الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                      نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                      الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      [ ص: 520 ] ( ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى )  خلافا للشافعي رحمه الله في الركوع وفي الرفع منه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " { لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن : تكبيرة الافتتاح ، وتكبيرة القنوت ، وتكبيرات العيدين }" وذكر الأربع في الحج ، والذي يروى من الرفع محمول على الابتداء . [ ص: 521 - 522 ] كذا نقل عن ابن الزبير رضي الله عنه .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الحديث الثامن والثلاثون : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن : تكبيرة الافتتاح . وتكبيرة القنوت . وتكبيرات العيدين }" ، وذكر الأربع في الحج ، قلت : غريب بهذا اللفظ ، وقد روي من حديث ابن عباس ، ومن حديث ابن عمر بنقص وتغيير ، قال الطبراني في " معجمه " : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى حدثني أبي عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ولا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن : حين يفتتح الصلاة ، وحين يدخل المسجد الحرام ، فينظر إلى البيت ، وحين يقوم على الصفا ، وحين يقوم على المروة . وحين يقف مع الناس عشية عرفة ، وبجمع ، والمقامين حين يرمي الجمرة }" انتهى حدثنا أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي ثنا عمرو بن يزيد أبو يزيد الجرمي ثنا سيف بن عبيد الله ثنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { السجود على سبعة أعضاء : اليدين ، والقدمين ، والركبتين ، والجبهة ، ورفع الأيدي إذا رأيت البيت ، وعلى الصفا والمروة ، وبعرفة ، وعند رمي الجمار ، وإذا قمت للصلاة }" انتهى ، وذكر البخاري الأول معلقا في كتابه " المفرد في رفع اليدين " ، فقال : وقال وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : { لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن : في افتتاح الصلاة . وفي استقبال الكعبة ، وعلى الصفا والمروة ، وبعرفات ، [ ص: 521 ] وبجمع ، وفي المقامين ، وعند الجمرتين }" ، ثم قال : قال شعبة : لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث ، ليس هذا منها ، فهو مرسل ، وغير محفوظ ، لأن أصحاب نافع خالفوا ، وأيضا فهم قد خالفوا هذا الحديث ، ولم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين ، وتكبير القنوت ، وفي رواية وكيع : ترفع الأيدي ، لا يمنع رفعه فيما سوى هذه السبعة انتهى كلامه . وقال البزار في " مسنده " : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ثنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس .

                                                                                      وعن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ترفع الأيدي في سبعة مواطن : افتتاح الصلاة ، واستقبال البيت ، والصفا والمروة . والموقفين . وعند الحجر }" .

                                                                                      انتهى . قال : وهذا حديث قد رواه غير واحد موقوفا ، وابن أبي ليلى لم يكن بالحافظ ، وإنما قال : ترفع الأيدي ، ولم يقل : لا ترفع الأيدي إلا في هذه المواضع انتهى كلامه . قلت : رواه موقوفا ابن أبي شيبة في " مصنفه " ، فقال : حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : ترفع الأيدي في سبعة مواطن : إذا قام إلى الصلاة . وإذا رأى البيت . وعلى الصفا والمروة . وفي جمع . وفي عرفات . وعند الجمار انتهى .

                                                                                      حدثنا ابن فضيل عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ، قال : لا يرفع الأيدي إلا في سبعة مواطن : إذا قمت إلى الصلاة : وإذا جئت من بلد . وإذا رأيت البيت ، وإذا قمت على الصفا والمروة ، وبعرفات ، وبجمع ، وعند الجمار . انتهى . قال الشيخ في " الإمام " : ورواه الحاكم ، ثم البيهقي عنه بإسناده . عن المحاربي عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس .

                                                                                      وعن نافع عن ابن عمر ، قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ترفع الأيدي في سبعة مواطن : عند افتتاح الصلاة ، واستقبال البيت ، والصفا والمروة والموقفين والجمرتين }" ، وبإسناده أيضا عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر .

                                                                                      وعن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ، قالا : ترفع الأيدي في سبعة مواطن : في افتتاح الصلاة ، واستقبال القبلة ، وعلى الصفا والمروة ، وبعرفات ، وبجمع ، وفي المقامين عند الجمرتين ، قال الشيخ في " الإمام " : واعترض على هذا بوجوه : أحدها : تفرد ابن أبي ليلى ، وترك الاحتجاج به . وثانيها : رواية وكيع عنه .

