الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                      نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                      الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      [ ص: 520 ] ( ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى )  خلافا للشافعي رحمه الله في الركوع وفي الرفع منه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " { لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن : تكبيرة الافتتاح ، وتكبيرة القنوت ، وتكبيرات العيدين }" وذكر الأربع في الحج ، والذي يروى من الرفع محمول على الابتداء . [ ص: 521 - 522 ] كذا نقل عن ابن الزبير رضي الله عنه .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الحديث الثامن والثلاثون : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن : تكبيرة الافتتاح . وتكبيرة القنوت . وتكبيرات العيدين }" ، وذكر الأربع في الحج ، قلت : غريب بهذا اللفظ ، وقد روي من حديث ابن عباس ، ومن حديث ابن عمر بنقص وتغيير ، قال الطبراني في " معجمه " : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى حدثني أبي عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ولا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن : حين يفتتح الصلاة ، وحين يدخل المسجد الحرام ، فينظر إلى البيت ، وحين يقوم على الصفا ، وحين يقوم على المروة . وحين يقف مع الناس عشية عرفة ، وبجمع ، والمقامين حين يرمي الجمرة }" انتهى حدثنا أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي ثنا عمرو بن يزيد أبو يزيد الجرمي ثنا سيف بن عبيد الله ثنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { السجود على سبعة أعضاء : اليدين ، والقدمين ، والركبتين ، والجبهة ، ورفع الأيدي إذا رأيت البيت ، وعلى الصفا والمروة ، وبعرفة ، وعند رمي الجمار ، وإذا قمت للصلاة }" انتهى ، وذكر البخاري الأول معلقا في كتابه " المفرد في رفع اليدين " ، فقال : وقال وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : { لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن : في افتتاح الصلاة . وفي استقبال الكعبة ، وعلى الصفا والمروة ، وبعرفات ، [ ص: 521 ] وبجمع ، وفي المقامين ، وعند الجمرتين }" ، ثم قال : قال شعبة : لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث ، ليس هذا منها ، فهو مرسل ، وغير محفوظ ، لأن أصحاب نافع خالفوا ، وأيضا فهم قد خالفوا هذا الحديث ، ولم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين ، وتكبير القنوت ، وفي رواية وكيع : ترفع الأيدي ، لا يمنع رفعه فيما سوى هذه السبعة انتهى كلامه . وقال البزار في " مسنده " : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ثنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس .

                                                                                      وعن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ترفع الأيدي في سبعة مواطن : افتتاح الصلاة ، واستقبال البيت ، والصفا والمروة . والموقفين . وعند الحجر }" .

                                                                                      انتهى . قال : وهذا حديث قد رواه غير واحد موقوفا ، وابن أبي ليلى لم يكن بالحافظ ، وإنما قال : ترفع الأيدي ، ولم يقل : لا ترفع الأيدي إلا في هذه المواضع انتهى كلامه . قلت : رواه موقوفا ابن أبي شيبة في " مصنفه " ، فقال : حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : ترفع الأيدي في سبعة مواطن : إذا قام إلى الصلاة . وإذا رأى البيت . وعلى الصفا والمروة . وفي جمع . وفي عرفات . وعند الجمار انتهى .

                                                                                      حدثنا ابن فضيل عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ، قال : لا يرفع الأيدي إلا في سبعة مواطن : إذا قمت إلى الصلاة : وإذا جئت من بلد . وإذا رأيت البيت ، وإذا قمت على الصفا والمروة ، وبعرفات ، وبجمع ، وعند الجمار . انتهى . قال الشيخ في " الإمام " : ورواه الحاكم ، ثم البيهقي عنه بإسناده . عن المحاربي عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس .

                                                                                      وعن نافع عن ابن عمر ، قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ترفع الأيدي في سبعة مواطن : عند افتتاح الصلاة ، واستقبال البيت ، والصفا والمروة والموقفين والجمرتين }" ، وبإسناده أيضا عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر .

                                                                                      وعن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ، قالا : ترفع الأيدي في سبعة مواطن : في افتتاح الصلاة ، واستقبال القبلة ، وعلى الصفا والمروة ، وبعرفات ، وبجمع ، وفي المقامين عند الجمرتين ، قال الشيخ في " الإمام " : واعترض على هذا بوجوه : أحدها : تفرد ابن أبي ليلى ، وترك الاحتجاج به . وثانيها : رواية وكيع عنه .

