الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                      نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                      الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      ( والعاصي والمطيع في سفرهما في الرخصة سواء   ) وقال الشافعي رحمه الله : سفر المعصية لا يفيد الرخصة ; لأنها تثبت تخفيفا ; فلا تتعلق بما يوجب التغليظ . ولنا إطلاق النصوص ; ولأن نفس السفر ليس بمعصية ، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره فصلح متعلق الرخصة ، والله أعلم .

                                                                                      [ ص: 231 ]

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      أحاديث القصر رخصة أو عزيمة : استدل أصحابنا على أنه عزيمة ، بأحاديث : منها حديث { عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فأقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر }. انتهى .

                                                                                      أخرجاه في " الصحيحين " ، وفي لفظ : قالت : { فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ، فأتمها في الحضر ، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى }. انتهى . زاد في لفظ : قال الزهري : فقلت لعروة : فما بال عائشة تتم في السفر ؟ ، قال : إنها تأولت كما تأول عثمان . انتهى .

                                                                                      وفي لفظ للبخاري : قالت : { فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا ، فتركت صلاة السفر على الأول }. انتهى . ذكره بعد المناقب ، في " باب من أين أرخوا التاريخ " ، وهذا الرواية ترد قول من قال : إن زيادة الصلاة في الحضر كانت قبل الهجرة ، وقد تقدم في أول الصلاة . انتهى .

                                                                                      وأجاب الخصم بأنه رأي لا رواية ، وبأنه إشارة إلى المفروض الأول ، يدل عليه أن عائشة كانت تتم في السفر .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه مسلم في " صحيحه " عن مجاهد عن ابن عباس ، قال : { فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة }. انتهى . ورواه الطبراني في " معجمه " ، بلفظ : { افترض رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين في السفر ، كما افترض في الحضر أربعا ، }انتهى .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر ، قال : { صلاة السفر ركعتان ، وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان ، تمام غير قصر ، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم }.

                                                                                      ورواه ابن حبان في " صحيحه " [ ص: 228 ] في النوع السادس والستين ، من القسم الثالث ، ولم يقدحه بشيء ، ولكن اعترضه النسائي في " سننه " بأن فيه انقطاعا ، فقال : وابن أبي ليلى لم يسمعه من عمر انتهى وقوى ذلك بعضهم ، بأن ابن ماجه أخرجه في " سننه " عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن عمر ، فذكره ، وأجيب عن ذلك بأن مسلما حكم في " مقدمة كتابه " بسماع ابن أبي ليلى من عمر ، فقال : وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وقد حفظ عن عمر بن الخطاب انتهى .

                                                                                      ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " عن الحسين بن واقد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه ، قال : خرجت مع عمر بن الخطاب إلى مكة ، فاستقبلنا أمير مكة ، الحديث ، بل صرح بسماعه منه في بعض طرقه ، فقال : عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : سمعت عمر بن الخطاب ، فذكره .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه النسائي عن { ابن عمر ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ، ونحن ضلال ، فعلمنا ، فكان فيما علمنا أن الله عز وجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر ، }انتهى .

                                                                                      قال في " تنقيح التحقيق " : هكذا عزاه ابن تيمية في " المنتقى " للنسائي ، ولم أجده فيه في " قصر الصلاة " . انتهى { حديث آخر } : أخرجه الدارقطني في " سننه " عن بقية بن الوليد عن أبي يحيى المديني عن عمرو بن شعيب عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " { المتم للصلاة في السفر ، كالمقصر في الحضر }" . انتهى .

                                                                                      واعترضه ابن الجوزي في " التحقيق " بأن بقية مدلس ، وشيخ الدارقطني فيه أحمد بن محمد بن المفلس ، وكان كذابا . انتهى .

                                                                                      قال في " التنقيح " : اشتبه عليه ابن المفلس هذا ، بآخر ، وهو أحمد بن محمد بن الصلت بن المفلس الحماني ، وهو كذاب وضاع ، قال : والحديث لا يصح ، فإن في رواته مجهولا . انتهى .

                                                                                      أحاديث الخصوم : احتج الشافعي وأحمد ومالك ، في أحد قوليه ، على أنه رخصة ، بحديث أخرجه مسلم في " صحيحه " عن { يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر بن الخطاب : { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين [ ص: 229 ] كفروا } ، فقد أمن الناس ، فقال : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته }. انتهى .