                                                                                      [ ص: 522 ] بالوقف على ابن عباس . وابن عمر ، قال الحاكم : ووكيع أثبت من كل من روى هذا الحديث عن ابن أبي ليلى . وثالثها : رواية جماعة من التابعين بالأسانيد الصحيحة المأثورة عن عبد الله بن عمر . وعبد الله بن عباس أنهما كانا يرفعان أيديهما عند الركوع ، وبعد رفع الرأس من الركوع ، وقد أسنداه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ورابعها : أن شعبة ، قال : لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث ، وليس هذا الحديث منها .

                                                                                      وخامسها : عن الحكم ، قال : إن في جميع الروايات ترفع الأيدي في سبعة مواطن ، وليس في شيء منها : لا ترفع الأيدي إلا فيها ، ويستحيل أن يكون : لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن صحيحا ، وقد تواترت الأخبار بالرفع في غيرها كثيرا : منها الاستسقاء . ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم . ورفعه عليه السلام يديه في الدعاء في الصلوات ، وأمره به . ورفع اليدين في القنوت في صلاة الصبح والوتر ، وروى البيهقي من طريق الشافعي ثنا سعيد بن سالم عن ابن جريج ، قال : حدثت عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { رفع الأيدي في الصلاة ، وإذا رأى البيت ، وعلى الصفا والمروة . وعشية عرفة ، وبجمع ، وعند الجمرتين ، وعلى الميت }" انتهى .

                                                                                      قال البيهقي : ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس .

                                                                                      وعن نافع عن ابن عمر ، مرة موقوفا عليهما ، ومرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الميت ، قال : وابن أبي ليلى هذا غير قوي انتهى .

                                                                                      قوله : روي عن ابن الزبير أنه حمل ما روي من الرفع في الصلاة على الابتداء ، ولفظه في الكتاب : والذي يروى من الرفع محمول على الابتداء ، كذا نقل عن ابن الزبير رضي الله عنه ، قلت : غريب ، وذكره ابن الجوزي في " التحقيق " ، فقال : وزعمت الحنفية أن أحاديث الرفع منسوخة بحديثين : رووا أحدهما عن ابن عباس قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه كلما ركع ، وكلما رفع ، ثم صار إلى افتتاح الصلاة ، وترك ما سوى ذلك }. والثاني : رووه عن ابن الزبير { أنه رأى رجلا يرفع يديه من الركوع ، فقال : مه ، فإن هذا شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركه }.

                                                                                      قال : وهذان الحديثان لا يعرفان أصلا ، وإنما المحفوظ عن ابن عباس . وابن الزبير خلاف ذلك ، فأخرج أبو داود عن ميمون المكي أنه رأى ابن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه حين يقوم . وحين يركع ، وحين يسجد ، قال : فذهبت إلى ابن عباس ، فأخبرته بذلك ، فقال : إن [ ص: 523 ] أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير ، ولو صح ذلك لم تصح دعوى النسخ ، لأن من شرط الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ انتهى كلامه .



                                                                                      الحديث التاسع والثلاثون : يوجد في بعض نسخ " الهداية للشافعي " ما روي عن ابن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع } ، قلت : أخرجه الأئمة الستة في " كتبهم " عن الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، ثم كبر ، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك ، فإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك ، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود }انتهى .

                                                                                      قال البخاري في كتابه المفرد في رفع اليدين " : وروي عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه إلا في التكبيرة الأولى ، قال ابن معين : إنما هو توهم لا أصل له ، أو هو محمول على السهو ، كبعض ما يسهو الرجل في صلاته ، ولم يكن ابن عمر يدع ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع ما رواه عن ابن عمر مثل طاوس . وسالم . ونافع . ومحارب بن دثار . وأبي الزبير أنه كان يرفع يديه ، فلو صحت رواية مجاهد لكانت رواية هؤلاء أولى ، ثم أخرج روايات هؤلاء المذكورين : أن ابن عمر كان يرفع يديه في الصلاة ، والله أعلم . أحاديث أصحابنا : منها حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة ، قال : { خرج علينا رسول الله ، فقال : ما لي أراكم رافعي أيديكم ، كأنها أذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة }" أخرجه مسلم واعترضه البخاري في " كتابه الذي وضعه في رفع اليدين " ، فقال : وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة ، قال : { دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ونحن نرفع أيدينا في الصلاة ، فقال : ما لي أراكم رافعي أيديكم ، كأنها أذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة }" ، وهذا إنما كان في التشهد لا في القيام ، ففسره رواية عبد الله ابن القبطية ، قال : سمعت جابر بن سمرة ، يقول : { كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا : السلام عليكم . السلام عليكم ، وأشار بيده إلى الجانبين ، فقال : ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم ، كأنها أذناب خيل شمس ؟ ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثم ليسلم على أخيه من عن يمينه [ ص: 524 ] ومن عن شماله }" انتهى .