                                                                                      [ ص: 522 ] بالوقف على ابن عباس . وابن عمر ، قال الحاكم : ووكيع أثبت من كل من روى هذا الحديث عن ابن أبي ليلى . وثالثها : رواية جماعة من التابعين بالأسانيد الصحيحة المأثورة عن عبد الله بن عمر . وعبد الله بن عباس أنهما كانا يرفعان أيديهما عند الركوع ، وبعد رفع الرأس من الركوع ، وقد أسنداه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ورابعها : أن شعبة ، قال : لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث ، وليس هذا الحديث منها .

                                                                                      وخامسها : عن الحكم ، قال : إن في جميع الروايات ترفع الأيدي في سبعة مواطن ، وليس في شيء منها : لا ترفع الأيدي إلا فيها ، ويستحيل أن يكون : لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن صحيحا ، وقد تواترت الأخبار بالرفع في غيرها كثيرا : منها الاستسقاء . ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم . ورفعه عليه السلام يديه في الدعاء في الصلوات ، وأمره به . ورفع اليدين في القنوت في صلاة الصبح والوتر ، وروى البيهقي من طريق الشافعي ثنا سعيد بن سالم عن ابن جريج ، قال : حدثت عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { رفع الأيدي في الصلاة ، وإذا رأى البيت ، وعلى الصفا والمروة . وعشية عرفة ، وبجمع ، وعند الجمرتين ، وعلى الميت }" انتهى .

                                                                                      قال البيهقي : ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس .

                                                                                      وعن نافع عن ابن عمر ، مرة موقوفا عليهما ، ومرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الميت ، قال : وابن أبي ليلى هذا غير قوي انتهى .

                                                                                      قوله : روي عن ابن الزبير أنه حمل ما روي من الرفع في الصلاة على الابتداء ، ولفظه في الكتاب : والذي يروى من الرفع محمول على الابتداء ، كذا نقل عن ابن الزبير رضي الله عنه ، قلت : غريب ، وذكره ابن الجوزي في " التحقيق " ، فقال : وزعمت الحنفية أن أحاديث الرفع منسوخة بحديثين : رووا أحدهما عن ابن عباس قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه كلما ركع ، وكلما رفع ، ثم صار إلى افتتاح الصلاة ، وترك ما سوى ذلك }. والثاني : رووه عن ابن الزبير { أنه رأى رجلا يرفع يديه من الركوع ، فقال : مه ، فإن هذا شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركه }.

                                                                                      قال : وهذان الحديثان لا يعرفان أصلا ، وإنما المحفوظ عن ابن عباس . وابن الزبير خلاف ذلك ، فأخرج أبو داود عن ميمون المكي أنه رأى ابن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه حين يقوم . وحين يركع ، وحين يسجد ، قال : فذهبت إلى ابن عباس ، فأخبرته بذلك ، فقال : إن [ ص: 523 ] أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير ، ولو صح ذلك لم تصح دعوى النسخ ، لأن من شرط الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ انتهى كلامه .



                                                                                      { حديث آخر } : ذكر الحاكم أبو عبد الله في " كتاب المدخل إلى معرفة الإكليل في ذكر المجروحين " تحت ترجمة جماعة وضعوا الحديث في الوقت لحاجتهم إليه ، قال : وقيل لمحمد بن عكاشة الكرماني : إن قوما يرفعون أيديهم في الركوع ، وبعد رفع الرأس من الركوع ، فقال : حدثنا المسيب بن واضح ثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من رفع يديه في الركوع ، فلا صلاة له }انتهى .

                                                                                      قال الحاكم : فكل من رزقه الله فهما في نوع من العلم ، وتأمل هذه الأحاديث علم أنها موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى .

                                                                                      وهذا الحديث رواه ابن الجوزي بإسناده في " الموضوعات " عن محمد بن عكاشة به ، ثم نقل عن الدارقطني أنه قال : محمد بن عكاشة هذا كان يضع الحديث ، ثم رواه ابن الجوزي من حديث [ ص: 532 ] المأمون بن أحمد السلمي ثنا المسيب بن واضح عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له }" انتهى .