                                                                                      وفي لفظ لابن حبان في " صحيحه " : فاقبلوا رخصته ، ورواه أصحاب السنن الأربعة .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن عبد الله بن سوادة { عن أنس بن مالك ، رجل من بني عبد الله بن كعب ، وليس بالأنصاري ، قال : أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى ، فقال : ادن ، وكل ، فقلت : إني صائم ، فقال : إذن أخبرك عن الصوم ، إن الله وضع عن المسافر الصوم ، وشطر الصلاة ، وعن الحامل ، والمرضع الصوم ، فيا لهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم }.

                                                                                      قال الترمذي : حديث حسن ، ولا يعرف لأنس هذا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث انتهى .

                                                                                      ورواه أحمد في " مسنده " . والطبراني في " معجمه " .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه النسائي في " سننه " عن العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود { عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، حتى إذا قدمت مكة ، قالت : يا رسول الله بأبي ، أنت وأمي قصرت وأتممت ، وأفطرت وصمت ، قال : أحسنت يا عائشة ، وما عاب علي ، }انتهى . والعلاء بن زهير ، قال فيه ابن حبان : يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات ، فبطل الاحتجاج به ، كذا قال في " كتاب الضعفاء " ، وذكره في " كتاب الثقات " أيضا ، فتناقض كلامه فيه . والله أعلم .

                                                                                      وأخرجه الدارقطني ، ثم البيهقي في " سننهما " عن العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة به ، ولفظهما ، قالت : { خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان ، فأفطر ، وصمت وقصر ، وأتممت ، فقلت : بأبي وأمي أنت } ، الحديث ، قال البيهقي : إسناده صحيح ، وذكر صاحب " التنقيح " [ ص: 230 ] أن هذا المتن منكر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط . انتهى .

                                                                                      قلت : أخرجه البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس ، قال : { حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحدة ، واعتمر أربع عمر ، كلهن في ذي القعدة ، إلا التي مع حجته }انتهى .

                                                                                      وقال النووي في " الخلاصة " : في هذا الحديث إشكال . فإن المعروف { أنه عليه السلام لم يعتمر إلا أربع عمر . كلهن في ذي القعدة }. انتهى .

                                                                                      وأخرجه الدارقطني أيضا بالسند الأول ومتنه ، ثم قال : وإسناده حسن متصل ، فإن عبد الرحمن أدرك عائشة ، ودخل عليها ، وهو مراهق . انتهى .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه الدارقطني أيضا عن عمرو بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في الصلاة ، ويتم ، ويفطر ، ويصوم }. انتهى .

                                                                                      قال الدارقطني : إسناده صحيح انتهى . وقد رواه البيهقي عن طلحة بن عمر ودلهم بن صالح والمغيرة بن زياد ، وثلاثتهم ضعفاء عن عطاء عن عائشة ، قال : والصحيح عن عائشة موقوف ، ثم أخرجه كذلك عن شعبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت تصلي في السفر ، فقلت لها : لو صليت ركعتين ، فقالت : يا ابن أخي إنه لا يشق علي . انتهى . وهذا سند صحيح والله أعلم .

                                                                                      وقد يعارض هذا بحديث أخرجه البخاري ومسلم عن حفص بن عاصم عن { ابن عمر ، قال : صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ، فلم يزد على ركعتين ، حتى قبضه الله ، وصحبت أبا بكر ، فلم يزد على ركعتين ، حتى قبضه الله ، وصحبت عمر ، فلم يزد على ركعتين ، حتى قبضه الله ، وصحبت عثمان ، فلم يزد على ركعتين ، حتى قبضه الله ، وقد قال تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } }انتهى .

                                                                                      قال عبد الحق : هكذا في هذه الرواية ، والصحيح أن عثمان أتم في آخر الأمر ، كما أخرجاه من رواية نافع عنه ، ومن رواية ابنه سالم أنه عليه السلام صلى صلاة المسافر بمنى : وغيره ركعتين ، وأبو بكر وعمر . وعثمان ركعتين ، صدرا من خلافته ، ثم أتمها أربعا انتهى .




                                                                                      الخدمات العلمية