                                                                                      وهذا قول معروف لا اختلاف فيه ، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه ، لأنه لم يستثن رفعا دون رفع ، بل أطلق انتهى كلامه . ورواية عبد الله ابن القبطية هذه أخرجه مسلم أيضا ، وفي لفظ النسائي ، قال : " { ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم ، كأنها أذناب خيل شمس ؟ }" ، الحديث ، ولقائل أن يقول : إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر ، كما جاء في لفظ الحديث الأول : { دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا الناس رافعي أيديهم في الصلاة ، فقال : ما لي أراكم رافعي أيديكم ، كأنها أذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة }" ، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له : اسكن في الصلاة ، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة ، وهو حالة الركوع والسجود ، ونحو ذلك ، هذا هو الظاهر ، والراوي روى هذا في وقت ، كما شاهده ، وروى الآخر في وقت آخر ، كما شاهده ، وليس في ذلك بعد ، والله أعلم .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه أبو داود . والترمذي عن وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة ، قال : { قال عبد الله بن مسعود : ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فصلى ، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة }انتهى .

                                                                                      وفي لفظ : فكان يرفع يديه أول مرة ، ثم لا يعود ، قال الترمذي : حديث حسن انتهى ، وأخرجه النسائي عن ابن المبارك عن سفيان به ، قال الشيخ تقي الدين في " الإمام " : وعاصم بن كليب أخرج له مسلم ، وعبد الرحمن بن الأسود أيضا أخرج له مسلم ، وهو تابعي ، وثقه ابن معين ، وعلقمة ، فلا يسأل عنه للاتفاق على الاحتجاج به انتهى .

                                                                                      واعترض على هذا الحديث بأمور : منها ما رواه الترمذي بسنده عن ابن المبارك ، قال : لم يثبت عندي حديث ابن مسعود : أنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا في أول مرة ، وثبت حديث ابن عمر أنه رفع عند الركوع ، وعند الرفع من الركوع ، وعند القيام من الركعتين ، ورواه الدارقطني ، ثم البيهقي في " سننهما " وذكره [ ص: 525 ] المنذري في " مختصر السنن " ، ثم قال : وقال غير ابن المبارك : لم يسمع عبد الرحمن من علقمة انتهى .

                                                                                      ومنها تضعيف عاصم بن كليب ، نقل البيهقي في " سننه " عن أبي عبد الله الحاكم أنه قال : عاصم بن كليب لم يخرج حديثه في الصحيح ، وكان يختصر الأخبار فيؤديها بالمعنى ، وهذه اللفظة ، ثم لا يعود غير محفوظة في الخبر ، انتهى .

                                                                                      والجواب : أما الأول : فقال الشيخ في " الإمام " : وعدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من النظر فيه ، وهو يدور على عاصم بن كليب ، وقد وثقه ابن معين ، كما قدمناه ، قال : وقول شيخنا أبي محمد المنذري ، وقال غيره : لم يسمع عبد الرحمن عن علقمة ، فغير قادح أيضا ، فإنه عن رجل مجهول ، وقد تتبعت هذا القائل فلم أجده ، ولا ذكره ابن أبي حاتم في " مراسيله " ، وإنما ذكره في " كتاب الجرح والتعديل " ، فقال : وعبد الرحمن بن الأسود ، دخل على عائشة ، وهو صغير ، ولم يسمع منها ، وروى عن أبيه .

                                                                                      وعلقمة ، ولم يقل : إنه مرسل ، وذكره ابن حبان في " كتاب الثقات " ، وقال : إنه مات سنة تسع وتسعين ، وكان سنه سن إبراهيم النخعي ، فإذا كان سنه سن النخعي ، فما المانع من سماعه عن علقمة ، مع الاتفاق على سماع النخعي منه ؟ ومع هذا .

                                                                                      كله ، فقد صرح الحافظ أبو بكر الخطيب في " كتاب المتفق والمفترق في ترجمة عبد الرحمن هذا " ، أنه سمع أباه . وعلقمة انتهى .