                                                                                      وكذلك رواه في " كتاب التحقيق " ، ونقل في الكتابين عن ابن حبان أنه قال : مأمون هذا كان دجالا من الدجاجلة ، قال ابن الجوزي : وما أبله من وضع هذه الأحاديث الباطلة لتقاوم بها الأحاديث الصحيحة ، فقد روى الرفع من الصحابة جماعة كثيرون ، وسمى ستة وعشرين رجلا ، قال : ومن لم يكن الحديث صناعته لم ينكر عليه الاحتجاج بالأباطيل انتهى . الآثار في ذلك : روى الطحاوي ، ثم البيهقي من حديث الحسن بن العياش عن عبد الملك بن أبجر عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود ، قال : رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ، ثم لا يعود ، قال : ورأيت إبراهيم . والشعبي يفعلان ذلك ، قال الطحاوي : فهذا عمر لم يكن يرفع يديه أيضا إلا في التكبيرة الأولى ، والحديث صحيح ، فإن مداره على الحسن بن عياش ، وهو ثقة حجة ، وذكر ذلك يحيى بن معين عنه ، انتهى ، واعترضه الحاكم : بأن هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة ، ولا تعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاوس بن كيسان عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه في الركوع ، وعند الرفع منه ، وروى هذا الحديث سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به ، ولم يذكر فيه : لم يعد ، ثم رواه الحاكم ، وعنه البيهقي بسنده عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود أن عمر كان يرفع يديه في التكبير ، انتهى .

                                                                                      قال الشيخ : وما ذكره الحاكم فهو من باب ترجيح رواية لا من باب التضعيف ، وأما قوله : إن سفيان لم يذكر عن الزبير بن عدي فيه : لم يعد ، فضعيف [ ص: 533 ] جدا ، لأن الذي رواه سفيان في مقدار الرفع ، والذي رواه الحسن بن عياش في محل الرفع ، ولا تعارض بينهما ، ولو كانا في محل واحد لم تعارض رواية من زاد برواية من ترك ، والحسن بن عياش أبو محمد هو أخو أبي بكر بن عياش ، قال فيه ابن معين : ثقة هكذا رواه ابن أبي خيثمة عنه ، وقال عثمان بن سعيد الدارمي : الحسن . وأخوه أبو بكر بن عياش كلاهما من أهل الصدق والأمانة .

                                                                                      وقال ابن معين : كلاهما عندي ثقة . أثر آخر أخرجه الطحاوي عن أبي بكر النهشلي ثنا عاصم بن كليب عن أبيه أن عليا رضي الله عنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ، ثم لا يعود يرفع انتهى .

                                                                                      وهو أثر صحيح ، قال البخاري في " كتابه في رفع اليدين " : وروى أبو بكر النهشلي عن عاصم بن كليب عن أبيه أن عليا رفع يديه في أول التكبيرة ، ثم لم يعد ، وحديث عبيد الله بن أبي رافع أصح انتهى .

                                                                                      فجعله دون حديث عبيد الله بن أبي رافع في الصحة ، وحديث ابن أبي رافع صححه الترمذي . وغيره وسيأتي في أحاديث الخصوم ، وقال الدارقطني في " علله " : واختلف على أبي بكر النهشلي فيه ، فرواه عبد الرحيم بن سليمان عنه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ووهم في رفعه ، وخالفه جماعة من الثقات : منهم عبد الرحمن بن مهدي . وموسى بن داود . وأحمد بن يونس . وغيرهم ، فرووه عن أبي بكر النهشلي موقوفا على علي ، وهو الصواب ، وكذلك رواه محمد بن أبان عن عاصم موقوفا انتهى .

                                                                                      فجعله الدارقطني موقوفا صوابا ، والله أعلم . أثر آخر أخرجه البيهقي عن سوار بن مصعب عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري . وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران ، ثم لا يعودان انتهى . قال البيهقي : قال الحاكم : وعطية . سيئ الحال ، وسوار أسوأ حالا منه ، وأسند البيهقي عن البخاري أنه قال : سوار بن مصعب منكر الحديث .

                                                                                      وعن ابن معين أنه غير محتج به . أثر آخر أخرجه الطحاوي في " شرح الآثار " عن إبراهيم النخعي ، قال : كان [ ص: 534 ] عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلوات ، إلا في الافتتاح انتهى .

