبوين وأخت لأب ، للجد النصف ، وللأختين النصف وتأخذه الأخت لأبوين ، ولو كانت أختين لأب والمسألة بحالها فللجد الخمسان ، وللأخت لأبوين الخمس ، وللأختين لأب الخمسان ثم يردان على الأخت لأبوين تتمة النصف خمس ونصف ويبقى لهما نصف خمس . أصل المسألة من خمسة تضرب في اثنين لحاجتنا إلى النصف تصير عشرة ، للجد أربعة ، وللأخت لأبوين سهمان ، وللأختين لأب أربعة ، ثم يردان إلى الأخت لأبوين ثلثه تكملة النصف يبقى لهما سهم لا يستقيم عليهما ، فاضرب اثنين [ ص: 603 ] في عشرة تكن عشرين منها تصح . جد وأخت لأبوين وأخ لأب المال بينهم أخماسا ، ويرد الأخ على الأخت إلى تمام النصف يبقى معه نصف سهم وهو العشر ، ولو كان معه أخت ، فللجد سدسان ، وللأخت من الأبوين السدس ، وللأخ وأخته ثلثه فيردان عليهما تتمة النصف يبقى معهما سدس . جد وأختان لأبوين وأختان لأب ، للجد الثلث ولكل فريق الثلث ، ثم يرد أولاد الأب ثلثهم على أولاد الأبوين . أم وجد وأخت لأبوين وأخوان وأخت لأب ، أصلها من ستة للأم سهم وثلث الباقي خير للجد ، وليس للباقي ثلث صحيح ، فاضرب ثلاثة في ستة تكن ثمانية عشر للأم ثلاثة ، وللجد خمسة ، وللأخت من الأبوين النصف تسعة ، يبقى سهم واحد لأولاد الأب وهم خمسة ، فاضرب خمسة في ثمانية عشر تكن تسعين منها تصح وتسمى تسعينية زيد . أم وجد وأخت لأبوين وأخ وأخت لأب ، أصلها من ستة ، للأم سهم يبقى خمسة لا تستقيم على ستة ، فاضرب ستة في ستة تكن ستة وثلاثين ، للأم السدس ستة ، وللجد ثلث ما بقي عشرة ، وللأخت من الأبوين نصف الجميع وهو ثمانية عشر ، بقي لأولاد الأب سهمان وهم ثلاثة ، فاضرب ثلاثة في ستة وثلاثين يكن مائة وثمانية منها تصح ، إلا أن بين السهام موافقة بالأنصاف فترجع إلى أربعة وخمسين . ووجهه أن المقاسمة وثلث ما بقي واحد في حق الجد فأعط الأم نصيبها من ثمانية عشر ثلاثة والجد ثلث ما بقي خمسة ، والأخت من الأبوين نصف الجميع تسعة ، يبقى سهم لا يستقيم على أولاد الأب ، فاضرب ثلاثة في ثمانية عشر تكن أربعة وخمسين منها تصح وتسمى مختصرة زيد ، فحصل من أصل زيد أنه يقول بالمقاسمة ما لم ينقصه من الثلث ، ومع صاحب الفرض ينظر له أصلح الأحوال الثلاثة ، ويعد ولد الأب على الجد إضرارا به ، ولا يفرض للأخوات المنفردات مع الجد ويجعلهن عصبة ، ولا يقول بالعول بناء على أنهن عصبة .

وقد خالف هذا الأصل في المسألة الأكدرية ، وهي زوج وأم وجد وأخت لأب أو لأبوين ، للزوج النصف ، وللأم الثلث ، وللجد السدس ، وللأخت النصف ، ثم يضم الجد نصيبه إلى نصيب الأخت فيقتسمان الذكر مثل حظ الأنثيين ، أصلها من ستة تعول إلى تسعة ، للزوج ثلاثة ، وللأم سهمان ، وللأخت ثلاثة ، وللجد سهم ، وما في يد الجد والأخت أربعة لا تستقيم على ثلاثة ، فاضرب ثلاثة في تسعة يكن سبعة وعشرين منها تصح ، ولو كان مكان الأخت أخ فلا عول ولا أكدرية ; لأنه يكون للزوج النصف ، وللأم الثلث ، وللجد السدس ، ويسقط الأخ ، وكذا لو كان مع الأخ أخت لأنها تصير عصبة بأخيها . سميت أكدرية لأنها واقعة امرأة من بني [ ص: 604 ] أكدر ، أو لأنها كدرت على زيد مذهبه من ثلاثة أوجه : أعال بالجد ، وفرض للأخت ، وجمع سهام الفرض وقسمها على التعصيب ، وإنما فرض لها ولم يجعلها عصبة لأنه لم يبق لها شيء ، ولا وجه إلى القسمة لأنه ينقص نصيب الجد من السدس فصار إلى ما ذكرنا ضرورة .




الخدمات العلمية