                                                                                      وقال ابن القطان في " كتابه الوهم والإيهام " : ذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال : حديث وكيع لا يصح ، والذي عندي أنه صحيح ، وإنما النكر فيه على وكيع زيادة : ثم لا يعود ، وقالوا : إنه كان يقولها من قبل نفسه ، وتارة لم يقلها ، وتارة أتبعها الحديث ، كأنها من كلام ابن مسعود ، وكذلك قال الدارقطني : إنه حديث صحيح ، إلا هذه اللفظة ، وكذلك قال أحمد بن حنبل وغيره ، وقد اعتنى الإمام محمد بن نصر المروزي بتضعيف هذه اللفظة في " كتاب رفع اليدين " انتهى كلامه . قلت : قد تابع وكيعا على هذه اللفظة عبد الله بن المبارك ، كما رواه النسائي ، وقد قدمناه ، وأيضا ، فغير ابن القطان ينسب الوهم فيها لسفيان الثوري لا لوكيع ، قال البخاري في " كتابه في رفع اليدين " : ويروى عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب ، فذكره بسنده ومتنه ، قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم : نظرت في " كتاب عبد الله بن إدريس " عن عاصم بن كليب ، فلم أجد فيه : ثم لم يعد ، قال البخاري : وهذا أصح ، لأن الكتاب أثبت عند أهل العلم ، [ ص: 526 ] انتهى .

                                                                                      فجعل الوهم فيه من سفيان ، لأن ابن إدريس خالفه ، وقال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل " : سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله { أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فكبر ، فرفع يديه ، ثم لم يعد } ، فقال أبي : هذا خطأ ، يقال : وهم فيه الثوري ، فقد رواه جماعة عن عاصم ، وقالوا كلهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح فرفع يديه ، ثم ركع ، فطبق ، وجعلهما بين ركبتيه ، ولم يقل أحد ما روى الثوري انتهى . فالبخاري ، وأبو حاتم جعلا الوهم فيه من سفيان ، وابن القطان ، وغيره يجعلون الوهم فيه من وكيع ، وهذا اختلاف يؤدي إلى طرح القولين ، والرجوع إلى صحة الحديث لوروده عن الثقات ، وأما الثاني : وهو تضعيف عاصم ، فقد قدمنا أنه من رجال الصحيح ، وأن ابن معين ، قال فيه : ثقة ، كما ذكره الشيخ في " الإمام " ، قال الشيخ : وقول الحاكم : إن حديثه لم يخرج في الصحيح ، فغير صحيح ، فقد أخرج له مسلم حديثه عن أبي بردة عن علي في " الهدي " ، وحديثه عنه { عن علي : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أجعل خاتمي في هذه . والتي يليها } ، وغير ذلك ، وأيضا فليس من شرط الصحيح التخريج عن كل عدل ، وقد أخرج هو في " المستدرك " عن جماعة لم يخرج لهم في الصحيح ، وقال : هو على شرط الشيخين ، وإن أراد بقوله : لم يخرج حديثه في " الصحيح " ، أي هذا الحديث ، فليس ، ذلك بعلة ، وإلا لفسد عليه مقصوده كله من كتابه " المستدرك " انتهى .

                                                                                      طريق آخر للحديث أخرجه الدارقطني ، ثم البيهقي في " سننهما " . وابن عدي في " الكامل " عن محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : { صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وعمر ، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة } ، قال الدارقطني : تفرد به محمد بن جابر ، وكان ضعيفا عن حماد عن إبراهيم ، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن عبد الله من فعله غير مرفوع ، وهو الصواب .

                                                                                      وقال البيهقي في " سننه " : وكذلك رواه حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلا ، وهذه الرواية أخرجها [ ص: 527 ] البيهقي في " الخلافيات " بسنده عن إبراهيم أن ابن مسعود كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه أول مرة ، ثم لم يرفع بعد ذلك ، قال الحاكم : وهذا هو الصحيح ، وإبراهيم لم ير ابن مسعود ، والحديث منقطع ، ومحمد بن جابر تكلم فيه أئمة الحديث ، وأحسن ما قيل فيه : إنه يسرق الحديث من كل من يذاكره ، حتى كثرت المناكير والموضوعات في حديثه ، قال الشيخ : أما قوله : إنه كان يسرق الحديث من كل من يذاكره ، فالعلم بهذه الكلية متعذر ، وأما إن ذلك أحسن ما قيل فيه ، فأحسن منه قول ابن عدي : كان إسحاق بن أبي إسرائيل يفضل محمد بن جابر على جماعة شيوخ هم أفضل منه ، وأوثق ، وقد روى عنه من الكبار : أيوب . وابن عون . وهشام بن حسان . والثوري . وشعبة . وابن عيينة . وغيرهم ، ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء الذين هو دونهم ، وقد خولف في أحاديث ، ومع ما تكلم فيه ، فهو ممن يكتب حديثه ، وممن تكلم فيه البخاري ، قال فيه : ليس بالقوي ، وقال ابن معين : ضعيف ، انتهى .