                                                                                      قال الطحاوي : فإن قالوا : إن إبراهيم عن عبد الله غير متصل ، قيل لهم : كان إبراهيم لا يرسل عن عبد الله إلا ما صح عنده وتواترت به الرواية عنه ، كما أخبرنا ، وأسند عن الأعمش أنه قال لإبراهيم : إذا حدثتني عن عبد الله ، فأسند ، قال : إذا قلت لك : قال عبد الله : فاعلم أني لم أقله حتى حدثنيه جماعة عنه ، وإذا قلت لك : حدثني فلان عن عبد الله ، فهو الذي حدثني وحده عنه ، قال : ومذهبنا أيضا قوي من جهة النظر ، فإنهم أجمعوا أن التكبيرة الأولى معها رفع ، وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع بينهما ، واختلفوا في تكبيرة الركوع . وتكبيرة الرفع منه ، فألحقهما قوم بالتكبيرة الأولى ، وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين ، ثم إنا رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة لا تصح بدونها الصلاة ، والتكبيرة بين السجدتين ليست بذلك ، ورأينا تكبيرة الركوع والنهوض ليستا من صلب الصلاة فألحقناهما بتكبيرة السجدتين ، والله أعلم انتهى كلامه .



                                                                                      أحاديث الخصوم : منها حديث ابن عمر أخرجه البخاري . ومسلم عن سالم عن أبيه ولفظ البخاري : قال : رأيت { رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ، وحين يرفع رأسه من الركوع ، ولا يفعل ذلك في السجود }انتهى .

                                                                                      ولفظ مسلم : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، ثم كبر ، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك ، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك ، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود }انتهى .

                                                                                      وقوله فيه : ثم كبر ، ليست عند البخاري ، قال ابن عبد البر في " التمهيد " : هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ووقفها نافع عن ابن عمر : فمنها ما جعله من قول ابن عمر .

                                                                                      ومنها ما جعله عن ابن عمر عن عمر ، والقول فيها قول سالم ، ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع ، فهذا أحدها .

                                                                                      والثاني : حديث : " من باع عبدا وله مال " . [ ص: 535 ]

                                                                                      والثالث : حديث : " الناس كإبل مائة " .

                                                                                      والرابع : حديث : " { فيما سقت السماء والعيون العشر }" ، قال الشيخ في " الإمام " : وقد جاء هذا الحديث مرفوعا من جهة حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع } ، ومن جهة إبراهيم بن طهمان عن أيوب السختياني عن نافع به مرفوعا أيضا ، رواهما البيهقي في " سننه " انتهى .

                                                                                      وأخرجه البخاري عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، فذكره ، وزاد فيه : وإذا قام من الركعتين رفع يديه ، قال الشيخ في " الإمام " ، قال الإسماعيلي في " كتابه " : هكذا يقوله عبد الأعلى ، وأومأ إلى أنه أخطأ ، وقال : خالفه ابن إدريس . وعبد الوهاب . والمعتمر عن عبيد الله عن نافع ، فذكره من فعل ابن عمر انتهى .

                                                                                      وقال أبو داود بعد تخريج رواية عبد الأعلى هذه : والصحيح أنه من قول ابن عمر ، وليس بمرفوع ، ورواه البيهقي عن عبيد الله أيضا ، فوقفه على ابن عمر ، وهو الصحيح ، قال الشيخ في " الإمام " : وعن هذا جوابان : أحدهما : الرجوع إلى الطريقة الفقهية والأصولية في قبول زيادة العدل الثقة إذا تفرد بها ، وعبد الأعلى من الثقات المتفق على الاحتجاج بهم في الصحيح . الثاني : أن عبد الأعلى لم ينفرد بها ، فإن البيهقي لما ذكره في " الخلافيات " ، قال : أخرجه البخاري في " صحيحه " عن عبد الأعلى هكذا ، وتابعه معتمر عن عبيد الله بن عمر نحوه ، ثم أخرج رواية معتمر ، وأخرج النسائي رواية معتمر في " سننه " نحو البيهقي ، ثم قال : وقوله : إذا قام من الركعتين لم يذكره عامة الرواة عن الزهري ، وعبيد الله ثقة ، ولعل الخطأ من غيره انتهى .

                                                                                      واعلم أن حديث ابن عمر هذا رواه مالك في " موطئه " عن الزهري عن سالم عن ابن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وكان لا يفعل ذلك في السجود } ، انتهى .

