الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                      نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                      الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      [ ص: 91 - 93 ] فصل في نواقض الوضوء ( المعاني الناقضة للوضوء : كل ما يخرج من السبيلين   ) :

                                                                                      لقوله تعالى{ أو جاء أحد منكم من الغائط }{ وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الحدث ؟ قال : ما يخرج من السبيلين }وكلمة " ما " عامة فتتناول المعتاد وغيره ( والدم والقيح إذا خرجا من البدن فتجاوزا إلى موضع  يلحقه حكم التطهير ، والقيء ملء الفم ) وقال الشافعي رحمه الله : الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء ، لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام قاء فلم يتوضأ }; ولأن غسل غير موضع الإصابة أمر تعبدي فيقتصر على مورد الشرع ، وهو المخرج المعتاد ، ولنا قوله عليه الصلاة والسلام : { الوضوء من كل دم سائل }. [ ص: 94 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : { من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم }; ولأن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة ، وهذا القدر في الأصل معقول ، والاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول ، لكنه يتعدى ضرورة تعدي الأول ، غير أن الخروج إنما يتحقق بالسيلان إلى موضع يلحقه حكم التطهير ، وبملء الفم في القيء ; لأن زوال القشرة تظهر النجاسة في محلها ، فتكون بادية لا خارجة ، بخلاف [ ص: 95 ] السبيلين ; لأن ذلك الموضع ليس بموضع النجاسة فيستدل بالظهور على الانتقال والخروج ، وملء الفم : أن يكون بحال لا يمكن ضبطه إلا بتكلف ; لأنه يخرج ظاهرا فاعتبر خارجا . [ ص: 96 - 101 ] وقال زفر رحمه الله تعالى: قليل القيء وكثيره سواء ، وكذا لا يشترط السيلان عنده اعتبارا بالمخرج المعتاد ، ولإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام : { القلس حدث }.

                                                                                      ولنا قوله عليه الصلاة والسلام : { ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون سائلا }وقول علي رضي الله عنه حين عد الأحداث جملة : أو دسعة تملأ الفم .

                                                                                      وإذا تعارضت الأخبار يحمل ما رواه الشافعي رحمه الله على القليل ، وما رواه زفر رحمه الله على الكثير ، والفرق بين المسلكين قد بيناه .

                                                                                      ولو قاء متفرقا بحيث لو جمع يملأ الفم   ; فعند أبي يوسف رحمه الله يعتبر اتحاد المجلس ، وعند محمد رحمه الله يعتبر اتحاد السبب وهو الغثيان . [ ص: 102 ] ثم ما لا يكون حدثا لا يكون نجسا ، يروى ذلك عن أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وهو الصحيح ; لأنه ليس بنجس حكما حيث لم تنتقض به الطهارة .

                                                                                      ( وهذا إذا قاء مرة أو طعاما أو ماء ، فإن قاء بلغما فغير ناقض ) عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله : ناقض إذا كان ملء الفم ، والخلاف في المرتقي من الجوف ، أما النازل من الرأس فغير ناقض بالاتفاق ; لأن الرأس ليس بموضع النجاسة .

                                                                                      لأبي يوسف رحمه الله أنه نجس بالمجاورة ، ولهما أنه لزج لا تتخلله النجاسة ، وما يتصل به قليل ، والقليل في القيء غير ناقض .

                                                                                      ( ولو قاء دما وهو علق يعتبر فيه ملء الفم ; لأنه سوداء محترقة ) وإن كان مائعا فكذلك عند محمد رحمه الله اعتبارا بسائر أنواعه ، وعندهما إن سال بقوة نفسه ينتقض الوضوء وإن كان قليلا ; لأن المعدة ليست بمحل الدم فيكون من قرحة في الجوف ( ولو نزل ) من الرأس ( إلى ما لان من الأنف نقض بالاتفاق ) لوصوله إلى موضع يلحقه حكم التطهير ، فيتحقق الخروج .

                                                                                      [ ص: 93 ]

                                                                                      التالي السابق



                                                                                      الخدمات العلمية