                                                                                      ومن الناس القائلين بالرفع من سلك في حديث ابن مسعود هذا مسلك البحث والمناظرة ، فقال : يجوز أن يكون ابن مسعود نسي الرفع في غير التكبيرة الأولى . كما نسي في التطبيق وغيره ، واستبعد أصحابنا هذا من مثل ابن مسعود ، واحتجوا بحديث أخرجه الدارقطني في " سننه " ، والطحاوي في " شرح الآثار " عن حصين بن عبد الرحمن ، قال : { دخلنا على إبراهيم النخعي فحدثه عمرو بن مرة ، قال : صلينا في مسجد الحضرميين ، فحدثني علقمة بن وائل عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حين يفتتح ، وإذا ركع ، وإذا سجد ، فقال إبراهيم : ما أرى أباه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ذلك اليوم الواحد ، فحفظ عنه ذلك ، وعبد الله بن مسعود لم يحفظه ، وإنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة ، }انتهى .

                                                                                      ورواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " ، ولفظه : أحفظ وائل ، ونسي ابن مسعود ؟ ورواه الطحاوي في " شرح الآثار " ، وزاد فيه : فإن كان رآه مرة يرفع ، فقد رآه خمسين مرة لا يرفع انتهى .

                                                                                      ذكر هذا الكلام كله ابن الجوزي في " التحقيق " ، قال صاحب " التنقيح " : قال الفقيه أبو بكر بن إسحاق : هذه علة لا يساوى سماعها ، لأن رفع اليدين قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الخلفاء الراشدين ، ثم عن الصحابة والتابعين ، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب ، قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد ، وهي المعوذتان . [ ص: 528 ] ونسي ما اتفق العلماء على نسخه ، كالتطبيق ، ونسي كيف قيام الاثنين خلف الإمام .

                                                                                      ونسي ما لم يختلف العلماء فيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر في وقتها ، ونسي كيفية جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة .

                                                                                      ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود ، ونسي كيف كان يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم : { وما خلق الذكر والأنثى } ، وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة ، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين .

                                                                                      وقال البخاري في " كتابه في رفع اليدين " : كلام إبراهيم هذا ظن منه ، لا يرفع به رواية وائل ، بل أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ، وكذلك رأى أصحابه غير مرة يرفعون أيديهم ، كما بينه زائدة ، فقال : حدثنا عاصم ثنا أبي عن وائل بن حجر أنه { رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ، فرفع يديه في الركوع ، وفي الرفع منه }.

                                                                                      قال : ثم أتيتهم بعد ذلك ، فرأيت الناس في زمان برد ، عليهم جل الثياب ، تحرك أيديهم من تحت الثياب ، انتهى .

                                                                                      وقال البيهقي في " المعرفة " : قال الشافعي : الأولى أن يؤخذ بقول وائل ، لأنه صحابي جليل ، فكيف يرد حديثه بقول رجل ممن هو دونه ، وخصوصا ، وقد رواه معه عدد كثير انتهى .

                                                                                      { حديث آخر } أخرجه أبو داود عن شريك عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ، قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ، ثم لا يعود }انتهى .

                                                                                      قال أبو داود : رواه هشيم ، وخالد ، وابن إدريس عن يزيد ، لم يذكروا فيه : ثم لا يعود انتهى . قال الشيخ في " الإمام " واعترض عليه بأمور : أحدها : إنكار هذه الزيادة على شريك ، وزعموا أن جماعة رووه عن يزيد ، فلم يذكروها ، قال الشيخ : وقد توبع شريك عليها ، كما أخرجه الدارقطني عن إسماعيل بن زكريا ثنا يزيد بن أبي زياد به ، نحوه ، وأنه كان تغير بآخره ، وصار يتلقن ، واحتجوا على ذلك بأنه أنكر الزيادة ، كما أخرجه الدارقطني عن علي بن عاصم ثنا [ ص: 529 ] محمد بن أبي ليلى عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ، قال : { رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حين قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه } ، فقلت : أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت : ثم لم يعد ، قال : لا أحفظ هذا ، ثم عاودته ، فقال : لا أحفظه .

