الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        جزء صفحة
        [ ص: 267 ] النوع الثالث عشر : الشاذ هو عند الشافعي وجماعة من علماء الحجاز : ما روى الثقة مخالفا لرواية الناس لا أن يروي ما لا يروي غيره ، قال الخليلي : والذي عليه حفاظ الحديث ، أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة ، أو غيره ، فما كان عن غير ثقة فمتروك ، وما كان عن ثقة توقف فيه ، ولا يحتج به ، وقال الحاكم : هو ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع .

        وما ذكراه مشكل بأفراد العدل الضابط كحديث " إنما الأعمال بالنيات " ، والنهي عن بيع الولاء وغير ذلك مما في الصحيح ، فالصحيح التفصيل : فإن كان بتفرده مخالفا أحفظ منه وأضبط ، كان شاذا مردودا وإن لم يخالف الراوي ، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بضبطه كان تفرده صحيحا ، وإن لم يوثق بضبطه ، ولم يبعد عن درجة الضابط كان حسنا ، وإن بعد كان شاذا منكرا مردودا ، والحاصل أن الشاذ المردود : هو الفرد المخالف والفرد الذي ليس في رواته من الثقة والضبط ما يجبر به تفرده .

        التالي السابق


        تنبيه

        ما تقدم من الاعتراض على الخليلي والحاكم بأفراد الصحيح ، أورد عليه أمران : أحدهما : أنهما إنما ذكرا تفرد الثقة ، فلا يرد عليهما تفرد الضابط الحافظ لما بينهما من الفرق

        وأجيب بأنهما أطلقا الثقة فشمل الحافظ وغيره .

        والثاني أن حديث النية لم ينفرد به عمر ، بل رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو سعيد الخدري ، كما ذكره الدارقطني وغيره ( ق 81 \ ب ) .

        [ ص: 273 ] بل ذكر أبو القاسم بن منده أنه رواه سبعة عشر أخر من الصحابة ، علي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وأبو هريرة ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعتبة بن عبد السلمي ، وهلال بن سويد ، وعبادة بن الصامت ، وجابر بن عبد الله ، وعقبة بن عامر ، وأبو ذر الغفاري ، وعتبة بن الندر ، وعتبة بن مسلم .

        وزاد غيره : أبا الدرداء ، وسهل بن سعد ، والنواس بن سمعان ، وأبا موسى الأشعري ، وصهيب بن سنان ، وأبا أمامة الباهلي ، وزيد بن ثابت ، ورافع بن خديج ، وصفوان بن أمية ، وغزية بن الحارث ، أو الحارث بن غزية ، وعائشة ، وأم سلمة ، وأم حبيبة ، وصفية بنت حيي .

        وذكر ابن منده أنه رواه عن عمر غير علقمة ، وعن علقمة غير محمد ، وعن محمد غير يحيى .

        وأن حديث النهي عن بيع الولاء رواه غير ابن دينار .

        فأخرجه الترمذي في العلل المفرد ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، ثنا يحيى بن سليم ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر .

        وأخرجه ابن عدي في " الكامل " ، حدثنا عصمة البخاري ، حدثنا إبراهيم بن [ ص: 274 ] فهد ، ثنا مسلم ، عن محمد بن دينار ، عن يونس يعني ابن عبيد ، عن نافع ، عن ابن عمر .

        وأجيب بأن حديث الأعمال لم يصح له طريق غير حديث عمر ، ولم يرد بلفظ حديث عمر إلا من حديث أبي سعيد ، وعلي ، وأنس ، وأبي هريرة .

        فأما حديث أبي سعيد فقد صرحوا بتغليط ابن أبي رواد الذي رواه ، عن مالك ، وممن وهمه فيه الدارقطني وغيره .

        وحديث علي في أربعين علوية بإسناد من أهل البيت ، فيه من لا يعرف .

        وحديث أنس رواه ابن عساكر في أول أماليه من رواية يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أنس ، وقال : غريب جدا ، والمحفوظ حديث عمر ، ( ق 82 \ أ ) .

        وحديث أبي هريرة رواه الرشيد العطار في جزء له بسند ضعيف .

        وسائر أحاديث الصحابة المذكورين إنما هي في مطلق النية كحديث : يبعثون على نياتهم ، وحديث : ليس له من غزاته إلا ما نوى ، ونحو ذلك .

        وهكذا يفعل الترمذي في الجامع ، حيث يقول ، وفي الباب عن فلان وفلان ، فإنه لا يريد ذلك الحديث المعين ، بل يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في الباب .

        [ ص: 275 ] قال العراقي : وهو عمل صحيح إلا أن كثيرا من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه ، وليس كذلك ، بل قد يكون كذلك وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده في ذلك الباب ، ولم يصح من طريق عن عمر إلا الطريق المتقدمة .

        قال البزار في مسنده : لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من حديث عمر ، ولا عن عمر إلا من حديث علقمة ، ولا عن علقمة إلا من حديث محمد ، ولا عن محمد إلا من حديث يحيى .

        وأما حديث النهي ، فقال الترمذي في الجامع والعلل : أخطأ فيه يحيى بن سليم ، وعبد الله بن دينار تفرد بهذا الحديث ، عن ابن عمر .

        وقال ابن عدي عقب ما أورده : ما أسمعه إلا من عصمة ، عن إبراهيم بن فهد ، وإبراهيم مظلم الأمر له مناكير .

        نعم حديث المغفر لم ينفرد به مالك بل تابعه ، عن الزهري ابن أخي الزهري ، رواها البزار في مسنده .

        وأبو أويس بن أبي عامر ، رواها ابن عدي في " الكامل " ، وابن سعد في [ ص: 276 ] " الطبقات " .

        ومعمر رواها ابن عدي والأوزاعي نبه عليها المزي في الأطراف .

        وعن ابن العربي أن له ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك .

        وقال شيخ الإسلام : قد جمعت طرقه فوصلت إلى سبعة عشر .




        الخدمات العلمية