                                                                                      لم يذكر فيه الرفع في الركوع ، هكذا وقع في رواية يحيى بن يحيى ، وتابعه على ذلك جماعة من رواة الموطأ : منهم [ ص: 536 ] يحيى بن بكير . والقعنبي : وأبو مصعب . وابن أبي مريم . وسعيد بن عفير ، ورواه ابن وهب . وابن القاسم . ومعن بن عيسى . وابن أبي أويس عن مالك ، فذكروا فيه الرفع في الركوع ، وكذلك رواه جماعة من أصحاب الزهري عن الزهري ، وهو الصواب ، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر في " كتاب التقصي " ، وقال في " التمهيد " : وذكر جماعة من أهل العلم أن الوهم في إسقاط الرفع من الركوع إنما وقع من جهة مالك ، فإن جماعة حفاظا رووا عنه الوجهين جميعا انتهى . وكذلك قال الدارقطني في " غرائب مالك " : إن مالكا لم يذكر في " الموطأ " الرفع عند الركوع ، وذكره في غير " الموطأ " ، حدث به عشرون نفرا من الثقات الحفاظ : منهم محمد بن الحسن الشيباني . ويحيى بن سعيد القطان . وعبد الله بن المبارك . وعبد الرحمن بن مهدي . وابن وهب . وغيرهم ، ثم أخرج أحاديثهم عن عشرين رجلا ، قال : وخالفهم جماعة من رواة " الموطأ " فرووه عن مالك : وليس فيه الرفع في الركوع : منهم الإمام الشافعي . والقعنبي . ويحيى بن يحيى . ويحيى بن بكير . ومعن بن عيسى . وسعيد بن أبي مريم . وإسحاق الحنيني . وغيرهم ، والله أعلم ، واعترض الطحاوي في " شرح الآثار " حديث ابن عمر هذا ، فقال : وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا ، ثم أسند عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد ، قال صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة ، قال : فلا يكون هذا من ابن عمر إلا وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ، قال : فإن قيل : فقد روى طاوس عن ابن عمر خلاف ما رواه مجاهد ، قلنا : كان هذا قبل ظهور الناسخ انتهى . وأجاب البيهقي في " كتاب المعرفة " ، فقال : وحديث أبي بكر بن عياش هذا أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، فذكره بسنده ، ثم أسند عن البخاري أنه قال : أبو بكر بن عياش اختلط بآخره ، وقد رواه الربيع . وليث . وطاوس . وسالم . ونافع . وأبو الزبير . ومحارب بن دثار . وغيرهم ، قالوا : رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر . وإذا رفع ، وكان يرويه أبو بكر بن عياش قديما عن حصين عن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلا موقوفا : أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، ثم لا يرفعهما بعد ، وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عياش ، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر ، قال الحاكم : كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين ، ثم اختلط حين نسي حفظه ، فروى ما خولف فيه ، فكيف يجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف ؟ أو نقول : إنه ترك مرة [ ص: 537 ] للجواز ، إذ لا يقول بوجوبه ، ففعله يدل على أنه سنة ، وتركه يدل على أنه غير واجب ، انتهى .

                                                                                      قال الشيخ في " الإمام " ويزيل هذا التوهم " يعني دعوى النسخ " ما رواه البيهقي في " سننه " من جهة الحسن بن عبد الله بن حمدان الرقي ثنا عصمة بن محمد الأنصاري ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ، وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ، وكان لا يفعل ذلك في السجود ، فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى }انتهى .

                                                                                      رواه عن أبي عبد الله الحافظ عن جعفر بن محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن قريش بن خزيمة الهروي عن عبد الله بن أحمد الدمجي عن الحسن به .