                                                                                      وقال البيهقي : سمعت الحاكم أبا عبد الله يقول : يزيد بن أبي زياد كان يذكر بالحفظ ، فلما كبر ساء حفظه ، فكان يقلب الأسانيد ، ويزيد في المتون ، ولا يميز ، وقال الحاكم ، ثم البيهقي عنه ، بسنده عن أحمد بن حنبل ، قال : هذا حديث واه ، قد كان يزيد بن أبي زياد يحدث به برهة من دهره ، فلا يذكر فيه : ثم لا يعود ، فلما لقن أخذه ، فكان يذكره فيه ، قال الشيخ : ويزيد بن أبي زياد معدود في أهل الصدق ، كوفي ، يكنى " أبا عبد الله " ، ذكر أبو الحارث القروي ، قال أبو الحسن : يزيد بن أبي زياد ، جيد الحديث ، وذكر مسلم في " مقدمة كتابه " صنفا ، فقال فيهم : إن الستر والصدق وتعاطي العلم يشتملهم ، كعطاء بن السائب . ويزيد بن أبي زياد ، وليث بن أبي سليم . الأمر الثاني : المعارضة برواية إبراهيم بن يسار عن سفيان ثنا يزيد بن أبي زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ، قال : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه ، وإذا أراد أن يركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع }.

                                                                                      قال سفيان : فلما قدمت الكوفة سمعته يقول : يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، ثم لا يعود ، فظننتهم لقنوه ، رواه الحاكم ، ثم البيهقي عنه . قال الحاكم : لا أعلم أحدا ساق هذا المتن بهذه الزيادة عن سفيان بن عيينة غير إبراهيم بن بشار الرمادي ، وهو ثقة ، من الطبقة الأولى ، من أصحاب ابن عيينة ، جالس ابن عيينة نيفا وأربعين سنة ، ورواه البخاري في " كتابه في رفع اليدين " حدثنا الحميدي ثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد بمثل لفظ الحاكم ، قال البخاري : وكذلك رواه الحفاظ ممن سمع يزيد قديما : منهم شعبة . والثوري . وزهير ، وليس فيه : ثم لم يعد انتهى .

                                                                                      وقال ابن حبان في " كتاب الضعفاء . " : يزيد بن أبي زياد كان صدوقا ، إلا أنه لما كبر تغير ، فكان يلقن ، فيتلقن ، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح ، وسماع [ ص: 530 ] من سمع منه في آخر قدومه الكوفة ليس بشيء ، انتهى . طريق آخر لحديث البراء ، أخرجه أبو داود عن وكيع عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء ، قال : رأيت { رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين افتتح الصلاة ، ثم لم يرفعهما حتى انصرف }انتهى .

                                                                                      قال أبو داود : هذا الحديث ليس بصحيح ، وكأنه ضعفه بمحمد بن أبي ليلى ، وذكره البخاري في " كتابه في رفع اليدين " معلقا ، لم يصل سنده به ، ثم قال : وإنما روى ابن أبي ليلى ، هذا من حفظه ، فأما من روى عن ابن أبي ليلى من كتابه ، فإنما حدث عنه عن يزيد بن أبي زياد ، فرجع الحديث إلى تلقين يزيد ، والمحفوظ ما روى عنه الثوري . وشعبة . وابن عيينة ، قديما ، ليس فيه : ثم لم يرفع ، انتهى .

                                                                                      وقال الحازمي في " كتابه الناسخ والمنسوخ " : الوجه التاسع عشر : أن يكون أحد الروايتين لم يضطرب لفظه ، فترجح خبره على خبر من اضطرب لفظه ، لأنه يدل على ضبطه نحو حديث ابن عمر { أنه عليه السلام كان يرفع يديه إذا كبر ، وإذا ركع ، وإذا رفع } ، فإنه يروى عن ابن عمر من غير وجه ، ولم يختلف عليه فيه ، فهو أولى بالمصير من حديث البراء بن عازب : { أنه عليه السلام كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، ثم لا يعود } ، لأنه يعرف بيزيد بن أبي زياد ، وهو قد اضطرب فيه ، قال سفيان بن عيينة : كان يزيد بن أبي زياد يروي هذا الحديث ، ولا يقول فيه : ثم لا يعود ، ثم دخلت الكوفة فرأيته يرويه ، وقد زاد فيه ثم لا يعود ، لقنوه ، فتلقن ، انتهى .

                                                                                      قال البيهقي في " المعرفة " ويدل على أنه تلقنها ، أن أصحابه القدماء لم يؤثروها عنه ، مثل سفيان الثوري ، وشعبة ، وهشيم ، وزهير ، وغيرهم ، وإنما أتى بها عنه من سمع منه بآخره ، وكان قد تغير واختلط ، وابن أبي زياد ضعفه ابن معين ، وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عبد الرحمن عن البراء . ومحمد بن أبي ليلى أضعف عند أهل الحديث من ابن أبي زياد ، واختلف عليه في إسناده ، فقيل : هكذا ، وقيل : عنه عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي ليلى ، وقيل : عنه عن يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى ، فعاد الحديث إلى يزيد ، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : كان أبي ينكر حديث الحكم . [ ص: 531 ] وعيسى ، ويقول : إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد ، وابن أبي ليلى سيئ الحفظ . وابن أبي زياد ليس بالحافظ انتهى .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه البيهقي في " الخلافيات " عن عبد الله بن عون الخراز ثنا مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه ، إذا افتتح الصلاة ، ثم لا يعود }انتهى .

                                                                                      قال البيهقي : قال الحاكم : هذا باطل موضوع ، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح ، فقد روينا بالأسانيد الصحيحة عن مالك بخلاف هذا ، ولم يذكر الدارقطني هذا في " غرائب حديث مالك " قال الشيخ : والخراز هذا " بخاء معجمة ، بعدها راء مهملة ، آخره زاي معجمة " .

                                                                                      { حديث آخر } : أخرجه البيهقي في " الخلافيات " أيضا ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق عن الحسن بن الربيع عن حفص بن غياث عن محمد بن أبي يحيى عن عباد بن الزبير { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول الصلاة ، ثم لم يرفعها في شيء حتى يفرغ }انتهى . قال الشيخ في " الإمام " : وعباد هذا تابعي ، فهو مرسل انتهى .

                                                                                      { حديث آخر } : حديث : " { لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن }" ، وقد تقدم الكلام عليه .



                                                                                      { حديث آخر } : ذكر الحاكم أبو عبد الله في " كتاب المدخل إلى معرفة الإكليل في ذكر المجروحين " تحت ترجمة جماعة وضعوا الحديث في الوقت لحاجتهم إليه ، قال : وقيل لمحمد بن عكاشة الكرماني : إن قوما يرفعون أيديهم في الركوع ، وبعد رفع الرأس من الركوع ، فقال : حدثنا المسيب بن واضح ثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من رفع يديه في الركوع ، فلا صلاة له }انتهى .

                                                                                      قال الحاكم : فكل من رزقه الله فهما في نوع من العلم ، وتأمل هذه الأحاديث علم أنها موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى .

                                                                                      وهذا الحديث رواه ابن الجوزي بإسناده في " الموضوعات " عن محمد بن عكاشة به ، ثم نقل عن الدارقطني أنه قال : محمد بن عكاشة هذا كان يضع الحديث ، ثم رواه ابن الجوزي من حديث [ ص: 532 ] المأمون بن أحمد السلمي ثنا المسيب بن واضح عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له }" انتهى .

                                                                                      وكذلك رواه في " كتاب التحقيق " ، ونقل في الكتابين عن ابن حبان أنه قال : مأمون هذا كان دجالا من الدجاجلة ، قال ابن الجوزي : وما أبله من وضع هذه الأحاديث الباطلة لتقاوم بها الأحاديث الصحيحة ، فقد روى الرفع من الصحابة جماعة كثيرون ، وسمى ستة وعشرين رجلا ، قال : ومن لم يكن الحديث صناعته لم ينكر عليه الاحتجاج بالأباطيل انتهى . الآثار في ذلك : روى الطحاوي ، ثم البيهقي من حديث الحسن بن العياش عن عبد الملك بن أبجر عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود ، قال : رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ، ثم لا يعود ، قال : ورأيت إبراهيم . والشعبي يفعلان ذلك ، قال الطحاوي : فهذا عمر لم يكن يرفع يديه أيضا إلا في التكبيرة الأولى ، والحديث صحيح ، فإن مداره على الحسن بن عياش ، وهو ثقة حجة ، وذكر ذلك يحيى بن معين عنه ، انتهى ، واعترضه الحاكم : بأن هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة ، ولا تعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاوس بن كيسان عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه في الركوع ، وعند الرفع منه ، وروى هذا الحديث سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به ، ولم يذكر فيه : لم يعد ، ثم رواه الحاكم ، وعنه البيهقي بسنده عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود أن عمر كان يرفع يديه في التكبير ، انتهى .