                                                                                      ( حديث آخر ) : أخرجه البخاري . ومسلم عن مالك بن الحويرث ، واللفظ لمسلم { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه ، وإذا رفع رأسه من الركوع } ، انتهى .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه البخاري عن أبي عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء ، قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : منهم أبو قتادة ، قال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، فإذا ركع كبر ورفع يديه حتى يحاذي منكبيه ، فإذا رفع كبر ورفع يديه يحاذي بهما منكبيه ، وفيه : ثم إذا قام من الركعتين كبر ، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه } ، الحديث ، وفي آخره : فقالوا جميعا : صدقت ، وقد تقدم بتمامه في أول الباب ، واعترضه الطحاوي في " شرح الآثار " فقال : هذا الحديث لم يسمعه محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد ولا من أحد ذكر مع أبي حميد ، وبينهما رجل مجهول ، ومحمد بن عمرو [ ص: 538 ] ذكر في الحديث أنه حضر أبا قتادة ، وسنه لا يحتمل ذلك ، فإن أبا قتادة قتل قبل ذلك بدهر طويل ، لأنه قتل مع علي ، وصلى عليه علي ، وقد رواه عطاف بن خالد عن محمد بن عمرو ، فجعل بينهما رجلا ، ثم أخرجه عن يحيى . وسعيد بن أبي مريم ثنا عطاف بن خالد حدثني محمد بن عمرو بن عطاء حدثني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا ، فذكر نحو حديث أبي عاصم ، سواء ، قال : فإن ذكروا ضعف عطاف ، قيل لهم : وأنتم أيضا تضعفون عبد الحميد بن جعفر أكثر من تضعيفكم لعطاف . مع أنكم لا تطرحون حديث عطاف كله ، وإنما تصححون قديمه وتتركون حديثه ، هكذا ذكره ابن معين في " كتابه " . وابن أبي مريم سماعه من عطاف قديم جدا . وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعا لمحمد بن عمرو من أبي حميد ، إلا عبد الحميد ، وهو عندكم أضعف ، ثم أخرج عن عيسى بن عبد الرحمن بن مالك عن محمد بن عمرو بن عطاء ، أحد بني مالك عن عباس بن سهيل الساعدي ، وكان في مجلس فيه أبو سهيل بن سعد الساعدي . وأبو حميد . وأبو هريرة . وأبو أسيد ، فتذاكروا الصلاة ، فقال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الحديث ، وليس فيه : فقالوا : صدقت ، قال : وقوله فيه : فقالوا جميعا : صدقت ، ليس أحد يقولها إلا أبو عاصم انتهى . وأجاب البيهقي في " كتاب المعرفة " ، فقال : أما تضعيفه لعبد الحميد بن جعفر فمردود ، بأن يحيى بن معين وثقه في جميع الروايات عنه ، وكذلك أحمد بن حنبل ، واحتج به مسلم في " صحيحه " : وأما ما ذكر من انقطاعه ، فليس كذلك ، فقد حكم البخاري في " تاريخه " بأنه سمع أبا حميد . وأبا قتادة . وابن عباس .

                                                                                      وقوله : إن أبا قتادة قتل مع علي ، رواية شاذة ، رواها الشعبي والصحيح الذي أجمع عليه أهل التاريخ أنه بقي إلى سنة أربع وخمسين ، ونقله عن الترمذي . والواقدي . والليث وابن منده في الصحابة ، وأطال فيه ، ثم قال : وإنما اعتمد الشافعي في حديث أبي حميد برواية إسحاق بن عبد الله عن عباس بن سهيل عن [ ص: 539 ] أبي حميد ، ومن سماه من الصحابة ، وأكده برواية فليح بن سليمان عن عباس بن سهيل عنهم ، فالإعراض عن هذا والاشتغال بغيره ليس من شأن من يريد متابعة السنة ، انتهى كلامه .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه مسلم عن وائل بن حجر أنه رأى { رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة ، وحين ركع ، وحين رفع رأسه من الركوع } ، أخرجه مختصرا ومطولا ، قال الطحاوي في " شرح الآثار " : وحديث وائل هذا معارض بحديث ابن مسعود : { أنه عليه السلام كان يرفع يديه في تكبيرة الافتتاح ، ثم لا يعود }. وابن مسعود أقدم صحبة ، وأفهم بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم من وائل ، ثم أسند عن أنس ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه } ، وابن مسعود كان من أولئك الذين كانوا يقربون من النبي صلى الله عليه وسلم ليعلموا أفعاله كيف هي ؟ ، فهو أولى مما جاء به من هو أبعد منه في الصلاة انتهى .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه أصحاب السنن الأربعة ، والبخاري في " كتابه في رفع اليدين " عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته ، وأراد أن يركع ، ويصنعه إذا رفع من الركوع ، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته ، وهو قاعد ، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك }انتهى .

                                                                                      قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، قال الشيخ في " الإمام " : ورأيت عن " علل الخلال " عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي ، قال : سئل أحمد عن حديث علي هذا ، فقال : صحيح ، قال الشيخ : وقوله فيه : وإذا قام من السجدتين " يعني الركعتين " ، انتهى وقال النووي في " الخلاصة " : وقع في لفظ أبي داود : السجدتين ، وفي لفظ الترمذي : الركعتين ، والمراد بالسجدتين الركعتان ، يدل عليه الرواية الأخرى ، وغلط الخطابي في قوله : المراد السجدتان ، لكونه لم يقف على طرق الحديث ، انتهى .




                                                                                      الخدمات العلمية