                                                                                      قال الشيخ : وما ذكره الحاكم فهو من باب ترجيح رواية لا من باب التضعيف ، وأما قوله : إن سفيان لم يذكر عن الزبير بن عدي فيه : لم يعد ، فضعيف [ ص: 533 ] جدا ، لأن الذي رواه سفيان في مقدار الرفع ، والذي رواه الحسن بن عياش في محل الرفع ، ولا تعارض بينهما ، ولو كانا في محل واحد لم تعارض رواية من زاد برواية من ترك ، والحسن بن عياش أبو محمد هو أخو أبي بكر بن عياش ، قال فيه ابن معين : ثقة هكذا رواه ابن أبي خيثمة عنه ، وقال عثمان بن سعيد الدارمي : الحسن . وأخوه أبو بكر بن عياش كلاهما من أهل الصدق والأمانة .

                                                                                      وقال ابن معين : كلاهما عندي ثقة . أثر آخر أخرجه الطحاوي عن أبي بكر النهشلي ثنا عاصم بن كليب عن أبيه أن عليا رضي الله عنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ، ثم لا يعود يرفع انتهى .

                                                                                      وهو أثر صحيح ، قال البخاري في " كتابه في رفع اليدين " : وروى أبو بكر النهشلي عن عاصم بن كليب عن أبيه أن عليا رفع يديه في أول التكبيرة ، ثم لم يعد ، وحديث عبيد الله بن أبي رافع أصح انتهى .

                                                                                      فجعله دون حديث عبيد الله بن أبي رافع في الصحة ، وحديث ابن أبي رافع صححه الترمذي . وغيره وسيأتي في أحاديث الخصوم ، وقال الدارقطني في " علله " : واختلف على أبي بكر النهشلي فيه ، فرواه عبد الرحيم بن سليمان عنه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ووهم في رفعه ، وخالفه جماعة من الثقات : منهم عبد الرحمن بن مهدي . وموسى بن داود . وأحمد بن يونس . وغيرهم ، فرووه عن أبي بكر النهشلي موقوفا على علي ، وهو الصواب ، وكذلك رواه محمد بن أبان عن عاصم موقوفا انتهى .

                                                                                      فجعله الدارقطني موقوفا صوابا ، والله أعلم . أثر آخر أخرجه البيهقي عن سوار بن مصعب عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري . وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران ، ثم لا يعودان انتهى . قال البيهقي : قال الحاكم : وعطية . سيئ الحال ، وسوار أسوأ حالا منه ، وأسند البيهقي عن البخاري أنه قال : سوار بن مصعب منكر الحديث .

                                                                                      وعن ابن معين أنه غير محتج به . أثر آخر أخرجه الطحاوي في " شرح الآثار " عن إبراهيم النخعي ، قال : كان [ ص: 534 ] عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلوات ، إلا في الافتتاح انتهى .

                                                                                      قال الطحاوي : فإن قالوا : إن إبراهيم عن عبد الله غير متصل ، قيل لهم : كان إبراهيم لا يرسل عن عبد الله إلا ما صح عنده وتواترت به الرواية عنه ، كما أخبرنا ، وأسند عن الأعمش أنه قال لإبراهيم : إذا حدثتني عن عبد الله ، فأسند ، قال : إذا قلت لك : قال عبد الله : فاعلم أني لم أقله حتى حدثنيه جماعة عنه ، وإذا قلت لك : حدثني فلان عن عبد الله ، فهو الذي حدثني وحده عنه ، قال : ومذهبنا أيضا قوي من جهة النظر ، فإنهم أجمعوا أن التكبيرة الأولى معها رفع ، وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع بينهما ، واختلفوا في تكبيرة الركوع . وتكبيرة الرفع منه ، فألحقهما قوم بالتكبيرة الأولى ، وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين ، ثم إنا رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة لا تصح بدونها الصلاة ، والتكبيرة بين السجدتين ليست بذلك ، ورأينا تكبيرة الركوع والنهوض ليستا من صلب الصلاة فألحقناهما بتكبيرة السجدتين ، والله أعلم انتهى كلامه .




                                                                                      الخدمات العلمية